عالمية الفن في استلهامه مفاهيم الحق والخير والجمال

إنه لمن المحزن حقاً أن تصبح ثوابت الأمة ومُحْكمَات الملَّة عرضاً مباحاً لأدعياء الفن؛ الذين لا يَكفُّون طعناً وتسفيهاً وتشويهاً وتزييفاً، بعدما تجرَّدوا عن العقل والموضوعية والخُلُق.


مكـارم الأخلاق في الأدب الجاهلـي:

يقول ابنُ خلدون: «الفن ذائقة الشعوب ومرآة الأمم».

هذه المقولة تصدق بوضوح على حالة أدبنا العربي عبر العصور. فما زال (الشِّعر الجاهلي) أقوى مصادر الثقافة العربية، وما زال موضعَ الإعجاب، وقد ازداد الحنينُ إليه في العصر الحاضر الذي كثر فيه السؤال عن أسباب تراجع الأدب العربي عن موقع الريادة؟

 وليست الإجابة عن هذا التساؤل عصيَّة، ولا تحتاج إلى إعمال عقل وتفكير طويل... فقد انحرف جزءٌ كبير من أدبنا الحديث عن طريقه الطبيعي بما دخل عليه من مفاهيمَ وقيَمٍ وافدة من ناحية المضمون، وبما اصطُنع له من أساليب غربية من ناحية الأداء.

فأغلب النتاج الأدبي القائم بين أيدنا لا يُمثِّل حقيقة المشاعر النفسيَّة والاجتماعية لمجتمعاتنا، حتى المصطلحات التي تُستعمَل الآن دخيلة عليه وغريبة عنه، بعدما أخضعوه لأطوار الأدب الغربي التي تنقَّلت بين الكلاسيكية والرومانتيكية، ومن السريالية إلى الوجودية، حتى غرقَ في لُجَّة الحداثة، وأخواتها... فقد انحرف بعضه إلى ما أسموه بقصيدة النثر والشِّعر الحر، وتدنَّى إلى مفاهيم مكشوفة وأداء مُبتذلٍ. وسقط بعضه في أوحال تصورات شاذة، لا تُمثِّل النفس العربية الأبيَّة، بلْ تحاول أن تُصوِّر الفساد والتحلُّل على أنها أشياء طبيعية!

وفي ظل السباق المحموم نحو التغريب؛ انطلقَ دعاةُ التمرُّد يُردِّدون بوعي، ودون وعي: أنَّ الأدب له استقلاليته عن الدِّين والقيَم! وله حريَّته في مجال الأداء دون اعتبار للمسؤولية الأخلاقية، والضوابط والأعراف الاجتماعية!

 وقد كانت هذه هي أخطر السهام المسمومة التي أصابت الأدب العربي المعاصر، وجعلته في ذيْل الآداب ومؤخرة الثقافات، فضلاً عن تبعيَّته المطلقة للآخَر.

لقد تناسى هؤلاء المساكين أنَّ قدرة الأدب العربي على الوصول إلى العالميَّة لا تكون بهدم الثوابت، وخلع الفضائل، والتبعية للآخَر؛ وإنما تكون بالمحافظة على المواريث، والْتماس مفاهيم الحقِّ والخير والجمال التي تعارف عليها الناس؛ خاصة أنَّ الواقع الذي نعيشه يجعلنا أحوج من أيِّ وقت مضى إلى الكيان المترابط والشخصية المتميزة فكرياً وثقافياً.

عُمـدة الأخــلاق ومصدرها:

إنه لمن المحزن حقاً أن تصبح ثوابت الأمة ومُحْكمَات الملَّة عرضاً مباحاً لأدعياء الفن؛ الذين لا يَكفُّون طعناً وتسفيهاً وتشويهاً وتزييفاً، بعدما تجرَّدوا عن العقل والموضوعية والخُلُق.

فالذي نشهده في هذا العصر مـن استطالةٍ، واستماتةٍ في محاربة رسالات السماء، وعزل هداية الإسلام عن مسيرة الأمة، والزجِّ بها في مجاهل الأرض وخوادع السبل، عن طريق نشر نفايات المذاهب الفكرية والأدبية الشاذة؛ يُعدُّ خيانـة لهويَّة الأمَّة ورسالتها، ومسلكاً عدائياً لتاريخها وحضارتها، وامتداداً للوجود الاستعماري التخريبي.

فبقاء الأمم مرهون ببقاء الأخلاق القويمة، والدِّينُ عُمدة الأخلاق الحميدة ومصدرها، بْل هو أهم أسباب بقاء المجتمعات وتماسكها، والإنسان بطبعه كائن متديِّن، فمنذ وُجِد على الأرض وهو يؤمن بالإله الذي أرسل إليه الرسل للهداية والرشاد، حتى في تلك الأزمنة التي يَضلُّ الناسُ فيها عن الحق، لم يتخلَّ الإنسانُ مطلقاً عن الدين، بلْ كان يلجأ إلى ربِّه، ويستنجد به.

ففي عصر الجاهلية (قبل الإسلام) وبالرغم ممَّا كان فيه من ألوان الغواية؛ إلاَّ أنَّ صلة الناس بالله لم تنقطع بالكلية، ولم ينزلقوا جميعاً في بحر الظلمات ولُجة الضلال، فقد كانت هناك طائفة مؤمنة بالله سبحانه، قائمة على الحقِّ، لا تُشرك بالله، ولا تقطع الأرحام، ولا تَقْرَب الفواحش... وقد أعلنوا ذلك في خُطبهم، وسجَّلوه في آثارهم الأدبية.

أجَل؛ فعلى الرغم مِن بُعدهم عن الدين الحق؛ إلاَّ أنَّ اتصالهم بالله لم ينقطع، فقد كانوا يلجؤون إليه، ويعتمدونَ عليه، ولم نجد أحداً منهم يَسخَر من (الإله) أوْ يتهكَّم به، أوْ يَصفه بما لا يليق كما فعل السفهاءُ مِنَّا؛ الذين تلوَّثت أفئدتهم بحامض الفكْر وأعاصير الإلحاد!

 وها نحن نسوقُ قَبَساً من تلك الروائع التي جادت بها قرائح شعراء الجاهلية التي خلَّدها الزمان؛ الداعية إلى الغيْرة والحميَّة، ومكارم الأخلاق، كيْ نرى البوْن الشاسع بينهم وبين أدعياء التمرُّد؛ الذين يَصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عِوَجا... وهذا تأكيد لِـمَا جاء في الحديث القدسي في صحيح مسلم: «خلقتُ عبادي حنفاء» أيْ: مسلمين على فطرة الله سبحانه.

فهذا هو الشاعر الجاهلي (قيس بن عاصم المنقري) أبى إلاَّ أن يكون موفور الكرامة، فحرَّم الخمر على نفسه، بعد أن غلبه السُّكْر على عقله، وأتى ما لا يحسُن من مثله، يقول:

وجدتُ الخمرَ جامحةً وفيها

خصالٌ تفضح الرجلَ الكريما

فلا، واللهِ! أشربها حياتـــي

ولا أدعــو لها أبداً نــديمــا

 وضربَ (ذو الإصبع العدواني) مثلاً في الرجولة والاستقامة، وظلَّ مؤمناً بأنَّ الذي يقبض الدنيا ويبسطها، هو الله القادر على كل شيء، الذي يُغني مَن يشاء ويُفقر مَن يشاء، وهو الذي يعلم السرائر، ويُجازي كل إنسان على عمله، وعلى ما يُكنِّه في نفسه، وذلك في قوله:

إن الذي يقبضُ الدنيا ويبسُطها

إنْ كان أغناكَ عني سوف يُغنيني

الله يعلمني والله يعلمكـــم

والله يجزيكــم عنـي ويجزينــي

 وما أجمل شمائل (برذع بن عدي) وأخلاقه الرفيعة، فاستمع إليه وهو يخاطب (مالك بن أبي كعب) والد كعب مالك رضي الله عنه مفتخراً بأخلاقه الكريمة، قائلاً:

فلا وإلهي! لا يقول مجـاوري:

ألاَ إنني قد خانَنِي اليومَ برذعُ

وأحفظ جاري أن أخاتلَ عِرْسَه

ومولاي! بالنكراء لا أتطلَّــعُ

وأجعل مالي دون عرضي؛ إنـه

على الوجْد والإعدام عرض ممنَّعُ

وأصبر نفسي في الكريهة إنـه

لذي كلِّ نفس مستقَرٌّ ومصــرعُ

وأني بحمد الله لا ثوبَ فاجـرٍ

لبِســتُ ولا من خزيةٍ أتقنــعُ

فهو يُقسم بالله، ويشكره على ما أنعمَ به من فضائل الأخلاق، ويفتخـر بالخصال الكريمـة، والأفعـال الحميدة، ويحمـد اللهَ أيضاً أن أبعده عن الفجور، وما يوجب الخزي!

ويظهر أثر الدين جليّاً، ويبدو نور الفطرة أكثر وضوحاً عند (عبيد بن الأبرص) تحديداً، فالإيمان بالله ليس إيماناً غائماً، والأمر لم يعد عندهم مجرد أمر متوارث يتمثَّل في القَسَم والدعاء وما شابه ذلك؛ وإنما صار فيه كثير من الوضوح والمعرفة، فالشاعر (عبيد بن الأبرص) يؤمن بالله الذي لا شريك له، ويعتقد أنَّ سائلَه لا يخيب، وأنه - سبحانه - علاَّم بما تُخفي القلوب:

مَن يسألِ الناسَ يحرموه

وسائلُ الله لا يخيـبُ

واللهُ ليـس لـه شــــريـكٌ

علاَّمُ ما أخفتِ القلوبُ

 كما يؤمن بالبعث والنشور يوم القيامة، وذلك في قوله لحجْر (والد امرئ القيس) في القصيدة التي بدأها بالثناء على الله وتقديسه وتنزيهه:

أنت المليـــك عليهم

وهم العبيد إلى القيامـة

 وكان (زهير بن أبي سُلمى) حكيمَ زمانه، مؤمناً بالبعث والنشور والحساب، وبأنَّ الله يعلم ما يُكتَم داخل النفوس من خير أوْ شر، وهذا ما قاله في ختام مُعلَّقته الشهيرة:

فلا تكتمُنَّ اللهَ ما في نفوسكم

ليخفى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلمِ

يؤخَّر فيوضَع في كتاب فيُدَّخر

ليوم الحساب أوْ يُعجَّل فيُنقَمِ

 ويُعدُّ (النابغة الذبياني) مِن أكثر الشعراء الْتزاماً بمكارم الأخلاق، عالماً بحرمة الدين ومكانة الأنبياء ومنزلتهم الرفيعة، فها هوَ يُبيِّن مدى حرمة الحلف بالله وقداسته، وذلك في قوله:

حلفتُ فلمْ أتركْ لنفسك ريبةً

وليس وراء الله للمرء مَذهب

 وتبـدو ثقافتـه الدينية الواسعة أثنـاء اعتـذاره للنعمان بن الـمُنذر مَلك الحيرة إذْ يشير إلى النبيِّ سليمان عليه السلام، وما حباه الله بالرسالة، وما أنعم عليه من تسخير الجن له، إذ يقول:

ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه

وما أحاشي من الأقوام من أحدِ

إلاَّ سليمان إذْ قال المليكُ لــه

قُم في البريَّة فاحددها عن الفَنَدِ

وخَيِّس الجنَّ إني قد أذنتُ لهم

يبنونَ تدمر بالصُّفاح والعَمَــدِ

 وعندما وقعت حادثة الفيــل الشهيرة؛ استثمرها (أميَّة بن أبي الصلت) بطريقة صحيحة، ووجدها فرصة لتذكير العرب بدين إبراهيم عليه السلام، فقال:

إنَّ آيــات ربنـــا ثاقبــات

ما يماري فيهنَّ إلاَّ الكفورُ

خلق الليلَ والنهار فكلٌّ

مستبين حسابه مقــدورُ

حبس الفيلَ بالمغمس حتى

ظلَّ يحبو كأنه معقــورُ

كل دين يوم القيامة عند الله

إلاَّ ديـنَ الحنيفةِ بــورُ

 وقد كان (قس بن ساعدة) من أعقل فصحاء زمانه، وأكثرهم حكمة، فرفض أن يساير مجتمعه وما كانوا فيه من الخطأ والضلال، ومن أبياته المشهورة في نهاية بني البشر:

في الذاهبين الأوليـ

ـن من القرون لنا بصائـــرُ

لـمَّــا رأيتُ مَــوارداً

للموت ليس لها مصادرُ

ورأيتُ قومي نحوها

يمضي الأصاغر والأكابرُ

أيقنتُ أنِّي لا محالة

حيث صار القومُ صائــرُ!

بلْ هلمُّوا كيْ نستمع إلى بعض أشعار (زيد بــن عمرو) الجاهلي القديم؛ الذي أنكر عبادة الأوثان، وطلب الدينَ الحقَّ، ولم يقبل النصرانيــة ولا اليهوديــة، ووقف عند حدِّ الحنيفية، وهاجم عبادة الأوثان حتى طُورِد من مُخالفيه، وهذه أبيات من شعره الذي يتهكَّم فيها بتعدُّد الآلهة:

أربّــاً واحداً أمْ ألف ربٍّ؟

أدينُ إذا تقسَّمت الأمــورُ

عزلتُ اللاتَ والعزى جميعاً

كذلك يفعل الجَلْد الصبــورُ

فلا العزَّى أدين ولا ابنتيْها

ولا صنَمَي بني عمرو أزورُ

ولا هُبلاً أدينُ وكان ربّـاً

لنا في الدهر إذْ حِلْمي يسيرُ

ولكنْ أعبدُ الرحمنَ ربِّـي

ليغفرَ ذنبيَ الربُّ الغفــورُ

فتقوى الله ربِّكم احفظوها

متى ما تحفظوها لا تبوروا

ترى الأبرار دارهم جنان

وللكُـفَّار حاميــةٌ سعيـرُ

وهذا (عدي بن زيد) الذي نشأ في (الحيرة) نصرانياً تبعاً لأهله، إلاَّ أنَّ بيئته لم تستطع أن تنزع منه تدينـــه بالحنيفيَّة المتوارثة عن إبراهيم عليه السلام؛ ولهذا يظهر في شعره أثـر الإيمان المطلق بالله والتديُّن الفطري... فها هو يقول عندما وقع في أزمة وهو حبيس:

ليس شيء على المنون ببــاقِ

غيـــر وجه الـمُسبَّــح الخـلَّاقِ

إنْ نكن آمنين فاجأنا شــرٌّ

مصيبٌ ذا الود والإشـــفاقِ

فاذهبي يا أميـمَ إن يشأ اللهُ

يُنفِّس من أزمِ هذا الخنـــاقِ

ونراه في قصيدة أخرى يُذكِّر بالموت، ويقول: ليس هناك إنسان مُبرَّأ كامل، فكل إنسان مُعرَّض للمصائب والنوازل وللموت، وهو أكبر المصائب، وتلك هي شيمة الحياة:

أيها الشامت المعيِّر بالدهـــر

أأنت المبرأ الموفـــورُ؟

أمْ لديك العهد الوثيق من الأيام.

بلْ أنت جاهل مغـــرورُ!

مَن رأيتَ المنون خلَّدنَ أم مَـن

ذا عليه من أن يضام خفيرُ؟

أين كسرى؟ كسرى الملوك أنوشر

وان، أمْ أين قبله سابــور؟

بلْ استمع إلى الوصايا والحِكَم الرفيعة التي جادت بها قريحة الشاعر (الأعشى)، إذْ يقول:

إذا أنتَ لم ترحل بزادٍ من التقى

ولاقيتَ بعد الموت مَن قد تــزودا

ندمتَ على أن لا تكون كمثلِـه

فترصد للأمر الذي كـان أرصــدا

فـإيَّاك والميتات لا تقربنَّــها

ولا تأخذنَّ سهماً حديـداً لتفصــدا

وذا النصب المنصوب لا تنسكنَّه

ولا تعـبد الأوثان، واللـهَ فاعبــدا

ولا تقربنَّ حرّةً كان ســِرها

عليك حــراماً فانكحـنَّ أو تــأبدا

وذا الرحم القربى فلا تقطعنَّـه

لعاقبـة ولا الأســـير المقيَّـدا

وسبِّح على حين العشيَّات والضحى

ولا تحمدِ الشــيطانَ، واللـه فاحمدا

ولا تسخرنْ من بائس ذي ضراوة

ولا تحسبنَّ المالَ للمرء مخلِّـــدا

ومن شعراء الجاهلية الذين تبدو نزعة التديُّن عندهم واضحة، بلْ عميقة الجذور (لبيد بن ربيعة العامري) ففي معلَّقته الشهيرة، يقول:

فاقنع بما قسم الإلــهُ فإنما

قسم الخــــلائـق بيننا علَّامها

ثم نجد قوله الرائع الذي تناقلته الأجيال، بلْ هو أصدق ما قيلَ في عصر الجاهلية:

ألاَ كلُّ شيء ما خلا اللهَ باطل

وكلُّ نعيمٍ لا محالــة زائــــلُ

إذا المرء أسرى ليلة ظنَّ أنـه

قضى عملاً، والمرء ما عاش آملُ

حبائلــه مبثوثة بســـبيله

ويفنى إذا ما أخطأته الحبائـــلُ

وكل امرئ منَّا سيعلم سعيه

إذا كُشفت عند الإله المحاصــلُ

ليس هذا فحسب، بلْ تعالوا بنا إلى نزهة سريعة في ديوان الشاعر (سويد بن عامر المصطلق) الذي عندما سمع الرسولُ الكريمُ شيئاً من شِعره، قال: «لوْ أدركني هذا لأسلم»، إذْ يقول في شعره:

لا تأمننَّ وإنْ أمسيتَ في حـــرم

إنَّ المنايا بجنبَــي كلِّ إنسانِ

واسلُك طريقك تمشي غير مختشعٍ

حتى تُلاقي ما يمني لك الماني

فكل ذي صاحب يوماً مفارقــه

وكل زادٍ وإنْ أبقيته فاني

والخير والشر مقرونان في قـرن

بكل ذلك يأتــــيك الجديدان

وإليكم هذا الوابل الصيِّب من ديوان (أميَّـة بن أبي الصلت) الذي كثيراً ما يبدأ قصائده بالحمد والثناء على الله، ثمَّ يُعدِّد نِعَمَه وآلاءه عليه... فها هو يترجى أن يُبعث فيهم نبيٌّ يُعلِّمهم ويُرشدهم لِـمَا سيكون ما بعد الموت والفناء:

الحمد لله مُمسانا ومُصبحنا

بالخير صبَّحنا ربِّي ومسَّانــا

رَبُّ الحنيفة لم تنفد خزائنها

مملوءة طَبَق الآفاق سلطانــا

ألاَ نبـيٌّ لنا مِنَّا فيخبـرنــا

ما بُعْدُ غايتنا من رأس محيانـا

وقد علمنا لوْ أنَّ العِلْمَ ينفعنا

أن سوف يلحق أُخرانا بأولانـا

الحقَّ الحقَّ أقول: ما أروع هذه الإبداعات، وما أجملَ تلك الثقافة العربية النقيَّة، الخالية من شوائب الضلال، التي نشأ في ظلالها (أميَّة بن أبي الصلت)! ففي أشعاره دواء للقلوب، وفي قصائده راحة للنفوس، وهداية للحيارى والمرتابين... فاستمع إليه وهو يقول في إحدى روائعه:

إلى اللهِ أهدى مِدحتي وثنائيـــا

وقولاً رصيناً لا يني الدهرَ باقيا

إلى الـمَلِكِ الأعلى الذي ليس فوقه

إلهٌ ولا ربٌّ يكـون مُدانيــا

ألاَ أيها الإنسانُ إيَّاك والــردى

فإنَّكَ لا تُخفي من الله خافيــا

وإيَّاك لا تجعل مع اللهِ غيــره

فإنَّ سبيلَ الرشد أصبح باديـا

رضيتُ بك اللهمَّ ربّاً فلـن أُرى

أدينُ إلهاً غيرك اللهُ ثانيـــا

وأنت الذي مِن فضلٍ ومن رحمةٍ

بعثتَ موسى رسولاً مناديـا

فقلتَ له اذهب وهارونَ فادعوا

إلى اللهِ فرعونَ الذي كان طاغيا

وقولا له: أأنتَ سوَّيتَ هــذه

بلا وتدٍ حتى أطمأنَّت كما هيــا؟

وقــولا له: أأنت رفعتَ هذه

بــلا عمدٍ؟ أَرْفِقْ إذن بكَ بانيــا

وقولا له: أأنت سوَّيتَ وسطها

مُنيراً إذا ما جنَّه الليلُ هاديـــا

وقولا له: مَن يُرسل الشمسَ غدوةً

فيصبح ما مسَّت مِن الأرض ضاحيـا

وقولا له: مَن يُنبت الحبَّ في الثرى

فيصبح منه البقْلُ يهتزُّ رابيـــا

ويُخْرج منه حبَّه في رؤوســـه

وفي ذاك آياتٌ لمن كان واعيــا

وأنت بفضلٍ منك نجَّيتَ يونســاً

وقد بات في أضعاف حوت لياليا!

في الختام، ندعو جحافل المرتابين وإخوانَهم في (الرضاعة) أن يتدارسوا ديوان (أميَّة بن أبي الصلت)، ويتعلَّموا منه أبجديات الفن، ومبادئ الأدب الرفيع؛ ففي أشعاره شاطئ النجاة، ومرفأ السلامة من الضلال الذي يتخبَّطونَ في سراديبه... ولِمَ لا؟ أليسَ هو القائل:

أسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ

له الأرضُ تحملُ صخـراً ثقـالا

دحاها فلمَّا رآها اســتوتْ

على الماء أرسى عليها الجبـالا

وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ

له الـمُزنُ تحمل عَـــذْباً زُلالا

إذا هيَ سيقت إلى بلـــدةٍ

أطاعتْ فصبَّت عليها ســجالا

 هذا غيْض من فيْض، وقطرة من بحور (الشِّعر الجاهلي) الذي ما زال مَضرب الأمثال، ومَرجعيَّة الأدباء والعلماء والفلاسفة باختلاف مشاربهم.


أعلى