• - الموافق2025/04/01م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أمريكا ما بعد الترامبية

فالرجل يُعدّ «ظاهرة بحثية»، وليس شخصية رئاسية عادية، فهو ليس رجل سياسة كما يُعرّف نفسه، بل هو عضو نادي المليارديرات؛ ملياردير ابن ملياردير، وهو كذلك شخصية مشهورة إعلاميًّا، وأحد أبرز وجوه تلفزيون الواقع، ومعروف عنه شَغَفه ومتابعته لمباريات الملاكمة والمصا


تناوب على رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عشرات الرؤساء؛ فترامب هو الرئيس السابع والأربعون، والعديد منهم ترَك بصمته السياسية واضحةً على تاريخ الولايات المتحدة.

-جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة، وأحد آبائها المُؤسِّسين، حَكَمها في الفترة ما بين (1789- 1797م)، كان القائد العام للقوات المسلحة للجيش القاري أثناء الحرب الثورية الأمريكية، قاد التمرد الذي انتهى بإعلان انفصال الولايات المتحدة عن بريطانيا في 4 يوليو 1776م، كما أنه ترأَّس الاتفاقية التي صاغت الدستور، الذي حلَّ محل مواد الاتحاد الكونفدرالي، وأنشأ منصب الرئيس.

-إبراهام لينكولن حكَم الولايات المتحدة في الفترة من عام 1861م، وحتى اغتياله في عام 1865م. وعلى الرغم من قِصَر الفترة الرئاسية للرئيس لينكولن إلا أنه استطاع قيادة الولايات المتحدة بنجاح حتى أعاد الولايات التي انفصلت عن الاتحاد بقوة السلاح، وقضى على الحرب الأهلية الأمريكية، كما لعب دورًا رئيسيًّا في إلغاء العبودية، وتوسيع سلطة الحكومة الفيدرالية، وتحديث الاقتصاد الأمريكي.

-هاري ترومان كان الرئيس الأمريكي الثالث والثلاثين، حكَم الولايات المتحدة في الفترة من (1945 -1953م)، تقلَّد منصب رئيس أمريكا بعد موت الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي كان له هو الآخر بصماته الكبيرة على وضع إستراتيجية طويلة الأمد للولايات المتحدة التي هيمنت بها على العالم.

فترة رئاسة الرئيس ترومان كانت مليئة بالأحداث، وتركت أثرًا كبيرًا على العالَم بأَسْره، في عهده تم استخدام القنابل النووية للمرة الأولى والأخيرة في العالم مباشرة ضد البشر؛ حيث ضُرِبَت المدن اليابانية هيروشيما وناجازاكى بالقنابل النووية المُدمِّرة، وفي عهده انتهت الحرب العالمية الثانية، وطبّقت خطة مارشال التي كانت تهدف لإعادة تشييد أوروبا الغربية بعد ما دمَّرتها الحرب، وابتدأت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، وكذلك تم تشكيل منظمة الأمم المتحدة لتكون أداةً للهيمنة الأمريكية على العالم، وتأسست وكالة المخابرات الأمريكية.

-رونالد ريغان، حكَم الولايات المتحدة في الفترة من 1981 إلى 1989م. يُنسَب إليه أنه مَن أنهى الحرب الباردة عمليًّا، وأسَّس لحِقْبَة القطب الواحد؛ فقد سقط الاتحاد السوفييتي رسميًّا بعد مغادرته الرئاسة بثلاث سنوات.

لكنَّ أحدًا من هؤلاء لم يُشكِّل أو يُؤسِّس نهجًا رئاسيًّا أو رؤية سياسية مستقلة ذات أبعاد أيديولوجية، بل كلهم كان يُمثِّلون أحزابهم السياسية؛ سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، أحدثوا تغييرات كبيرة في تاريخ بلادهم، لكن لم يُسجِّل لنا التاريخ تيارًا سياسيًّا وُسِمَ بـ«لينكولنية» نسبة إلى «لينكولن» مثلاً، أو «الواشنطنية»، أو «الريغانية».

لكنَّ ترامب سيُغيِّر في تاريخ الولايات المتحدة بصيغة مختلفة، فرغم أنه لم يكمل المائة يوم الأولى من فترة رئاسته بعد؛ إلا أنه أحدث انقلابًا شاملًا في توجهات الولايات المتحدة الإستراتيجية سياسيًّا واقتصاديًّا.

فالرجل يُعدّ «ظاهرة بحثية»، وليس شخصية رئاسية عادية، فهو ليس رجل سياسة كما يُعرّف نفسه، بل هو عضو نادي المليارديرات؛ ملياردير ابن ملياردير، وهو كذلك شخصية مشهورة إعلاميًّا، وأحد أبرز وجوه تلفزيون الواقع، ومعروف عنه شَغَفه ومتابعته لمباريات الملاكمة والمصارعة الحرة.

استطاع ترامب رجل الأعمال بذكائه الفطري، امتطاء الحزب الجمهوري بتياراته الثلاث: التيار الإنجيلي المحافظ الذي يهتم في الأساس بقضايا الإجهاض والتحول الجنسي، وهو مستاء بشدة مما فعَله الديمقراطيون في هذا الملف. التيار الثاني بقايا المحافظين الجدد أنصار القوة العسكرية والهيمنة الأمريكية، ودعم المجمع العسكري الصناعي. وكذلك تيار رجال الأعمال، والذي يهتم بالاقتصاد وتخفيض الضرائب، وهذا التيار الأخير دخل في صدام مباشر مع الديمقراطيين خاصةً في عهد بايدن. كل تلك التيارات احتواها ترامب وأقنعها أنه يُمثّل مصالحها مباشرة.

على الصعيد الشعبي كان المجتمع الأمريكي الأبيض الذي يرى أن أمريكا اختُطِفَت منه، أمريكا الرجل الأبيض المسيحي المحافظ، الذي كان يُشكّل قبل عشرين عامًا الأغلبية، والذي أصبح اليوم يعاني من تراجع حضوره بسبب الهجرة التي جلبت له أكثر من 50 مليون مهاجر شرعي من أمريكا اللاتينية وآسيا ودول أخرى، بالإضافة إلى 7 أو 8 ملايين مهاجر غير شرعي، هذا التيار الساخط على النخبة السياسية كان ينتظر مَن يقوده مِن خارج المنظومة السياسية التقليدية؛ لأنه يراها هي السبب المباشر لما آلت إليه أوضاعه، لذلك كانت الفرصة سانحة لترامب، وهو شخصية لا تحمل مؤهلًا أكاديميًّا، ويعرف كيف يصل إلى هذا المستوى الشعبوي بلُغَته البسيطة المألوفة لديهم. واستطاع الهيمنة على هذه القاعدة الشعبية.

إن ترامب لم يأتِ ليُنفِّذ أجندة تفكيك الدولة العميقة كما يُشاع، لكنّ الحقيقة أن ترامب جاء ليفكك منظومة الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية التي تم تأسيسها عقب نهاية الحرب العالمية الثانية.

تأسيس الإمبراطورية الأمريكية

بعد تضعضع أوروبا إبَّان الحرب العالمية الثانية، وانتصارات هتلر التي كادت أن تهمين على أوروبا بأكملها، طلبت أوروبا المساعدة من الولايات المتحدة، والتي رحَّبت بالتدخل، واشترطت أن تتخلَّى أوروبا (بريطانيا وفرنسا على وجه الخصوص) عن نفوذها الإمبراطوري في العالم سياسيًّا واقتصاديًّا لصالح الولايات المتحدة التي شرعت في إنشاء إمبراطوريتها التاريخية على غير النمط المعتاد في العالم القديم.

قديمًا كان النفوذ الإمبراطوري ينتهي حيث يقف آخر جندي، وحيث كانت الهيمنة السياسية والاقتصادية تأخذ شكل الاستعمار المباشر؛ لكن الولايات المتحدة شرعت في إنشاء منظمات وهياكل إدارية تكون مقرّها الولايات المتحدة تهمين من خلالها على العالم دون الشروع في الاستعمار المباشر. فكان تأسيس الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والذي يهمين عليه خمسة أعضاء دائمون، على رأسهم الولايات المتحدة.

وتم إنشاء صندوق النقد والبنك الدوليين، واعتُمِدَ الدولار ليكون عملة الاحتياط النقدي العالَمي خلال مؤتمر النقد الدولي الذي عُقِدَ في يوليو 1944م في غابات بريتون في نيوهامبشر بالولايات المتحدة الأمريكية.

تلا ذلك إنشاء حلف الناتو في أبريل عام 1949م ليكون في مواجهة الاتحاد السوفييتي وقتها، وليكون نواة للهينة العسكرية الأمريكية؛ حيث تمتلك الولايات المتحدة أكثر من ألف قاعدة عسكرية منتشرة حول العالم، في أكثر من مائة وعشرين دولة، وأساطيل بحرية ضخمة، في كافة بحار ومحيطات العالم، وهي جاهزة للتدخل العسكري في أيّ لحظة.

على الصعيد الفكري تم تدشين ما يُعرَف بالعالم الغربي أو العالم الحر، والذي يضم الولايات المتحدة وملحقاتها من الدول الغربية وكندا وأستراليا؛ حيث الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكان الترويج لتلك الأفكار مُهمًّا وقتها في مواجهة الكتلة الشرقية وبداية الحرب الباردة لمواجهة الاتحاد السوفييتي وتقليص نفوذه.

الإمبراطورية الجديدة

كانت هذه هي أمريكا التي هندسها الرئيسان روزفلت، ومن بعده ترومان، بعد خروج الولايات المتحدة منتصرةً في الحرب العالمية الثانية، واستخدامها أقوى سلاح في العالم والذي انفردت به وقتها؛ وهو القنبلة النووية.

وهي نفسها الولايات المتحدة الذي أتى ترامب ليفكّكها لمصلحة الولايات المتحدة أيضًا، فهي لم تَعُد في حاجة إلى الناتو التي تتكفل بالإنفاق عليه بشكل شبه كامل، فلم يعد ثمة اتحاد سوفييتي تخشى منه، فروسيا الآن أضعف مِن أن تُمثّل تهديدًا عسكريًّا، فلم تستطع تحقيق انتصار حاسم على أوكرانيا رغم مرور 3 سنوات من الحرب الضروس.

وكما أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى الناتو، فكذلك لم يَعُد لديها حاجة إلى منظومة فكرية تسيطر بها على العالم، وليست في حاجة لزعامة تستنزف قواها التي باتت شبه منهارة جراء الإنفاق المُبالَغ فيه خلال العقود السابقة، فالزعامة لها ثمنها. وربما رأى ترامب أن النفوذ التقليدي أقل كلفة، فالحديث عن كندا وغرين لاند وقناة بنما، ليس مجرد شعارات.

الصراع الأكبر الآن أصبح هو الحصول على القوة الجديدة، وهي التكنولوجيا الصاعدة؛ ولذا أعلن ترامب عن مشروعه الكبير الذي يسمى «ستارغيت»، ومقره «تكساس»، وهو مشروع دعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتعهَّد أن تصل الاستثمارات به إلى 500 مليار على مدى السنوات الأربع المقبلة، وإدخاله للمجال العسكري؛ لأنه هو مستقبل الهيمنة الجديد، والتي تُمثّل الصين فيه تحدّيًا غير قابل للاحتواء قريبًا.

هذا النهج التفكيكي لن يتوقف بنهاية فترة ترامب الرئاسية؛ فالرجل أسَّس تيارًا سياسيًّا داخل الولايات المتحدة يحمل رؤيته، ويشاركه فيه نُخبة سياسية صاعدة وقاعدة شعبية متماسكة، والتي لن تزول بمجرد رحيله أو زواله عن الرئاسة.

والحقيقة أن العالم مُقبل على صياغة جديدة بدأت تتضح بعض معالمها، وكلٌّ يبحث فيها عن موضع قدم متقدّم عن موقعه القديم، إلا الأتباع فإنهم يشاهدون بشغف وينتظرون السيد الجديد.


أعلى