ما وراء صفقة الغاز بين مصر والكيان الصهيوني، وهل هي حقا مجرد صفقة اقتصادية خالية من أي أبعاد سياسية أو استراتيجية أخرى، من الرابح ومن الخاسر من وراء تلك الصفقة.
"صادقت على الصفقة مع مصر بعد أن أمنت الأمور الأمنية والحيوية لدولة إسرائيل ولن
أخوض في التفاصيل"
بهذه الكلمات دشن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو موافقته على صفقة
الغاز مع كل من الولايات المتحدة ومصر، بعد أن شهدت صفقة الغاز تلك بين الكيان
الصهيوني ومصر حالة من التأخر والتعطيل المتعمد لعدة أشهر، قبل أن يتم الإعلان عن
المصادقة النهائية عليها في ديسمبر 2025.
ففي أغسطس من هذا العام، تم توقيع الاتفاق التجاري الأولي بين الشركات (مثل شيفرون
وشركاء حقل ليفياثان) والجانب المصري لتصدير كميات ضخمة من الغاز بقيمة تصل إلى 35
مليار دولار.
ولكن تأخرت الموافقة الرسمية الصادرة من الدولة الصهيونية زهاء ثلاثة شهور، تخللتها
تصريحات صادرة عن نتانياهو تتضمن تعليمات مفاجئة بوقف تنفيذ الاتفاق وعدم استكماله
إلا بموافقته المباشرة، مما أدى إلى تجميد الصفقة لعدة أشهر.
حتى عاد نتانياهو في
17
ديسمبر الماضي، ليصدر الإعلان الرسمي بالمصادقة على الصفقة، واصفًا بأنها الأكبر في
تاريخ "إسرائيل".
فلماذا رفض نتانياهو الصفقة في البداية، ثم عاد إلى الموافقة عليها؟
وهل هذه الصفقة بين البلدين تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط؟ أم لها أبعاد سياسية
واستراتيجية أخرى؟
وما هي الأمور الأمنية والحيوية لدولة الكيان التي تحدث عنها نتانياهو ولم يذكر
تفاصيلها كما قال؟
لكننا في البداية سنبحث عن المحتوى الاقتصادي في اتفاق صفقة الغاز بين مصر والكيان
المحتل، حتى يتبين لنا أبعادها من هذا الجانب.
البعد الاقتصادي في الصفقة
صفقة الغاز التي تم إقرارها نهائياً في ديسمبر 2025 تُعد واحدة من أضخم الصفقات
الاقتصادية في تاريخ شرق المتوسط، وهي تتجاوز كونها مجرد بيع وشراء غاز بين طرفين،
لتصبح مشروعا مشتركا بين عدة أطراف.
ولذلك سنبحث في شركاء المشروع، ثم في العوائد المادية والمنتظرة منه.
ولكن ينبغي أن نفهم أن المشروع في جوهره هو مزيج بين المسارين؛ فهو يعمل كحل إسعافي
للاستهلاك المحلي المصري، وفي الوقت نفسه كاستثمار تجاري لإعادة التصدير إلى
أوروبا.
أولا من حيث الشركاء:
فمن الناحية الرسمية، هي صفقة ثنائية من حيث التبادل المادي بين الكيان الصهيوني
ومصر، ولكنها ثلاثية من حيث المصالح والمسار.
ثنائية:
لأن الغاز يخرج من حقول تسيطر عليها دولة الاحتلال، وهما حقلي ليفياثان وتامار،
ليصلا إلى الشبكة القومية المصرية للغاز.
فالجانب الصهيوني يضم
كل من
شركة نيوميد إنرجي، وشركة
راشيو الصهيونتين.
|
|
تحويل الطاقة إلى ورقة ضغط سياسي، فاعتماد مصر على الغاز القادم من الكيان
لتغطية نحو 20% من استهلاكها المحلي يجعل أي قرار صهيوني بإغلاق المحبس
(سواء لأسباب تقنية أو أمنية) سببا في عودة أزمة انقطاع الكهرباء وتوقف
المصانع. |
كما يضم
شركة
شيفرون الأمريكية، وهي المشغل الفني للحقول، ولعبت دورا محوريا في الوساطة والضغط
لإتمام الصفقة.
أما
الجانب المصري، فيضم
شركة
إيغاس، وهي الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (جهة حكومية)، كما يضم
شركة
دولفينوس، وهي شركة قطاع خاص مصرية.
وصفقة الغاز يمكن وصفها أيضا بأنها
ثلاثية
(بالمعنى الجيوسياسي): لأن جزءا كبيرا من هذا الغاز يتم تسييله في محطات الإسالة
المصرية (إدكو ودمياط)، ثم يُعاد تصديره إلى أوروبا، وبذلك يكون الاتحاد الأوروبي
طرفا ثالثا مستقبلا، وممولا للاستقرار في هذا المسار، تعوض به أوروبا الغاز الروسي،
والذي قاطعته أوروبا نتيجة العقوبات التي فرضتها على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا.
أما عوائد المشروع، فالصفقة تقدر إجمالا بنحو 35 مليار دولار.
حيث
يلتزم الكيان بتوريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، في فترة زمنية تمتد حتى
عام 2040، أي ٢٥ عاما.
يوضح الدكتور حسن الصادي (أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة) أن الصفقة، من
الناحية الاقتصادية البحثة، تعتبر مكسباً كبيراً لمصر، من طريقين:
من حيث سد الاحتياج المحلي ومن حيث تصديره إلى أوروبا مسالا، فمصر تستورد حالياً
مليون وحدة حرارية من الغاز بسعر يصل إلى 9.5 دولار، بينما السعر المتفق عليه في
الصفقة يتراوح بين 7.1 و7.2 دولار.
ووفقا لحسابات الخبير المصري، فإن إجمالي ما ستحصل عليه مصر سواء من توفير فاتورة
الاستهلاك المحلي، أو من عائد التصدير لأوروبا بعد الاسالة سيبلغ 12.5 مليار دولار
على مدار 15 سنة مقارنة بالسعر الحالي، وقد تصل هذه المكاسب إلى 20 مليار دولار إذا
ما قورنت بمتوسط الأسعار العالمية.
وأشار هذا الخبير، إلى أن العائد السنوي المتوقع لمصر قد يتجاوز 1.2 مليار دولار،
وهو ما يعادل قيمة قسط صندوق النقد الدولي، ولكن بطريقة غير مباشرة.
أما بالنسبة للكيان، فقد صرح نتانياهو بأن 52% من إجمالي قيمة الصفقة التي تبلغ ٣٥
مليار دولار سيذهب مباشرة إلى خزينة الدولة، أي حوالي 18 مليار دولار.
أما بقية المبلغ وهو ١٧ مليار دولار سيذهب للشركات الثلاثة التي تدير الحقول وهم:
شركة
شيفرون الأمريكية: المشغل الرئيسي وصاحبة النصيب الأكبر من الخبرة التقنية، ثم
الشركتان الصهيونيتان وهما شركة نيوميد إنرجي، وشركة
راشيو.
وإذا كان الطرفان قد ربحا ماليا، ولكن الاستفادة الاستراتيجية للكيان كانت الأعظم،
يقابلها بالتالي خسارة استراتيجية لمصر.
مصر والخسارة الاستراتيجية
من الملاحظ أن خبيرا اقتصاديًا كبيرًا في مصر مثل حسن الصادي وعلى الرغم من حديثه
عن المكاسب الاقتصادية لصفقة الغاز، إلا أنه في نهاية حديثه عن المكاسب الاقتصادية
لمصر من الصفقة، يتكلم أيضًا عن الخسارة الاستراتيجية التي ستلحق بمصر إذا مضت في
الصفقة، التي يراها أنها ستثبت وضع نتانياهو في الكيان، وتزيد من جرأته وغروره في
المنطقة.
لذلك إذا أجملنا الخسائر أو لو حتى أطلقنا عليها المخاطر الاستراتيجية التي قد
تترتب على هذه الصفقة بالنسبة لمصر، سنجد أنها تنحصر في خمس مخاطر:
1-
تحويل الطاقة إلى ورقة ضغط سياسي، فاعتماد مصر على الغاز القادم من الكيان لتغطية
نحو 20% من استهلاكها المحلي يجعل أي قرار صهيوني بإغلاق المحبس (سواء لأسباب تقنية
أو أمنية) سببا في عودة أزمة انقطاع الكهرباء وتوقف المصانع.
وقد
أثبتت
أحداث الأشهر الماضية قبل توقيع الصفقة، أن الكيان الصهيوني مستعد لاستخدام الغاز
كأداة للمساومة.
فإقدام نتنياهو على تأخير التوقيع كان يهدف للحصول على تنازلات في ملفات أمنية مع
مصر، مثل محور فيلادلفيا، أو قبول مصر بنوع من تهجير أهل غزة، أو انسحاب وحدات
الجيش المصري من المنطقة (ج) في سيناء. وهذا يعني أن تدفق الطاقة لمصر أصبح مرتبطا
برضا الحكومة الصهيونية عن السياسات المصرية الإقليمية.
2- تآكل استقلال الحصول على الطاقة لدى صانع القرار المصري على المدى الطويل.
فالالتزام
بصفقة ضخمة تمتد حتى 2040 قد يقلل من حماس الدولة أو المستثمرين للبحث عن حقول
جديدة في المياه المصرية أو التوسع السريع في الطاقة المتجددة، لأن هناك عقدا طويلا
يجب الوفاء به ودفع أثمانه، وهذا من شأنه تقييد البدائل لدى الحكم المصري، كما أنه
يستنزف العملة الصعبة، بدلا من استثمار المليارات في تنمية الإنتاج المحلي (الذي
يُدفع بالجنيه أو بحصص الشريك الأجنبي)، وهكذا ستضطر مصر لدفع مليارات الدولارات
سنويا للكيان، مما يزيد الضغط على الاحتياطي النقدي.
3.
الإحراج أمام الموقف الشعبي الرافض للتطبيع مع الكيان، فبينما يدعو العرب والمسلمون
وأحرار العالم إلى مقاطعة دولة الكيان اقتصاديا على جرائمها في غزة، تشرع الحكومة
المصرية لإبرام صفقة بقيمة 35 مليار دولار مع الكيان، وهذا يبين مدى
التناقض
الأخلاقي والسياسي، ويضع صانع القرار المصري في حرج داخلي وعربي وعالمي، خاصة أمام
الشعب المصري عندما يرى أن أموال الغاز تساهم مباشرة في تمويل الميزانية العسكرية
الإسرائيلية.
4.
هذه الصفقة تضع مصر رهن مشروع الكيان الصهيوني ومزاجه وأهدافه الخفية ورغبته لجعل
نفسه مركزا إقليميا للطاقة في شرق المتوسط.
والمسألة مسألة وقت، حتى تقرر دولة الكيان مستقبلا تصدير غازها عبر مسارات أخرى مثل
خط أنابيب نحو أوروبا مباشرة أو عبر قبرص، حينها قد تجد محطات الإسالة المصرية
نفسها بلا عمل، وتفقد مصر ميزتها التنافسية.
5.
توقيع مصر على صفقة غاز يجعل إمدادات الغاز رهنا لضرب هذه الإمدادات، ومنصات الغاز
الصهيونية، في حال نشوب صراع عسكري أوسع مثل مواجهات مع إيران أو حزب الله أو أي
دولة تريد ضرب اقتصاد الكيان.
وإذا
حدث هذا، فستتوقف الإمدادات فوراً تحت بند الظروف القاهرة، مما يترك شبكة الغاز
المصرية في عجز مفاجئ، كما حدث لفترة قصيرة في أكتوبر 2023 وفي منتصف 2025.
هل هناك بنود سرية في الصفقة؟
لا شك أن في الصفقة بنود غامضة تدفع البعض إلى الحديث عن وجود بنود سرية.
ورغم النفي الرسمي، فإن هناك نقاطًا قد تُعتبر بنودا غير معلنة أو تفاهمات ضمنية،
مثل
التنسيق
الأمني في محور فيلادلفيا، والحدود العسكرية المصرية في سيناء. وهذا ما دفع
نتانياهو إلى تأجيل الصفقة، لذلك يمكن الاعتقاد أن الصفقة كانت بمثابة مكافأة أو
ورقة مقايضة لضمان ترتيبات أمنية معينة تقبل بها مصر.
كما
توجد أنباء متداولة عن وجود بند يمنع مصر من وقف استيراد الغاز لأسباب سياسية، مع
فرض غرامات تقدر بمليارات ضخمة في حال الإخلال بذلك، وهو ما يجعل التراجع عن الصفقة
انتحارا اقتصاديا.
كما تتحدث بعض المصادر الإخبارية عن بنود خفية أيضا تتعلق بأن الاتفاق تضمن تفاهمات
حول كيفية إدارة غاز غزة متمثلا في حقل غزة مارين في المستقبل، أو منح شركات معينة
حقوق تنقيب في مناطق حدودية.