• - الموافق2026/04/19م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مذيعون أم مُحرّرون؟ اختلال البيان في زمن المنصّات

هل نحن أمام ثورة في نشر العلم الشرعي أم أزمة تُعيد تشكيله وفق منطق التفاعل والسرعة؟ وكيف تحوّل الخلاف الفقهي إلى أداة تسييل، وأثّرت العجلة والاقتطاع في دقة الفتوى، حتى بات البيان الديني مهددًا بفقدان وظيفته الإصلاحية الحقيقية؟


في المشهد الديني المعاصر يتلقّى المتابع يوميًّا سيلًا متدفقًا من الأقوال والأحكام والتعليقات الشرعية، تُبَثّ في مقاطع قصيرة وعناوين جاذبة، وتُعاد مشاركتها بسرعة تفوق قدرة التثبُّت والمراجعة. ولم يَعُد الفاصل واضحًا بين القول الذي صدر عن تحريرٍ علمي واستيفاءٍ لشروط النظر، وبين القول الذي خرج استجابةً لإيقاع اللحظة ومتطلبات التفاعل. وفي هذا الفضاء تختلط الفتوى بالرأي، والعلم بالانطباع، ويُستدعى الخلاف لتبرير كل طرح، بينما يُهمَّش السؤال عن قوة الدليل ومنهج الاستدلال.

ومع تكرار هذا النمط لا يقتصر الأثر على اضطراب الفهم في مسألة جزئية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الديني ذاته؛ إذ يتحول الانتشار إلى معيارٍ للاعتبار، ويغدو الحضور الرقمي قرينةً على المشروعية، ويُختزل البيان الشرعي في قدرته على الجذب لا في قدرته على الإرشاد. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما نراه اليوم يُعدّ امتدادًا طبيعيًّا لتطوُّر وسائل النشر، أم أننا أمام تحوُّل بنيوي يمسّ مركز البيان نفسه؟

لم تُبنَ مرجعية العلم في التصور الإسلامي على مجرد الحضور الاجتماعي، بل تشكَّلت بوصفها منظومة معيارية تقوم على أصولٍ واضحة، ثبوت الدليل، وأهلية الناظر، واستقامة المنهج في الاستدلال والتنزيل. فالعِلْم ليس معلومة متداولة، بل ممارسة منضبطة تُحرَّر فيها المسائل، وتُميَّز مراتب الأقوال، وتُراعى السياقات والمآلات. ومن هنا كانت قيمة القول العلمي تُقاس بمدى انضباطه بهذه الأصول، لا بمدى شيوعه أو صدى صدوره.

غير أن البيئة الرقمية أفرزت معيارًا جديدًا للاعتبار؛ حيث لم تَعُد قوة الدليل هي التي تمنح القول وزنه، بل قدرة المحتوى على الانتشار، وإثارة التفاعل، والبقاء في دائرة التداول. ومع الوقت لا يبقى هذا التحول في حدود الوسيط، بل يتسلل إلى بنية الخطاب نفسه، فيؤثر في صياغته، وإيقاعه، وأولوياته، وحتى في طريقة اختيار موضوعاته.

سلطة المنصّة وإعادة ترتيب الأولويات

المنصّات الرقمية ليست مجرد قنوات محايدة تنقل ما يُنتج خارجها، بل هي بيئات تصنع شروط الإنتاج ذاتها، فهي تعمل وفق خوارزميات تُكافئ ما يثير الانتباه ويستديم التفاعل، وتدفع بالمحتوى القابل للاقتطاع والاختزال إلى واجهة المشهد.

وبهذا المعنى تمارس المنصَّة نوعًا من «السلطة المعرفية» التي تُعيد ترتيب الأولويات دون إعلان صريح.

في هذا السياق يُختزَل الزمن المنهجي الذي كان يُتاح للبحث والتحرير إلى لحظة آنية يُطلَب فيها التعليق الفوري. ويصبح العنوان عنصر جذب مستقلًا عن المضمون، وتتحول العبارة الموجزة إلى أداة تأثير تتقدم على البيان المفصل.

ومع تكرار هذا الإيقاع تتشكل لدى المتلقي عادات جديدة في التلقي، تقوم على السرعة، وتفضيل المختصر، والاكتفاء بالمقتطف.

ولا يظل أثر هذا التحوُّل في الشكل فحسب، بل يمتد إلى مضمون القضايا المطروحة. فالمسائل الاجتهادية المركبة، التي تحتاج إلى تحرير محل النزاع، وبيان المآخذ، وذكر القيود، تُعرَض في صورة ثنائية حادة أو حكمٍ مجمل، بما يسمح بتداولها سريعًا. وتُنتزع الأقوال من سياقاتها لتُقدَّم كآراء مستقلة قابلة للتبنّي أو الرفض دون معرفة بدرجتها أو مأخذها. ويتجلّى ذلك في إعادة تداول مقاطع مجتزأة لفتاوى صدرت في سياقات مخصوصة، فتُبَثّ اليوم بوصفها أحكامًا مطلقة دون بيان ظرفها أو علّتها.

كما يظهر في تحويل جوابٍ خاصّ بحالة فردية إلى موقفٍ عام يُنْسَب إلى الشريعة كلّها، أو في عناوين مثيرة تُختَزل فيها مسائل طويلة البحث في جملة تقريرية حادة، تُوهم القارئ أن القضية محسومة على وجهٍ واحد، أو أنها محلّ نقضٍ كلي، دون بيانٍ لمحل النزاع أو لحدود القول.

ومن أخطر ما يتولد عن هذه البيئة: إعادة تشكيل المصطلحات الشرعية نفسها. فالمفهوم الذي كان يُفهَم داخل شبكة من الضوابط والشروط، يُعاد تقديمه في سياق إعلامي عام، فتتغير دلالته أو تتسع حتى تفقد حدودها. ومع الوقت لا يعود الخلل في فهم حكمٍ بعينه، بل في اهتزاز الجهاز المفهومي الذي يُبنَى عليه الفهم كله. ويعزّز هذا المسار تحوُّل صورة «المتصدّر» في الوعي العام؛ إذ ينتقل مركز الاعتبار من العالم الذي يُعرف بالتحرير والتثبُّت، إلى الشخصية التي تُعرَف بكثرة الظهور وسرعة الاستجابة. وهنا يتحقّق المعنى الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم  في قبض العلم بقبض العلماء، حين يُتَّخَذ غير المُؤهَّلين رؤوسًا فيُفتون بغير علم فيَضِلُّون ويُضِلُّون.

فالمشكلة ليست في تعدُّد المنابر، بل في غياب معيارٍ يُميِّز بين البيان المحرَّر والقول المذاع. بهذا المنظور لا يكون السؤال عن مشروعية المنصّات ذاتها، بل عن شروط استخدامها، وعن قدرة الخطاب الشرعي على الحفاظ على أصوله في بيئة تُكافئ الاختزال والسبق. وإذا لم يُنتبه إلى هذا التحول البنيوي، فإن انتقال معيار الاعتبار من منطق العلم إلى منطق التداول سيستمر بهدوء، حتى يُعاد تشكيل مركز البيان دون شعورٍ واضح بحدوث الانزياح.

فالمنصّة في ذاتها أداة، ويمكن توظيفها في نشر العلم على نحوٍ راشد، غير أن الإشكال ينشأ حين لا تُستخدم المنصّة لنقل البيان، بل يُعاد تشكيل البيان ليتلاءم مع منطق المنصّة. فثمة فَرقٌ بين عالمٍ يُوظِّف الوسيط لخدمة المعنى، وبين خطابٍ يُعاد بناؤه ليخضع لقوانين الجذب والإثارة ولو على حساب الدقة. الأول يظل محافظًا على مركز الشرعية، أما الثاني فينقل المركز إلى آليات التداول ذاتها.

تشييء الخلاف وإفراغه من وظيفته المنهجية

من أبرز مظاهر التحول الذي تفرضه بيئة المنصّات: إعادة تشكيل موقع الخلاف الفقهي في الخطاب العام. فالخلاف في بنيته العلمية الأصلية لم يكن غاية في ذاته، ولا علامة اضطراب، بل كان ثمرةً طبيعية لتعدُّد المدارك واختلاف مناهج الاستدلال داخل إطارٍ منضبط بقواعد الأصول. وكان استحضاره يهدف إلى ترشيد النظر، وبيان سعة الاجتهاد، ثم ترجيح ما يقوم عليه الدليل الأقوى.

غير أن المنصّة الرقمية، بما تفرضه من منطق العرض السريع والتفاعل اللحظي، أسهمت في نزع الخلاف من سياقه المنهجي، وتحويله إلى مادة تداولية مستقلة. فلم يَعُد يُستدعَى لبيان قوة مأخذ أو ضعف آخر، بل لذاته؛ بوصفه مساحة مفتوحة تسمح بتعليق الحسم، أو تبرير الاختيار الانتقائي. وهنا يتحوَّل الخلاف من أداة ضبطٍ إلى أداة تسييل.

يتجلّى ذلك حين تُعرَض مسائل دقيقة بصِيَغٍ تُوهِم تكافؤ الأقوال، دون تحرير لمحل النزاع، أو بيان لمراتب الأدلة، أو تمييز بين المعتمد والشاذ. فيُقال: «المسألة فيها خلاف»، وكأن مجرد وجود القول يرفعه إلى مرتبة الاعتبار، بغض النظر عن قوة دليله أو مخالفته للأصول الكلية. ومع تكرار هذا الأسلوب يتكوّن وعيٌّ عام يتعامل مع الخلاف بوصفه مخرجًا دائمًا من الإلزام، لا بوصفه مجالًا للاجتهاد المنضبط.

وقد جاء الوحي بضبط هذا الباب؛ فجعل الرد عند التنازع إلى الله ورسوله، لا إلى مجرد تعداد الأقوال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. كما نهى عن لبس الحق بالباطل؛ لأن تسوية الأقوال على غير ميزان الدليل صورة من صور هذا اللبس. وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الاجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، فدلّ على أن الأقوال ليست سواءً في القوة والأثر.

إن تتبُّع الأقوال لمجرد مُوافقة الهوى، أو استدعاء القول المرجوح لقدرته على إثارة الجدل؛ يُفْضِي إلى إفراغ الخلاف من وظيفته المنهجية. وبدل أن يكون الخلاف مساحةً لضبط الاجتهاد، يتحول إلى مظلةٍ لتجاوز الأصول، أو تمرير ما لا يحتمل التحرير العلمي. وهنا لا يكون الخلل في تعدُّد الأقوال، بل في غياب نظام الترجيح الذي يمنح هذا التعدد معناه.

العجلة بوصفها بنية حاكمة

إذا كان تشييء الخلاف يمس بنية الاستدلال، فإن العجلة تمس زمن البيان ذاته، ففي البيئة الرقمية لا تُكافأ الإجابة المتأنية بقدر ما يُكافأ التعليق السريع. ويُختزل الزمن الذي يحتاجه العالم لتحرير المسألة، واستحضار أدلتها، والنظر في مآلاتها، إلى لحظةٍ يترقب فيها الجمهور ردًّا فوريًّا. هذه العجلة ليست مجرد خُلُقٍ فردي، بل بِنْية حاكمة تفرضها طبيعة المنصّة، فالتأخر في التعليق يعني فقدان موقع في دائرة التداول، والتأنّي قد يُفهم ضعفًا في الحضور.

ومع الوقت يتشكل ضغط غير مُعلَن يدفع إلى تقديم الجواب قبل اكتمال النظر، أو إطلاق الحكم قبل استيفاء شروطه. غير أن الشريعة جعلت التثبُّت أصلًا سابقًا على القول؛ قال الله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وقال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. فالأصل في البيان أن يُبنَى على علمٍ مُحرَّر، لا على انطباعٍ عابر، وقد كان الأئمة يَعدّون التوقف في المسألة عند عدم اتضاح وجهها من تمام الورع، لا من نقص الكفاءة.

وفي السياق الرقمي يتضاعف أثر العجلة؛ لأن الخطأ لا يبقى محصورًا في دائرة ضيّقة، بل ينتشر ويتكرر ويُستعاد في سياقات مختلفة، حتى يغدو جزءًا من الوعي العام. وهكذا تتحوّل الزلة العارضة إلى خطابٍ مُتداول، وتُبنَى عليها مواقف وسلوكيات، مع أن منشأها كان جوابًا لم يُستكمَل تحريره.

استراق السمع نموذجًا لتشويه البيان

تُقدّم السُّنة النبوية صورة دقيقة لآلية تشويه الخبر في حديث مسترقي السمع؛ حيث تُلتقط كلمة من الحق، ثم تُزاد عليها زيادات تقلب معناها. تكمن الخطورة هنا في أن الباطل لا يُقدَّم غالبًا في صورة صريحة، بل يمتزج بقدرٍ من الحق يُوهِم بالسلامة، فيصعب على غير المتخصص تمييز الخلل. هذه الصورة تصلح نموذجًا لفهم ما يقع في كثير من التداول الرقمي؛ إذ يُقتطَع جزء من قولٍ علمي، أو يُنقَل نصٌّ دون سياقه، ثم يُعاد بثّه في إطار مختلف يُغيِّر دلالته.

فالبيان الشرعي لا يقوم على العبارة المجردة، بل على شبكة من القيود والشروط والمآلات. وإذا انتُزعت العبارة من هذه الشبكة انقلب معناها، ولو بقي لفظها صحيحًا. وقد قرر القرآن قاعدة التثبت منعًا لفساد الحكم بسبب فساد الخبر؛ لأن إصابة القوم بجهالة ثم الندم على ما ترتب عليها نتيجة طبيعية للتلقي الناقص.

ومن هنا فإن الخلل في مسار النقل لا يَقل خطرًا عن الخلل في أصل القول؛ لأن البيان إنما يُحفَظ بحفظ مساره كاملًا، لا بحفظ بعض ألفاظه. ولا يُنكَر في هذا السياق أن المنصّات الرقمية أتاحت فرصًا واسعة لنشر العلم، وتقريب المسائل الشرعية، وكسر احتكار الوصول إلى المعرفة. غير أن اتساع الوصول لا يُغني عن سلامة المسار؛ فالمعيار ليس في كثرة الانتشار، بل في جودة ما ينتشر، وفي مدى انضباطه بالأصول التي تحفظ للبيان وظيفته الإصلاحية.

من اختلال البيان إلى اختلال القِيَم

لا يقف أثر التحولات السابقة عند حدود الصياغة أو آليات الاستدلال، بل يمتد إلى البنية القيمية التي صُمّمت الشريعة لحمايتها. فالبيان الشرعي في أصله ليس مجرد نقل معلومة، بل هو توجيهٌ يُقوِّم السلوك، ويضبط الفعل، ويحفظ مقاصد كبرى تقوم عليها حياة الفرد والمجتمع. وحين يُختزل البيان في مقاطع مثيرة، أو يُفصل الحكم عن سياقه، أو يُستدعى الخلاف بوصفه مخرجًا دائمًا من الإلزام، فإن النتيجة الطبيعية هي تمييع المعايير القيمية. فيتحول السؤال من قوة الدليل إلى قابلية التداول، ويغدو الاعتبار للانتشار لا لسلامة القول.

يتجلى ذلك في صور متعددة؛ منها تحويل المخالفة الأخلاقية إلى مادة للعرض العام، وتسليع الخصوصيات طلبًا للتفاعل، وتقديم السخرية من القِيَم أو الرموز الدينية بوصفها شجاعة فكرية. كما يُعاد تشكيل مفهوم «حرية التعبير» ليشمل الطعن في الثوابت أو التشكيك في النصوص القطعية، تحت شعار النقد أو إعادة القراءة. ومع تكرار هذه الممارسات يتشكل وعيٌ جديد يتعامل مع الحلال والحرام بوصفهما وجهتي نظر، لا حكمين منضبطين بأدلة وضوابط.

وتضعف حساسية المجتمع تجاه تجاوز الحدود؛ لأن كثرة التداول تُنتج ألفة، والألفة تُنتج تساهلًا. وقد نبَّه الشرع إلى مسؤولية الكلمة وأثرها، فقال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، وحذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من التحديث بكل ما يُسمع. فالكلمة ليست حدثًا عابرًا، بل هي فِعل أخلاقيّ يُسأل عنه صاحبه، ويزداد أثره كلما اتسع نطاق انتشاره.

إن فساد المعايير في الفضاء العام لا يبدأ بانقلابٍ صريح على القِيَم، بل بتآكلٍ تدريجي يحدث حين يُقدَّم الانطباع على التحقيق، والمثير على المنضبط، والمرجوح على الراجح. وحين يفقد البيان وظيفته التقويمية، يصبح عاجزًا عن حماية المنظومة الأخلاقية التي بُعِثَ لحفظها.

التحوُّل من خللٍ جزئي إلى نمطٍ معرفي

الخطر الحقيقي في التحولات السابقة لا يكمن في وقوع أخطاء متفرقة، فالأخطاء جزء من طبيعة الاجتهاد البشري، وإنما يكمن في تحوُّل هذه الاختلالات إلى نمطٍ معرفي مستقر. فعندما تتكرر العجلة، ويتكرر استدعاء الخلاف بلا ترجيح، ويتكرر اقتطاع النصوص، ينشأ جيلٌ يتعامل مع هذه الممارسات بوصفها الصورة الطبيعية للخطاب الديني.

ومع هذا الانزياح تتغير علاقة المتلقي بالعلم؛ فلا يعود يطلب البيان الكامل، بل يكتفي بالإشارة السريعة، ولا يبحث عن الدليل، بل عن العبارة المؤثرة. كما ينعكس هذا التحول على صورة العالم في الوعي العام، فبدل أن يُعرف بقدرته على التفريق بين مواضع الاتفاق ومواضع النزاع، وبين القطعي والظني، يصبح مطالبًا بإنتاج مواقف حادة قابلة للتداول، ومع الوقت يُختزل دوره من محرِّرٍ للمعنى إلى معلّقٍ على الأحداث.

إن استمرار هذا النمط يهدد بإضعاف الثقة في الخطاب الشرعي نفسه؛ إذ حين تتكاثر الأقوال المتعارضة في الفضاء العام دون بيانٍ لمراتبها، قد يظن المتلقّي أن الدين ذاته متناقض، لا أن طرق عرضه هي التي اختلت. ومن هنا تتولد حالة من الارتياب أو اللامبالاة؛ حيث يفقد الخطاب قدرته على الإقناع والتوجيه.

ولذلك فإن استعادة مركز البيان ليست دفاعًا عن صورة تقليدية، بل حماية لوظيفة العلم في المجتمع. فالعلم إذا لم يُحفظ بمنهجه، ولم يُصَن بزمنه المنهجي، تحوَّل إلى مادة استهلاك، وفقد قدرته على الضبط والترشيد.

نحو استعادة مركز البيان

إذا كان الإشكال بنيويًّا يمسّ شروط الإنتاج والتلقّي؛ فإن مُعالجته لا تكون بردود فعل جزئية، بل برؤية منهجية تُعيد الاعتبار لأصول البيان في البيئة الرقمية.

أولًا: تأهيل الكفايات العلمية والمنهجية

لا يكفي تمكين المتصدر من أدوات العرض، بل لا بد من ترسيخ مهارات التحرير، ومعرفة مراتب الأقوال، وإدراك الفرق بين ما يُقال في الدرس المتخصص وما يُبَث في المجال العام. كما يلزم إدماج فقه النشر وأخلاقياته ضمن مسارات التأهيل الشرعي، حتى يُدرك المتصدر أثر الكلمة في بيئة سريعة الانتشار.

ثانيًا: تعزيز المرجعية الجماعية في القضايا العامة

النوازل المُركَّبة التي تمسّ الشأن العام تحتاج إلى نظر جماعي، يوازن بين النصوص والمقاصد والمآلات، بعيدًا عن ضغط التعليق الفوري. فالفتوى المؤسسية أقدر على حفظ الاتساق وضبط المصطلحات ومنع الاضطراب. ومن التطبيقات العملية لذلك: إنشاء وحدة تحرير علمي داخل المؤسسات الإعلامية الدعوية، تتكوّن في حدها الأدنى من مُحرِّر شرعي يتولى ضبط المسألة وأدلتها، ومدقّق سياقي يراجع ملاءمة الطرح للمجال العام، ومسؤول نشر يُقدِّر توقيت البثّ وأثره. كما يمكن اعتماد قاعدة «مُهلة المراجعة» في القضايا العامة، بحيث لا يُبثّ محتوى يتعلق بنازلة مؤثرة إلا بعد مراجعة مختصرة تقي من الارتجال. فحماية البيان من العجلة إجراء تنظيمي قبل أن تكون توصية وعظية.

ثالثًا: ضبط تداول الأقوال بالسياق والمراتب

ينبغي أن يُقدَّم القول مقرونًا بدرجته، ومأخذه، وسياقه الذي قيل فيه، حتى لا يتحول الاقتطاع إلى وسيلة لإعادة تشكيل المعنى. فحفظ السياق جزء من حفظ الدلالة، ولا يقل أهمية عن حفظ اللفظ.

رابعًا: بناء ميثاق أخلاقي للبيان

القول الشرعي عبادة ومسؤولية، لا يُقاس بعدد المتابعين ولا بسرعة التفاعل. ويقتضي هذا الميثاق الامتناع عن توظيف الخلاف لإثارة الجدل، أو استدعاء القول الشاذ لمجرد حضوره، أو التعليق في مسائل لم يُستوفَ تحريرها. كما يرسّخ قيمة التوقف عند عدم اتضاح الرؤية، باعتباره صورة من صور الأمانة وليس عجزًا عن الجواب.

خامسًا: توعية الجمهور بفقه التلقّي

فكما أن المتصدر مسؤول عن قوله، فإن المتلقي مسؤول عن اختياره لما يُتابع ويُنْشَر. وتعليم الناس الرجوع إلى أهل الاختصاص، والتمييز بين القول المعتمد والمرجوح، والوعي بخطر الاقتطاع؛ يُسهم في تقليص أثر الفوضى التداولية.

إن الفضاء الرقمي ليس شرًّا في ذاته، بل أداة يمكن توظيفها في نشر العلم وتعزيز الوعي، متى حُفظت أصول البيان، واستُعيد الزمن المنهجي للتحرير، وضُبط الخلاف بميزان الدليل.

والتحدي الحقيقي ليس في كثرة المنصّات، بل في الحفاظ على مركز الشرعية داخلها. فإذا بقي معيار الاعتبار هو قوة الدليل وسلامة المنهج، أمكن تحويل المنصّة من بيئة تكافئ العجلة والاختزال، إلى مجالٍ يُعلي قيمة التثبت والإنصاف. أما إذا تُرك معيار التداول ليحل محل معيار العلم، فإن السؤال سيظل قائمًا: هل نحن أمام علماء يحررون، أم مذيعين يذيعون؟

والفرق بين الحالين ليس في الوسيلة، بل في المنهج الذي يحكمها، وفي الأمانة التي تضبطها، وفي الوعي الذي يُميِّز بين البيان الذي يُصلح، والقول الذي يُستهلك.

إن التحدي في المرحلة الراهنة ليس في توسيع الحضور، بل في صيانة المعنى داخل فضاءٍ سريع التحوّل. فالمنصّات تتبدّل، وأدوات التداول تتغيّر، غير أن أصول البيان باقية بثبوتها وانضباطها. ومتى استقرّ معيار العلم فوق معيار الانتشار، أمكن للخطاب الشرعي أن يُوظّف الوسيلة دون أن يخضع لمنطقها، وأن يحفظ وظيفته الإصلاحية في زمن السرعة والتدافع.

أعلى