كيف أسهمت حروب أمريكا وتدخلاتها منذ سبتمبر في استنزاف قوتها وتوسيع نفوذ خصومها، وهل تشهد المنطقة اليوم نهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية وبداية ترتيبات جديدة تفرض على دولها مراجعة رهاناتها وتحالفاتها على أسس مختلفة في السنوات المقبلة؟
الحمد لله قاصم الجبارين، وناصر المستضعفين؛ الذي أمره بين الكاف والنون، فما بين
الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى الحادي عشر من سبتمبر 2026 ربع قرن من السنوات حصلت
فيها أحداث جسام قلبت المعادلات في مشاهد متتالية مستمرة؛ لا بد لفهمها من تأمّل
عميق سيأخذك حتمًا إلى العيش في أجواء القصص القرآني، خاصةً القصص المبسوطة، والتي
تكرَّر ذِكْرها مثل قصة موسى ويوسف -عليهما السلام-.
وهناك تكتشف أن الصورة لا تكتمل إلا بجمع الأطراف، والوقوف عند كل التفاصيل؛
فالأحداث الصغيرة تُماثل الكبيرة في ضرورتها لتحقّق النهاية؛ ففي قصة يوسف نجد أن
الرؤيا تُلخِّص المشهد النهائي، ولكنّ الغَيْرة كانت البداية، والخطوة الثانية كانت
بين خيارين؛ القتل أو طرحه في البئر.
والمشهد الثاني مَن عثر عليه كان يمكن أن يُحِبّه ويتبنّاه، ولكنّهم نظروا إليه
كبضاعة، وباعوه بمصر بثمن بخس، وكان يمكن أن يُباع ببلد آخر، ومَن اشتراه بمصر كان
عزيز مصر ومحرومًا من الولد؛ فتمسَّك به وربَّاه، وأحسن إليه.
وكان الابتلاء بهيام المرأة، وسجنه، ولقاء الفتيان، وتفسير منامهما؛ فلْنتخيل
أنهما لم يَريا حُلمًا، فكيف يُعرَف أن يوسف لديه عِلْم بتأويل الرؤى، وكيف يُرجَع
إليه لتأويل رؤيا الملك؟ ولذلك فمسار الأحداث يُبيِّن أن الله شاء أن يكون الوصول
للتمكين عبر طريق طويل يمتدّ لعشرات السنوات من الابتلاء بالخير والشر؛ كما قال
تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وكما كانت أحداث قصة يوسف بدأت برؤيا ليوسف؛ فإن قصة موسى بدأت برؤيا فرعون التي
فُسِّرت له أن هلاكه سيكون على يد فتًى من بني إسرائيل، وكان القرار الإجرامي
للطاغية الخائف بقتل الأطفال، وكانت إرادة الله أن يتربَّى بحضنه؛ قال تعالى:
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ
فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8].
وكما كانت مسيرة عشرات السنين كذلك كانت مسيرة موسى مواقف وأحداث تفصل بينها
سنوات؛ فمنها ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]. و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، و
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣].
وكانت النهاية المحتومة هلاك فرعون وجيشه، وخروج بني إسرائيل من مصر؛
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ
وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ
المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
والجامع من هذه القصص: أن الله يبتلي ويمتحن، ولكنّ حُكمه النافذ وقَدَره الذي لا
يتغيّر هو أن الغلبة في النهاية محسومة؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]؛
وهو نَصْر مُتحقّق ماديًّا ومعنويًّا، عاجلًا في الدنيا أو آجلًا في الآخرة؛ كما
قال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ
قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ
رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ
اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 44]؛ واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة
الله، وهذه اللعنة تُلاحِق الظلمة في الدنيا والآخرة.
ولذا لا يمكن فَهْم الأحداث ومآلاتها إلا بتتبُّع ممتدّ زمنيًّا ومكانيًّا، ولنأخذ
أمريكا مثالًا؛ فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991م؛ تربَّعت أمريكا على عرش
العالم كقوة عظمى وحيدة. وللحفاظ على حيويتها كان لا بد لها من عدوّ حقيقي أو
موهوم، وبدأت حرب منطقة البحيرات العظمى في إفريقيا، والتي شملت راوندا وبورندي
والكونغو، والنتيجة تمدُّد النفوذ الأنجلوساكسوني على حساب الفرنسي، ولكن الأخطر هو
اشتعال حرب الخليج الثانية التي تضمَّنت دخول القوات العراقية للكويت بإغراء
أمريكي، وبعدها تم ضرب القوات العراقية، وحصار العراق، وانتشار القوات الأمريكية في
المنطقة.
وهنا تم الترويج للعدو الوهمي، وهو الإسلام؛ تحت شعار «صراع الحضارات»، وكانت
أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرصة استغلتها أمريكا والغرب في محاربة شرسة للحضارة
الأخرى التي كانت تتلمس طريقها لمحاولة النهوض، وتحت شعار «محاربة الإرهاب»، و«مَن
ليس معنا فهو ضدنا»؛ تم الإجهاز على العراق بمشاركة مباشرة من إيران، وكذلك تم غزو
أفغانستان لوَأْد تجربة طالبان.
وكانت أمريكا -في سَكْرة القوة والسيطرة-؛ ترى أن احتلال العراق وأفغانستان بقوات
أمريكية ضروري لإبقاء بل وتنشيط الجاهزية القتالية للقوات الأمريكية؛ فهي مناطق
تدريب ميدانية للقوات، وميادين لتجربة وتطوير الأسلحة الجديدة.
ولمن يريد أن يعرف الإجرام الذي مُورِسَ في العراق؛ فلْيَرجع إلى فضيحة سجن «أبو
غريب».
وأما أفغانستان، فمن مظاهر الإجرام أن القوات الخاصة الأسترالية قامت بقتل المدنيين
بقصد التدريب، أو لنَقُل متعة القتل! وهنا نسأل إذا كانت القوات الأسترالية اعترفت
بقتل عشرات المدنيين، فكم قتلت أمريكا من الأبرياء بقصد التدريب أو تطوير الأسلحة؟!
وما يهمنا هنا أن أمريكا مكثت في العراق وأفغانستان لمكاسب مرجوة وعلاج مشكلة فقدان
العدو، والذي حصل أن عشرات السنوات من الصراع أدَّى لاستنزاف القوات الأمريكية
ماديًّا ومعنويًّا؛ فلم تَعُد الخدمة في العراق وأفغانستان سببًا للفخر، بل إن
الجرائم التي ارتكبوها لاحَقَتْهم أمراضًا وكوابيس.
ولكنّ الأهم أن التورّط في العراق وأفغانستان أدَّى لتمكين حليفتها المؤقتة «إيران»
من التمدُّد، والفخر بالسيطرة على أربع عواصم عربية، وكذلك فإن احتلال أفغانستان
المجاورة للصين أدَّى للتغافل الأمريكي عن تمدُّد الصين العالمي، وعدم استفزاز
الصين للحفاظ على أمن قواتها في أفغانستان.
ولكن بعد عقود من الزمن بدأت أمريكا تُواجه نتيجة الفشل في إدارة مناطق احتلالها،
وخرجت من أفغانستان تَجُرّ أذيال الخيبة بعودة طالبان، والأنكى أن الصين وروسيا
كذلك تقرّبتا من طالبان.
وأما العراق فالنفوذ الأمريكي فيه في مهبّ الريح بعد دخول أمريكا في حرب مع إيران
يكاد يُجمِع المحلّلون أنها حرب أمريكية لحساب «إسرائيل»، وهي الحرب التي خلطت
أوراقًا كثيرة؛ فقد أوقفت التخادم الأمريكي الإيراني، وكان المأزق الأمريكي
حقيقيًّا، حتى إنه أدّى إلى انفصال أمريكي مُؤقّت عن المسار «الإسرائيلي» في
المنطقة.
ولذا فالصراع مع إيران -التي تحظى بدعمٍ واضح وعلني من الصين وروسيا- صراع يُهدّد
السيطرة الأمريكية التي كانت مُطلَقة، وفشل القوات الأمريكية في تحقيق أهدافها
المعلنة، بل وانكشاف عجزها عن حماية قواعدها بالمنطقة؛ وهو بالضرورة رسالة لكل
الأنظمة التي بَنَت سياساتها على المظلة الأمريكية.
ومن هنا نفهم أن خريطة الصراع والمناطق المُلتهبة في المنطقة؛ يجب أن تتغير؛
فالأكراد -الذين صُدِمُوا بتقلُّص الوجود الأمريكي، وتخلّي أمريكا عن رعاية مشروع
كردستان الكبرى-، مضطرون للتفاهم مع تركيا. وكذلك نرى أن دولة الأقليات في الشام قد
سقطت نهائيًّا، ولم يَعُد مشروع الدروز في السويداء قابلًا للحياة؛ فـ«إسرائيل»
غارقة في أوحال ما بعد الطوفان، وهي حاليًّا تستميت للحفاظ على تحالفها مع اليونان
التي تتعرض للضغط والتهديد مِن قِبَل تركيا لفكّ ارتباطها مع «إسرائيل»، وهو ما رشح
من زيارة إبراهيم قولن رئيس الاستخبارات التركي لأثينا.
وأما الحليف الآخر وهو «مودي» رئيس وزراء الهند، فيحاول التراجع عن ارتباطه
بنتنياهو، الذي يبدو أن أيامه باتت معدودة؛ فالغرب لم يَعُد يطيق مناوراته
ومغامراته قصيرة النظر، ومن هنا نفهم التسريبات المقصودة أن رئيس الإمارات حذَّر
نتنياهو شخصيًّا بمكالمة مطولة من أن حماس تُعِدّ لهجوم وشيك، وهو ما يعني أن رئيس
الإمارات يريد أن يَصطفّ مع الزعامة المقبلة بالمساهمة بإسقاط نتنياهو!
وإذا كان ملف إسقاط نتنياهو قد وُضِعَ على الطاولة؛ فمثله ملف ترامب الذي يترنّح،
وما أكثر الذين سيتقربون للزعامة الجديدة في أمريكا بالمساهمة في إسقاط البرتقالي
الذي لم يَعُد قادرًا على نفع الحلفاء ولا مضرة الأعداء الذين يُحْكِمُون السيطرة
على المضايق في المنطقة التي دخلت في مرحلة جديدة، وهو «حلّوا مشاكلكم بعيدًا عن
أمريكا وإسرائيل»؛ فالعاجز عن فتح مضيق هرمز سيكون أعجز عن باب المندب، ومَن يراهن
على حلّ عسكري سريع في أيّ مكان في المنطقة فهو واهِم؛ فليبيا لم تتمكّن الإمارات
من تثبيت حفتر، وكذلك فإن الدعم السريع و«قحت» في السودان يعيشون أزمة البقاء؛ فأيّ
صراع يُغذّيه داعمان جادّان لا يمكن حَسْمه عسكريًّا، والطرف الخاسر هو الذي يدخل
بصورة مباشرة، فأمريكا فشلت في فيتنام، والاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وأمريكا
في أفغانستان؛ فأمريكا نجحت في إخراج الاتحاد السوفييتي، ولكنها أُخْرِجَت أيضًا؛
فمن يُدْخِل نفسه مباشرة في الميدان يتأذى أكثر ويخسر.
وعليه، نقول: إنه قد حان الوقت لوقف كل مشاريع التقسيم والتفتيت في المنطقة، وندعو
إلى حوار داخلي بنّاء بدعمٍ من وسطاء دوليين مقبولين وحريصين على مستقبل البلدان،
بعيدًا عن الدول الاستعمارية أو هياكلها العالمية، وهذه فرصة حقيقية؛ فهَوس أمريكا
بالحروب لتنشيط الذات وإحكام السيطرة تحوَّل من علاج إلى سُمّ قاتل يتسلل ببُطْء
وثبات.
وستمرّ أمريكا في مرحلة انعزالية، وإكْفَاء على الداخل، وهو مطلب أقصى اليمين وأقصى
اليسار، وهو يتمدّد شعبيًّا؛ فالحكيم هو الذي يرتب أوضاعه على أساس أمريكا المكتئبة
المنعزلة، وأوروبا العجوز المريضة الخائفة من الروس، و«إسرائيل» المكروهة المُحاطة
بأعداء أقوياء، والتي تمرّ بمرحلة صراع داخلي عنيف.
نسأل الله أن يُبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يُعزّ فيه أهل طاعته ويُذلّ فيه أهل
معصيته.