هل يشكّل تحوّل الإستراتيجية الأمريكية من احتواء الصين إلى التراجع نحو نصف الكرة الغربي فخًّا مدروسًا لدفع شرق آسيا، وخاصة بحر الصين الجنوبي وتايوان، نحو حرب كبرى تعيد تشكيل النظام الدولي؟
•
مصير بحر الصين الجنوبي بعد تراجُع أمريكا إلى نصف الكرة الغربي
• هل تقع الصين في ذات الفخّ الذي نَصبته أمريكا لليابان خلال الحرب العالمية
الثانية؟
• مغزى وأبعاد تصريح ترامب بأن وضع تايوان يعود للرئيس الصيني
• الصين تسعى للهيمنة في إقليمها، والولايات المتحدة تسعى لحصارها، واليابان إلى
العسكرة وامتلاك السلاح النووي
• هل تدفع أمريكا حلفاءها لإطلاق حرب مع الصين؟ وماذا عن تراجعها إلى نصف الكرة
الغربي؟
• لماذا يتحوَّل الإقليم من النهضة والاعتماد المتبادل إلى الاستعداد للحرب؟
ينظر الخبراء إلى بحر الصين الجنوبي باعتباره أهم أقاليم العالم تأثيرًا في تغيير
التوازنات الدولية، وفي تحديد ملامح النظام الدولي البديل لنظام الهيمنة الغربي
الذي تأسَّس وساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
هناك حدث التغيير الإستراتيجي.
ويرى الخبراء أن ذات الإقليم مُرشَّح لأخطر حالات الصراع الحربي؛ إذ يشهد تناميًا
في أسباب واحتمالات اندلاع حرب كبرى (إقليمية ودولية)، قد يجري خلالها وقوع
المواجهة النووية الأولى بين دولتين نوويتين، ليكون قدَر تلك المنطقة مرتبطًا
باختراع سلاح الإبادة الشاملة؛ إذ كان أول استخدام للسلاح النووي قد جرى ضد
اليابان.
في هذا الإقليم، حدث التغيير في التوازن الدولي الاقتصادي والصناعي والتجاري، وفي
مجال تراكم الثروات الذي انتقل من الغرب إلى الشرق عبر النهضة اليابانية أولًا،
والصينية ثانيًا، والكورية الجنوبية والماليزية والإندونيسية والفيتنامية
والتايلاندية، امتدادًا إلى النهضة الهندية والسنغافورية.
وفي هذا الإقليم تتجابه الولايات المتحدة، عبر وجودها العسكري كامل العدد في البحر،
وعبر قواعدها وقواتها المنتشرة في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، مع الصين
وكوريا الشمالية، وروسيا التي تتمدَّد قوتها الإستراتيجية في الإقليم ضمن إطار
التحالف الإستراتيجي غير المُعلَن مع الصين، وعبر التحالف المعلن مع كوريا
الشمالية.
وعلى ضفتي البحر تجري صراعات تتعلق بملكية الجزر وحقوق استخراج الثروات والحدود
البحرية بين الدول التي تتشاطأ على ضفتيه، وهو يتمدّد على مساحة تُقدَّر بحوالي 3.5
مليون كيلو متر مربع، وهي الصين وفيتنام وإندونيسيا والفلبين وماليزيا وبروناي
وتايوان وسنغافورة. وهي إشكاليات تتمدد جيوسياسيًّا؛ إذ يربط البحر بين المحيطين
الهندي والهادئ، فتشمل اليابان والهند بل وحتى أستراليا.
وتعود قصة بداية التغييرات التي جرت بشأن أهمية هذا الإقليم إلى ما كانت الولايات
المتحدة قد أعلنته عقب قصفها النووي لهيروشيما وناجازاكي، الذي أدَّى إلى استسلام
اليابان، بأن «قرن أمريكا في آسيا قد بدأ»؛ إذ كانت اليابان أقوى دولة في هذا
الإقليم.
ووفقًا لتلك الرؤية، وارتباطًا مع صراعات الحرب الباردة وغيرها؛ تحرَّكت الولايات
المتحدة في الإقليم عبر جيشها وسياساتها وشركاتها لتحقيق حالة سيادة عسكرية،
ولتوظيف اقتصاديات دُوَله في خدمة الاقتصاد الأمريكي، وهو وَضْع تعزَّز عقب نهاية
الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن الماضي.
وكان أن جرت فعاليات نهضة يابانية متسارعة على صعيد التطوير وكثرة الإنتاج، الذي
انتشر في أسواق العالم، فتحركت الولايات المتحدة لإخضاع النهضة اليابانية لمصلحتها.
لكنّ فيروس النهضة، وفق النموذج الياباني، كان قد انتقل إلى دول هذا الإقليم. ولقد
حاولت الولايات المتحدة تكرار محاولة إخضاع نهضة تلك البلدان، كما حدث مع اليابان،
إلا أن الصين صمدت، بعدما تحركت منذ البداية وفق رؤية مستقلة.
وهنا حدث التغيير.
كانت الصين قد خرجت من رماد الحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية في حالة تدمير
خَطِرة، وكان اقتصادها يعاني من ضعف تطوُّره صناعيًّا، وكانت قد أجرت محاولات
لتطويره ضمن إطار رؤيتها الاشتراكية، لكنها تعثرت.
وقد حدث التغيير نتيجة لاستعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، ودخول الاستثمارات
والشركات الأمريكية إلى الصين. فعلى خلفية أحداث انشقاق في المعسكر الاشتراكي، وفتح
السوق الصيني الضخم أمام المنتجات الغربية؛ تحركت الولايات المتحدة باتجاه الصين في
عام 1971م، وقامت بتطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية معها؛ بهدف تكرار تجربتها
الاقتصادية والسياسية التي حدثت مع اليابان وكوريا الجنوبية.
لكن الصين خاضت تجربتها التنموية وفق رؤية مستقلة، وقد ساعدها وضعها المختلف عن
اليابان وكوريا الجنوبية، المحتلتين أمريكيًّا، في الواقع العملي، وتحوَّلت بسرعة
هائلة إلى قوة عالمية مستقلة، إلى درجة أنها أصبحت أقوى من أوروبا، ومُنافِسَة
للولايات المتحدة، وقادرة على إنهاء ثلاثة قرون من سيطرة وهيمنة الغرب على العالم.
وَاصَلت الصين نهضتها لتصبح الدولة الأعلى قدرة في مجالات التصنيع والتجارة، وراكمت
تطوير قدرتها العسكرية، وكانت نقطة الانطلاق في إستراتيجيتها هي محاولة الهيمنة على
إقليمها، مثل كل الدول الكبرى التي سيطرت على إقليمها؛ لضمان الوصول إلى حالة القوة
العالمية، وفي ذلك اعتمدت إستراتيجية فتح فروع لشركاتها في دول كثيرة بالإقليم.
ولذا ينظر العالم إلى هذا الإقليم باعتباره مَن يُحدّد مصير التوازن الدولي والنظام
الدولي المقبل.
وقد ظهر الأمر جليًّا من خلال ردّ الفعل الأمريكي، الذي أصبح واضحًا على صعيد الرؤى
والخطط والإستراتيجيات؛ إذ احتلت مواجهة الصين -وبشكل خاص مسألة السيطرة على بحر
الصين الجنوبي- البند الأول والأهم للحركة الإستراتيجية الأمريكية على الصعيد
الدولي.
وكانت بداية ظهور هذا التغيير خلال إدارة أوباما (2009- 2017م)، وهو تغيير شهد
زخمًا كبيرًا بعد إطلاق الصين مشروعها الاقتصادي والتجاري العالمي (مبادرة الحزام
والطريق) في عام 2013م؛ إذ اتضح جليًّا امتلاك الصين لمشروع ضخم لمدّ نفوذها ودورها
وهيمنتها باتجاه آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وعقب تولي ترامب الحكم في ولايته الأولى (يناير 2017- 2021م)، زاد هذا التوجُّه
وضوحًا؛ إذ تحدثت الإستراتيجيات الأمريكية عن الصين كمُهدِّد إستراتيجي (عدو)،
وقامت بحشد قوتها البحرية في بحر الصين الجنوبي. وعقب تولي بايدن (2021- 2025م)
تحرّك في ذات الاتجاه، مضيفًا بعد تشكيل أحلاف أمنية لحصار الصين في إقليمها. وفي
ذلك بدا واضحًا تركيز الولايات المتحدة على شراكاتها مع اليابان وكوريا الجنوبية
والفلبين، مع جلب دول آسيوية أخرى، دون إشراك باقي دول بحر الصين الجنوبي.
وإذ عاد ترامب إلى الحكم بدءًا من عام 2025، فقد بدا أن قضيته الأساسية هي الصين،
لا غيرها، وهو ما دفع بعض التقديرات للقول بأن الحرب الكبرى واقعة في بحر الصين لا
محالة. لكنّ ترامب عاد وغيَّر حركته على نحو مُباغِت، بما أرْبَك التحليلات والرؤى.
لقد جرى تحوُّل مفاجئ وكبير في الإستراتيجية الأمريكية، وفق وثيقة الأمن القومي
الصادرة عن البيت الأبيض، فلم تعد الصين مُصنّفة كمُهدِّد إستراتيجي، بل جرى وصفها
بالمُنافِس. كما جرى تحويل الجهد الإستراتيجي الأمريكي للسيطرة على نصف الكرة
الغربي، ولم يَجْرِ التشديد على علاقات التحالف مع الدول التي وظَّفَها بايدن
ونظمها في تحالفات للسيطرة على بحر الصين والإحاطة بالصين؛ وهو ما أثار تساؤلات
كبرى حول مصير بحر الصين، وعن دور الولايات المتحدة في الإقليم.
وأُثيرت تساؤلات حول تقاسم العالم، كما بات الحوار مفتوحًا حول احتمالات عودة دول
الإقليم إلى جدول حلّ خلافاتها البينية دون ضغط أمريكي، ... إلخ. ووصل البعض حد
القول بأن الولايات المتحدة تنصب فخًّا للصين، وتدفعها دفعًا للدخول في حرب
إقليمية، كما حدث في إستراتيجية دَفْع روسيا لغزو أوكرانيا.
(1)
كانت مصالح دول الإقليم قد التقت حول نهضتها، وعلى تحقيق الاستقرار، عبر تشكيل حالة
اعتماد متبادل بين اقتصاداتها في الصناعة والتجارة، وعلى صعيد حركة رؤوس الأموال.
وهو ما أدَّى إلى تحقيقها معدلات تنموية غير مسبوقة.
وقد وصل حجم التبادل التجاري بين الصين واليابان إلى 292.6 مليار دولار أمريكي في
عام 2024م (وقبلها كان قد وصل إلى 357 مليار دولار)؛ إذ كانت الصين الشريك التجاري
الأول لليابان.
وشهدت التجارة بين الصين وكوريا الجنوبية تطورًا هائلًا خلال عام 2025م؛ إذ بلغ حجم
الصادرات والواردات نحو 304 مليارات دولار أمريكي. وبلغ حجم التجارة بين فيتنام
والصين نحو 252 مليار دولار. واحتلت فيتنام موقع الشريك التجاري الثالث لكوريا
الجنوبية، فبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 86 مليار دولار في عام 2024م.
وعبر هذا الالتقاء، ووفقًا لتطورات إستراتيجية متنوعة -كانت الولايات المتحدة قد
ساهمت فيها بدور كبير-تحوَّل بحر الصين الجنوبي إلى أهم مناطق التأثير في الوضع
الدولي.
ويبلغ حجم حركة التجارة التي تمر عبر مياه بحر الصين الجنوبي أكثر من ثلث التجارة
العالمية، بقيمة 3.4 تريليونات دولار سنويًّا، وتُصدّر الصين من خلاله سلعًا بنحو
874 مليار دولار سنويًّا، وكذا حال كوريا الجنوبية التي تُصدّر سلعًا بنحو 249
مليار دولار. وتُصدّر سنغافورة سلعًا بنحو 214 مليار دولار، وتايلاند سلعًا بنحو
170 مليار دولار، واليابان بنحو 141 مليار دولار، وفيتنام بنحو 158 مليار دولار،
وهونغ كونغ بنحو 140 مليار دولار، وإندونيسيا بنحو 121 مليار دولار، وماليزيا بنحو
106 مليارات دولار.
ويُقدّر مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية (الأونكتاد) أن ما يقرب من 80% من حيث الحجم،
و70% من حيث القيمة من التجارة العالمية، يَمُرّ عبر بحر الصين.
كما تمر عبر البحر حوالي 10 مليارات برميل نفط ومنتجات نفطية، وحوالي 6.7 تريليونات
قدم مكعب من الغاز.
ولبحر الصين أهميته في مجال الثروات؛ إذ تُقدَّر احتياطيات النفط في هذا البحر ما
بين 23 و30 مليار طن من النفط، ومن الغاز الطبيعي بنحو 190 تريليون قدم مكعب.
وهكذا جمع هذا الإقليم بين الأهمية في ذاته (بثرواته)، والأهمية على الصعيد
الإقليمي لجميع دوله باعتبارها دول مُصدّرة، والأهمية على الصعيد الدولي باعتباره
ممرًّا للسلع المُصدَّرة إلى العالم، وباعتباره عنوانًا لتغيير التوازن الدولي.
(2)
يعيش إقليم بحر الصين الجنوبي داخل دوامة متوالية تصاعدية بين التنمية والتوتر
الأمني والحرب. فكلما تحققت معدلات تنمية أعلى للدول المُطِلّة عليه، تصاعدت أهمية
وضرورة استخراج ثرواته بما يُسعِّر الخلافات الإقليمية. وكلما تصاعدت معدلات تنمية
دوله، وزادت مساهمتها في الصناعة والتجارة الدولية؛ ارتفعت أهميته وتأثيره على صعيد
الاقتصاد الدولي، وارتفعت حدة الصراعات الدولية للسيطرة على الإقليم.
وعلى صعيد الخلافات بين الدول المتشاطئة، فهناك اشتباك وصراع حول الجزر والسيادة
بين ست دول، هي: الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي. وهناك صراعات في
الشمال حول الجزر بين اليابان والصين.
ويعيش هذا الإقليم حالة صراع مُركَّبة ومُعقَّدة؛ إذ هو «بحر في صيغة ممر مائي»،
بما يزيد من أهميته لدى أطراف غير متشاطئة على البحر، كما هو حال اليابان والهند
وأستراليا؛ إذ يقع بحر الصين الجنوبي في جنوب شرق آسيا، ممتدًّا من مضيق ملقا في
الجنوب الغربي إلى مضيق تايوان في الشمال الشرقي. وهو ما يمنح هذا البحر أهمية
جيوسياسية وإستراتيجية لكل دول آسيا.
وإذ بات هذا الإقليم عنوانًا لتغيير التوازنات الإقليمية والدولية، فقد أصبحت
السيطرة عليه -وبمعنى آخر عدم سيطرة الصين عليه- ضمن أولويات دول شرق وجنوب آسيا،
والدول الكبرى، خاصةً الولايات المتحدة، التي لا تتمتع بميزة الهيمنة وبصيغة الدولة
الأقوى في العالم؛ إذ تراجع نفوذها أو سيطرتها على أهم البحار والممرات الدولية.
هذه الأهمية الكبرى، والمصلحة في الاستقرار الذي حقّق كل تلك النهضة، باتت متفاعلة
ومتناقضة مع حالة صراع متنوّعة المصادر، بفعل تغيير الرؤى والمواقف الأمريكية، التي
قلبت الدور الأمريكي من داعم للاستقرار والنهضة إلى مُوتِّر للأجواء والعلاقات بين
دول هذا الإقليم، وصانع لصراع دولي يُهدِّد العالم، تحت عنوان الحفاظ على حرية
التجارة، وعبر التحالفات العسكرية المُوجَّهة ضد الصين وكوريا الشمالية.
كما يعيش هذا الإقليم تحت وطأة صراعات دامية خلَّفتها حروب اندلعت منذ بداية القرن
العشرين وحتى منتصفه، كان أخطرها الاحتلال الياباني لمملكة كوريا، ولأراضي الصين
والفلبين وغيرها، والحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، والحرب الفيتنامية سواء
ضد الاحتلال الفرنسي أو الأمريكي.
غير أنّ الصراعات التي خمدت في تلك المنطقة، وأنتجت الوضع السياسي الذي أتاح انطلاق
تلك النهضة، باتت تتغير على نحوٍ حاسم في السنوات الأخيرة، بعدما اعتبرت الولايات
المتحدة الصين المُهدِّد الإستراتيجي الأول للهيمنة الأمريكية على العالم.
(3)
منذ وصول الرئيس الصيني الحالي إلى السلطة في مارس 2013م، ووضوح خطته في تطوير
الصناعات العسكرية والجيش الصيني، وطرح مشروع طريق الحرير، والمخاوف تتصاعد في
الولايات المتحدة والغرب، من نتائج تطور الصين وتصاعد قدرتها ودورها على الصعيد
الدولي.
وهي مخاوف تعمّقت مع تحوُّل الصين من دولة تصنع ابتكارات الشركات الغربية (مصنع
العالم) إلى دولة ابتكار وتطوير مستقلة تجمع بين الابتكار والصناعة؛ إذ باتت دولة
تُصنّع مُنتَجات متطوّرة ومنافسة سعريًّا للمنتجات الغربية الأعلى تطورًا على
الصعيد العالمي، ثم دخلت مجال الإقراض وتشييد البنى التحتية في الدول الأخرى، ...
إلخ.
وتعود بداية اتخاذ الولايات المتحدة لإجراءات عملية تصعيدية ضد الصين إلى عام
2017م، بعد وصول ترامب للسلطة. وتمثلت البداية العملية في تلك الحرب التي أطلقها
على شركة «هواوي» التي ابتكرت تقنية «فايف جي»، ووصل الأمر حد اعتقال المديرة
المالية لشركة «هواوي» في كندا عام 2018م، بطلب من الادعاء الأمريكي، ووضعها قيد
الاعتقال لمدة ثلاث سنوات؛ إذ لم يُفْرَج عنها إلا في عام 2021م.
وتصاعدت الحملة الأمريكية على الصين ومنتجاتها حتى اندلعت أزمة كورونا، فظهر مدى
حاجة الغرب للمنتجات الصينية، فخمدت الحملة، لكنّ مخاوف الغرب ازدادت جراء ظهور
انكشافها.
وعلى صعيد الوثائق الإستراتيجية، فقد رفعت الولايات المتحدة مستوى الصراع مع الصين
إلى درجة التهديد الإستراتيجي الشامل، وكان بارزًا بعد وصول بايدن للسلطة أنه بدأ
حركة إستراتيجية لبناء تحالفات دولية وإقليمية لحصار الصين أو إحاطتها بسور عازل في
إقليمها. لقد شكّل بايدن تحالفين مُوجَّهين ضد الصين؛ أولهما تحالف «أوكوس»، ويضم
الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، والثاني «أكواد» ويضم الولايات المتحدة
وأستراليا واليابان والهند.
وشملت التحركات الأمريكية منح أستراليا غواصات نووية. كما بدأت الولايات المتحدة في
تسعير الصراع مع الصين بشأن جزيرة تايوان، سواء بتوريد أسلحة للجزيرة، أو باتخاذ
خطوات ترفع مستوى العلاقات الأمريكية-التايوانية إلى درجة الدولة المستقلة، كما حدث
في زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي للجزيرة.
كما تحوَّلت الولايات المتحدة إلى دَفْع اليابان لتطوير جيشها، والتملُّص من القيود
التي فرضتها الولايات المتحدة عليها بعد استسلامها في نهاية الحرب العالمية
الثانية، وهو ما وُصِفَ بعسكرة اليابان مجددًا. وتحركت الولايات المتحدة باتجاه
الفلبين لإحياء معاهدة الدفاع المشترك، وأعادت تجهيز قواعدها العسكرية هناك.
كما نقلت الولايات المتحدة معظم قوتها البحرية للتمركز في بحر الصين الجنوبي.
وهو أمر يعود فعليًّا إلى الإستراتيجية العسكرية التي اعتُمِدَت خلال حكم أوباما؛
إذ تحدّث وزير الدفاع الأمريكي وقتها «ليون بانيتا» بأن الولايات المتحدة ستقوم
بإعادة التوازن للقوات الأمريكية، وستنقل غالبية سفنها الحربية إلى منطقة آسيا
والمحيط الهادئ، وستنشر معظم البوارج والطرادات والمدمرات والسفن القتالية الساحلية
هناك بحلول عام 2020.
(4)
فور عودة ترامب للحكم مجددًا (2025م)، باتت المواجهة بين الولايات المتحدة والصين
والسيطرة على بحر الصين الجنوبي المُحرّك للخطط والنشاط والحركة الأمريكية في
العالم، لكنّ ترامب أبدَى عزوفًا عن الاهتمام بحلفَي «أكواد» و«أوكوس»، وهو ما بدا
واضحًا في عدم تمييزه بين تلك الدول الحليفة والدول الأخرى، حين بدأ فرض الرسوم
الجمركية على دول العالم.
أطلق ترامب فور وصوله إلى البيت الأبيض حربًا اقتصادية على الصين، ضمن معطيات
محاولته تعديل أوضاع الاقتصاد الأمريكي. لقد بدأت تلك الحرب كحركة هوجاء تنحصر في
فرض رسوم جمركية على السلع الواردة من الخارج؛ لتقليل العجز التجاري، وتنشيط
الصناعة الأمريكية، وتعظيم متحصلات الخزينة الأمريكية لمواجهة الديون الأمريكية
التي قفزت إلى 39 تريليون دولار.
ونالت دول إقليم بحر الصين الجنوبي النسبة الأكبر من فرض الجمارك على سلعها الواردة
للولايات المتحدة، لكن الأمر جاء مختلفًا بشأن الصين؛ إذ تصاعدت وصارت اختبارًا
للقوة والقدرة بين الصين والولايات المتحدة. لقد اتخذ ترامب قرارات برفع الرسوم
الجمركية على الصين -ومختلف دول العالم تقريبًا-؛ فكانت المفاجأة أن ردّت الصين
بالمثل، حتى وصل الأمر إلى حالة كاريكاتورية؛ إذ ارتفع المزاد إلى فرض جمارك بنسبة
145% على السلع الصينية.
وتحوَّل ترامب إلى منع تصدير الرقائق الإلكترونية المتطوّرة من إنتاج شركة
«إنفيديا» الأمريكية، فردَّت الصين بتقييد تصدير المعادن النادرة -التي تعتمد عليها
الشركة في إنتاج الرقائق-؛ فتحوّل الرئيس الأمريكي إلى حلول وسط بشأن تصدير
الرقائق، فردت الصين بالإعلان عن إنتاج رقائق صينية -أقل كفاءة-، لكن من إنتاج
صيني. وتحرَّك الرئيس الأمريكي لمنع إدخال السلع الصينية فاكتشف أن الصين قد أنشأت
شركات في دول أخرى لإنتاج منتجاتها وتصديرها إلى الولايات المتحدة، فطوَّر ترامب
هجومه إلى تلك الدول، بما وضع الولايات المتحدة في مأزق الدخول في مواجهة مع عشرات
الدول، بما هدَّد بلاده بالعزلة.
وزاد من فشل الخطة الأمريكية أن تزامن هذا الصراع مع الصين بصراعات تتعلق بالضغط
على دول «بريكس»، وجرى الصراع ضد الحلفاء -لا الخصوم كما الصين وروسيا وغيرها-،
وعلى رأسهم أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، وشمل الهند التي كانت تحاول إدارة
بايدن استخدامها في إقامة توازن مع الصين في آسيا.
دارت حرب اقتصادية أرادت الولايات المتحدة من خلالها إخضاع الصين، لكنّ النتيجة
العامة أظهرت قدرة الصين ونِدّيتها، وكان الأخطر أن فتحت تلك الحرب الطريق لبحث
خصومها وحلفائها عن مصالح مشتركة بعيدًا عن الولايات المتحدة، كما حدث في تطوير
العلاقات بين الصين وكوريا الجنوبية، والصين والهند.
وجاء صدور وثيقة الأمن القومي لإدارة ترامب ليُرْبِك كل المعادلات ويُغيِّر
التوازنات، ويطرح أسئلة كبرى بشأن الدور الأمريكي في هذا الإقليم.
(5)
أصدرت إدارة ترامب وثيقتها الإستراتيجية، بحسب العُرف المعمول به مع كل إدارة
أمريكية جديدة. وفيما كان الخبراء والساسة في انتظار أن تحمل الوثيقة تصعيدًا
باتجاه الصين، ودعمًا لخصوم الصين في بحر الصين، وتشديدًا للتحالف مع الأطراف ذات
الاهتمام بالبحر؛ إذ بالوثيقة لا تشير إلى الصين -كسابقاتها- باعتبارها المُهدِّد
الإستراتيجي الأول للولايات المتحدة، والدولة التي لديها نوايا وتملك إمكانيات
لتغيير النظام الدولي الذي تهيمن عليه وتقوده الولايات المتحدة -والغرب-، بل أُشير
إليها كمنافس لا كعدو.
كما لم يتم التشديد على دور القوات الأمريكية في الحفاظ على حرية حركة التجارة في
بحر الصين، كما كان الحال سابقًا، كما أعلنت الإستراتيجية تبنّي مبادئ «مونرو»،
التي تُوصَف بالانعزالية، وتركيز الاهتمام والقدرة الأمريكية في نصف الكرة الغربي.
وكان منطقيًّا أن تصدر تقديرات، بأن الولايات المتحدة تنسحب من أهم أقاليم العالم
تأثيرًا في التوازنات الدولية، وأن هذا الإقليم أصبح أقل أهمية لها. وصدرت توقعات
بدخول الإقليم مرحلة تهدئة وتعاون أو حل للمشكلات التي كان يساهم في تسعيرها الوجود
الأمريكي. وقيل أيضًا: إن الولايات المتحدة والصين قاب قوسين من تقسيم النفوذ في
مختلف مناطق وأقاليم العالم.
لكنّ التطورات التي جرت بعد إطلاق وثيقة الأمن القومي جعلت الخبراء يتريثون بشأن
إطلاق مثل تلك الأحكام، بل ظهرت تقديرات ترى أن الولايات المتحدة تنصب فخًّا للصين.
كان التطور الأول الذي جرى في الإقليم أن أظهرت اليابان رؤية عدائية بشأن الصين،
وصلت حد التلويح بالحرب وبامتلاك السلاح النووي. لقد أشارت رئيسة الوزراء اليابانية
بعد أيام من انتخابها للمنصب إلى أن بلادها ستدافع عن تايوان بالقوة حال هجوم الصين
لضم تايوان باعتباره يُهدِّد بقاء اليابان. كما جرى الإعلان عن خطة لنقل صواريخ إلى
أحد الجزر اليابانية القريبة من تايوان، لإظهار جدية التهديد.
ولم تمضِ أيام حتى صدر تصريح ياباني -من مسؤول بمكتب رئيسة الوزراء-، هو الأول من
نوعه منذ الحرب العالمية الثانية، حمل إشارة إلى أن اليابان ستتوجه لتسليح نفسها
نوويًّا. قال هذا المسؤول: «في النهاية، لا يمكننا الاعتماد إلا على أنفسنا»، وهو
ما اعتُبِرَ إشارة على اعتزام بلاده امتلاك الأسلحة النووية.
وفي تفسير هذا التحوُّل، توزعت التقديرات بين من رأى أنها محاولة يابانية لتعويض
تراجع الاهتمام والدور الأمريكي، وبين مَن رأى أن ما يجري هو بدفع أمريكي، وأن
التراجع الأمريكي لنصف الكرة الغربي هو تحرُّك شكلي لفتح المجال للدفع نحو حرب
إقليمية تتدخل فيها بصفة مساند لحلفائها لا كطرف أساسي في تلك الحرب. ويشيرون إلى
عدم تخفيض الولايات المتحدة لوجودها العسكري -كامل العدد- في بحر الصين.
وقد ردّت الصين وكوريا الشمالية على التصريحات اليابانية باعتبارها تجاوزًا للخطوط
الحمراء، وأشارت كوريا إلى أن الواجب يقتضي منع امتلاك اليابان للسلاح النووي بأيّ
ثمن؛ لأنه سيجلب كارثة للبشرية. وهو ما يثير المخاوف من احتمالات اندلاع حرب كبرى،
يزيد من مخاطرها ما صدر من تلميحات احتمال تفويض الولايات المتحدة للجيش الياباني
باستخدام الأسلحة النووية المخزنة في القواعد الأمريكية باليابان للدفاع عن النفس
في مواجهة اعتداء خارجي (تحت الإشراف الأمريكي وبقرار أمريكي).
وجرى التطور الثاني خارج الإقليم، لكنّ تفسيره ارتبط بالصراع مع الصين. لقد جرى
اختطاف الرئيس الفنزويلي -حليف للصين-، وإعلان سيطرة الولايات المتحدة على النفط
الفنزويلي، بما يعني تحكُّم الولايات المتحدة في صادرات النفط الفنزويلي للصين. وإذ
لا تزيد نسبة واردات الصين من النفط الفنزويلي عن 4% من احتياجاتها، فلم يصل
الخبراء إلى تقدير بخطورة ما جرى على الصين، غير أن التهديدات الأمريكية والصهيونية
المتصاعدة بشأن إسقاط النظام الإيراني والسيطرة على النفط باتت تكشف -عند البعض- عن
أبعاد تتعلق بمحاصرة الصين نفطيًّا؛ إذ تستورد الصين نحو 43 مليون برميل من النفط
الإيراني شهريًّا، وهو ما يُعادل قرابة 90% من صادرات إيران النفطية، والأهم أنه
يُشكّل حوالي 13.6% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستتحكم في نحو 17.6% من واردات الصين للطاقة. وهو
قَدْر يصعب تعويضه من النفط الروسي -المفروض عليه عقوبات أمريكية أيضًا-، كما يتطلب
تعويضه الانتهاء من مشروع مدّ أنابيب الطاقة بين روسيا والصين، الذي يحتاج إلى
سنوات لاكتماله.
وقد ذهب بعض الخبراء إلى القول بأن قراءة السلوك والسياسة والخطط الإستراتيجية
الأمريكية تشير إلى أن الولايات المتحدة تواصل الحرب على الصين وفق آليات أخرى.
وأعادوا التذكير بأن الولايات المتحدة كانت قد استخدمت إستراتيجية منع النفط عن
اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، بما دفع اليابان لشنّ ضربتها الشهيرة على
«بيرل هاربر».
وقد زاد من هذا التقدير -وليس العكس- تصريحات ترامب الأخيرة المدهشة بشأن تايوان؛
إذ قال: «إن قرار الصين بشأن تايوان يعود إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ»، محذرًا
في الوقت نفسه من أن اللجوء إلى استخدام القوة سيُغْضِب واشنطن. لقد فسّر البعض ما
قاله ترامب بأنه فتح للطريق أمام الصين -ودَفْع لها- لإطلاق الحرب على تايوان، على
غرار ما حدث مِن دَفْع لروسيا لشنّ الحرب على أوكرانيا، وإدارتها بالأزمة
واستنزافها.
(6)
انتهت مرحلة السلام والتنمية في إقليم بحر الصين، بل في شرق آسيا، وفق القواعد
والأُسس التي تشكَّلت وأدَّت لإحداث تغييرات كبرى في الإقليم وعلى الصعيد الدولي.
وإذ لعبت الولايات المتحدة الدور الأكبر في حدوث التنمية في هذا الإقليم، وتحوَّلت
بعد ذلك لاعتماد إستراتيجية تسعير الصراعات البينية بين دول الإقليم، وإشعال الحروب
التجارية والتهديد بإشعال حرب كبرى؛ فقد حدث تغيير في الرؤية والحركة الإستراتيجية
في الإقليم وبشأنه.
لقد دخل إقليم بحر الصين الجنوبي مرحلة جديدة، لا تزال أبعادها قيد التفاعل. وإذ قد
يكون واردًا أن تتوصل دول الإقليم لحل خلافاتها عبر المفاوضات؛ فإن مخاطر اندلاع
الحروب لا تزال على حالها، بل قد تكون احتمالات اندلاعها الآن أكبر وأخطر.