هل يُعدّ تضخم الأمة في العدد والعمران والرفاهية تقدّمًا حقيقيًا، إذا صاحبه انحسار في التضحية والبذل وخدمة المصالح العليا، أم أن الأمة الإسلامية قد تحتاج إلى استعادة روح الرسالة والتكليف حتى لا يتحول التسمين إلى تسميم؟
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه
وصحبِه أجمعين، وبعدُ:
أما بعد: فالتسمين هنا ليس تسمين المواشي ولا الدواجن، وإنما تسمين الأُمّة؛ بحيث
تتوسَّع المدن، ويمتدّ العمران أُفقيًّا ورأسيًّا، ويتكاثر الناس، حتى تكتظّ بهم
المدن، وتغصّ بهم الشوارع والطرقات.
هذه نعمة من نِعَم الله، بلا شك، ودليل على الأمن الوارف، والرزق الواسع؛ إلا أنه
يعطي دلالةً من جهة أخرى على انحسار معدلات الفقد في الأُمّة، وهذا أيضًا دليل على
ارتفاع مستوى الصحة البشرية، وأمان التصنيع، والسلامة المرورية، إلا أنّ هناك
أبوابًا للفقد غائبة.
لقد كانت أُمّة الإسلام تدفع بفلذات أكبادها في أتون المخاطر؛ صيانةً لكرامتها،
ودفعًا عن كرامتها، وحمايةً لحياضها، وتدعيمًا لهَيْبتها، ونشرًا للنور في الأرض،
وإسقاطًا لقُوَى البغي والظلم التي تَستعبِد الناس، وتوسيعًا لدائرة الناجين من
النار يوم القيامة؛ إذ هذه هي رسالتها في الحياة، وتلك هي مَهمتها.
ولعلّ من حكمة الله في أن تكون بيئة أغلب بلاد العرب في أصلها بيئة طاردة مناخيًّا
لا جاذبة، وكأنها رسالة أن تخرج منها أفواج الناشرين للنور في الأرض؛ جهادًا
ودعوةً. رَحِمٌ لا يلبث فيه الحمل طويلًا ليخرج إلى الحياة ويدرج في الأرض ويخلفه
غيره.. وهكذا.
أما أن تتضخم الأمة وتَسْمَن مع بقائها في كنف غيرها من أمم الشرق والغرب؛ فإذا ضعف
الغرب التفتت نحو الشرق.. والعكس.. وكأنما تعيش مرحلة حضانة ورضاعة.. فهذا التسمين
بهذه الحالة تسميم.
كانت أُمّة الإسلام تُنتِج لتَفْقِد.. تُنتِج أفرادها وتُؤهّلهم، ليخدموا مصالحها
العليا، وينشروا علومها الربانية وحضارتها الإنسانية، ويرسّخوا نفوذها في الأرض، لا
شهوةً في السيطرة، فكم غُدِرَ بعشرات منهم، فارقوا الموطن والأهل لهذه الغاية
النبيلة! وكم استُشْهِد بين يدي النبي # من خُلَّص أصحابه -رضي الله عنهم-! وكم من
الصحابة بقي في المدينة ومات بها!! فهذا مثال لأبناء العباس بن عبد المطلب العشرة
-رضي الله عنه وعنهم-؛ تفرَّقوا في أرض الله، فمات أحدهم في الشام، وآخر في الطائف،
وثالث في سمرقند، وثلاثة في إفريقيا، ولم يَشُدَّهُم الطين والتراب إلى الأرض.
وأُمّة الإسلام إن لم تفعل.. تَرَهَّلَتْ، وكثرت مطالب الرفاهية فيها، وانشغل الناس
بها، وضاعت المصالح العليا. فمعظم الشعارات الإعلامية البرّاقة اليوم تحوم حول
الرفاه والتنعُّم، وهي أمور مطلوبة للنفوس، ومُبَاحة بِقَدْرٍ، لكنّها عند غير
المسلم مطلوبة لذاتها، وعند المسلم مطلوبة لغيرها، لتكون خادمةً للهدف الأسمى؛ وهو
الوصول للنعيم الحقيقي الأخروي الكامل الدائم. فما لم يكن كذلك فهو عائق تجب إماطته
عن الطريق.
ولسوف نُسأل عن تقاعُسنا؛ ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 44].