عقول.. لا أفواه!

في الواقع إن معظم دول العالم ترى في الأطفال أكبرَ الموارد البشرية التي تمتلكها وتسعى كثير من تلك الدول في زيادة نسلها كالولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وروسيا التي تقدم مساعدات وامتيازات لكل أسرة تنجب ثلاثة أطفا


لم تحظَ قضية بدعمٍ من قِبَل مؤسسات الأمم المتحدة والدول الغربية مثل قضية تنظيم النسل، حتى نظَّموا له يوماً عالمياً وهو السادس والعشرون من سبتمبر من كل عام وأطلقوا عليه اليوم العالمي لـ «وسائل منع الحمل».

وإذا كانت المنظمات مثل منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي وصندوق الأمم المتحدة للسكان؛ تتعاون في تقديم المساعدات المادية والعناصر الفنية للدولة الفقيرة التي تتمتع بنسبة زيادة سكانية عالية، لخفض عدد سكنها؛ فإن الدول الغربية تقوم بدورها في ابتزاز الشعوب نفسها بربط المشاريع الإنمائية والتعاونية والاقتصادية أو الحصول على الدعم السياسي للحكومات بتبنِّي سياسات تحديد النسل.

في حين يشجع الغرب على الزيادة السكانية ولو عن طريق الهجرة، ويرى في كل مولود فرصة كبيرة للتقدم ومورداً كبيراً من موارد البلاد، ويصدِّرون لنا صورته في هيئة وحْشٍ شَرِهٍ يأتي على الأخضر واليابس.

في الواقع إن معظم دول العالم ترى في الأطفال أكبرَ الموارد البشرية التي تمتلكها وتسعى كثير من تلك الدول في زيادة نسلها كالولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وروسيا التي تقدم مساعدات وامتيازات لكل أسرة تنجب ثلاثة أطفال، وكذلك أستراليا واليابان... والمقام هنا لا يتسع لسردها جميعاً وإلا فالقائمة تطول.

حتى الصين التي سارت في برامج تحديد النسل واتبعت سياسة الطفل الواحد؛ اليوم أصبحت تعاني جراء تلك السياسة، وسمحت بالمولود الثاني وغضَّت الطرف عن الطفل الثالث وهي تعاني من أزمة كبيرة تحاول تجاوزها اليوم وتعترف بكل صدق بخطأ سياستها السابقة في تحديد النسل.

وكوريا الجنوبية التي نجحت هي أيضاً في خفض مواليدها؛ أصبحت الآن تعاني ليس من نقص المواليد فقط بل أصبحت دولة مهدَّدة بالانقراض؛ فقد أطلق النائب جانغ غيوغنتي، عضو البرلمان الكوري، صرخته: «سوف ننقرض»، وقال: «إذا استمرت الخصوبة في بلادنا بالمعدل نفسه، فإن مصيرنا سوف يكون مثل مصير الديناصورات، وعلى إثرها تبنَّى البرلمان عدداً من القوانين لدعم الأسرة وزيادة النسل لكن العجيب أن المجتمع أَلِف الأمر ولم تُجْدِ هذه البرامج نفعاً يذكر.

وإيران الدولة المحاصرة التي تعاني من عقوبات اقتصادية؛ وافق برلمانها على مشروع قانون (زيادة السكان ودعم الأسرة)، الذي جاء بناء على توصيات المرشد الإيراني علي خامنئي، حول ترويج الزواج وإنجاب الأطفال، وجعل هذه السياسة ملزمة في الأجهزة الحكومية، ومنع القيام بأنشطة تتعارض معها والتعامل مع المخالفين.

إنها فرية عظيمة تلك التي تقول: إن تقليل النسل أو الحدَّ منه يعني مزيداً من التنمية والازدهار للمجتمعات، والحقيقة أن هذا يحدث فعلاً لكنه لوقت قصير ثم تبدأ الآثار السلبية في التداعي وسرعان ما يتقدم المجتمع في العمر، ويصبح غير قادر على الإنتاج لفقدانه عنصر الشباب ويزداد عدد كبار السن ويصبح المجتمع في حالة عجز إنتاجي كبير.

ما من دول خُدعت بتلك الشعارات البراقة وشرعت في تنفيذ تلك الإستراتيجيات المهلكة إلا وهي تعاني الآن آثاراً اجتماعية واقتصادية حادة تحاول الخروج منها بكل وسيلة، ولا تستطيع. ناهيك عن الأبعاد الديموغرافية والسياسية والأخرى، ومن يقرأ التاريخ يجد أنه في عام 1800م كان عدد سكان مصر 2.5 مليون نسمة، وفي العام نفسه كان عدد سكان المملكة المتحدة (بريطانيا) 15 مليوناً، وفي البر مثل البحر: الصغير يذوب في جسد الكبير ويصبح أحد خلاياه وليس هذا عجيباً، بل العجيب أن يرضى الصغير بضعفه، والأعجب أن يُقزِم الكبير نفسه فيقصر عقله في فيه فيهيئ نفسه للذوبان ويقضم نسله بيده... إنهم عقول لا أفواه.


أعلى