• - الموافق2026/07/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الحروب «الإسرائيلية»  وتآكُل زخم الاتفاقيات «الإبراهيمية»

إلى أين تتجه خريطة الشرق الأوسط بعد الحروب الأخيرة، وهل تقود التحولات الإقليمية إلى تراجع اتفاقيات أبراهام وصعود توازنات جديدة تعيد رسم النفوذ السياسي والأمني وتحدد مستقبل المنطقة بأكملها؟


بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين إدارة الرئيس الجمهوري «ترمب» والجانب الإيراني، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الهدوء الحذر الذي يختلف كليًّا عن تلك المرحلة التي سبقت حرب الإبادة الجماعية في غزة، وما أعقبها من عدوان على لبنان، وخروج إيراني من سوريا، وصولًا إلى الحرب على إيران. وبعد أكثر من عامين ونصف من سلسلة الحروب المتواصلة على جبهات مختلفة يكون الكيان الصهيوني -الذي كان مُرشَّحًا ليكون الحليف الإقليمي الأقوى بالنسبة للعديد من الدول العربية، لا سيما دولة الإمارات العربية والبحرين، وغيرها من الدول العربية الأخرى التي كانت تتهيَّأ للتوقيع على اتفاقيات «أبراهام»-؛ قد بات المصدر الأكبر للتهديد في المنطقة؛ لأنّ الهدف الأساس والمعلَن من الاتفاقيات «الإبراهيمية» هو توفير مظلة أمنية إقليمية عوضًا عن ذلك التراجع الأمني الأمريكي، من أجل مواجهة التهديد الإيراني، خصوصًا وأن الخطاب السياسي الصهيوني ظل مُركّزًا على أهمية مواجهة إيران التي تُهدِّد الجميع في المنطقة وليس «إسرائيل» وَحدها.

لم يكتفِ سلوك اليمين الصهيوني المتطرّف بالإبادة الجماعية في غزة، والتوسُّع غير المسبوق في الضفة الغربية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك باستهداف العاصمة القطرية الدوحة في 9 سبتمبر 2025، وعمل جاهدًا على دَفْع إدارة «ترمب» إلى الدخول في حرب إقليمية مع إيران، وهنا لم يُعرِّض الكيان الصهيوني الدول العربية ودول الخليج على وَجْه الخصوص إلى خطر الحرب وتداعياتها الكارثية، بل كشف عن استعداده إلى جانب الإدارة الأمريكية للتضحية بالجميع، بما فيهم أقرب الحلفاء المُفتَرَضين؛ فدولة الإمارات العربية -الحليف الأهم لـ«إسرائيل» في الشرق الأوسط-، كانت الأكثر تعرُّضًا للخسائر الأمنية والاقتصادية، إضافةً إلى هروب الأموال، وما يُصاحِب ذلك من تضرُّر قطاعات مختلفة في معظم الدول الخليجية، وأهمّها القطاع النفطي بسبب إغلاق مضيق هرمز.

بالمُوازاة مع تلك الأحداث الخَطِرة والمُهمَّة التي تشهدها المنطقة العربية عمومًا؛ تَركَّز الخطاب السياسي الصهيوني على توسيع مساحة الكيان على حساب المحيط العربي، وليس الفلسطيني فقط، فنتنياهو -رئيس حكومة اليمين الأكثر تطرفًا في تاريخ دولة الاحتلال-، قالها صراحةً في أغسطس 2025، مؤكدًا بأنه يَعتبر نفسه في مهمة تاريخية روحانية ترتبط بأجيال اليهود عبر العصور، مؤكدًا لصحيفة زمان العبرية، أنه يشعر بالارتباط الشديد برؤية «إسرائيل الكبرى» التي تتجاوز مساحة فلسطين التاريخية لتشمل مناطق مختلفة من الأراضي العربية.

مقابل ذلك الضرر الكبير الذي تعرَّضت له السردية الصهيونية بسبب الإبادة الجماعية في غزة، وتوريط الجميع في حروب هم في غِنَى عنها؛ بات الجميع في الشرق الأوسط والعالم على قناعة تامة بأن الكيان الصهيوني مصدر تهديد للجميع، حتى أكثر الداعمين للكيان الصهيوني في أوروبا ومناطق مختلفة من العالم اتخذوا مواقف تاريخية وغير مسبوقة مضادّة للكيان؛ فأوقفت العديد من الدول الغربية تعاونها العسكري معه، ولم تتوقَّف العنصرية والتطرف الصهيوني عند ضرب سرديتها التاريخية في مقتل، بل وضعت الإدارة الأمريكية في مأزق تاريخي حينما فشلت إدارة الجمهوري «ترمب» في إقناع الحلفاء، ولا سيما دول حلف الناتو، بالمشاركة في الحرب على إيران، وهذا ما يمكن اعتباره تحوُّلًا تاريخيًّا ومرحلة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية؛ لأن أكبر قوة عالمية وقفت عاجزة عن إقناع الحلفاء بدخول حرب إقليمية على إيران، وهو ما عزَّز من تلك الصورة السيئة للكيان الصهيوني، ليس فقط على مستوى الشرق الأوسط، بل على المستوى العالمي؛ لأن الحرب الخاسرة على إيران كان لها تداعياتها الخَطِرة على الاقتصاد العالمي، وهذا ما كان له تأثير بما لا يدع مجالًا للشك على مواقف دول الإقليم أولًا، والعالم عمومًا.

بسبب هذه الأحداث المُهمَّة والمفصلية والمستمرة حتى وقتنا هذا؛ واجهت الاتفاقيات «الإبراهيمية» جمودًا مُبرَّرًا؛ فلا أحد في العالم العربي يستطيع التواصل أو المشاركة في لقاءات ومؤتمرات تجمع قيادات سياسية صهيونية، حتى اللقاءات الأمنية التي بدأت بلقاء العقبة الأمني عام 2016، مرورًا بلقاءات مُنظَّمة ومُشابهة كورشة البحرين 2019، وبعض اللقاءات الأمنية التي أعقبت ذلك، وصولًا إلى لقاء البحرين الأمني في يونيو 2024، لم تَعُد ذات أهمية أو أولوية بالنسبة لغالبية الحكومات العربية المعنية بالتنسيق الأمني مع «إسرائيل»؛ لأن تهديد هذه الأخيرة بات من الصعب مقارنته بالتهديد الإيراني، وهذا ما يتَّضح بشدة في ربط الرئيس الجمهوري «ترمب» في 31 مايو 2026 وقف الحرب على إيران بتطبيع العديد من الدول العربية والإسلامية مع «إسرائيل».

وهنا لم يَعُد التهديد الإيراني سببًا أساسيًّا للاتفاقيات «الإبراهيمية»؛ لأن هذا الطلب الأمريكي يمكن اعتباره تهديدًا للعالم العربي والإسلامي بالحرب الإقليمية الشاملة إذا ما رفضت تطبيعها مع «إسرائيل»؛ لأن استمرار الحرب على إيران لا يقود إلا إلى سيناريو الحرب الشاملة.

كما يؤكد هذا الطلب الأمريكي على مستوى اليأس الذي وصلت إليه الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني؛ إذ لم يَعُد كلٌّ من «ترمب» ونتنياهو قادرين على إقناع ناخبيهم بتحقيق أيّ انتصارات خارجية حقيقية، في الوقت ذاته فقدوا القدرة على إقناع الجميع برؤيتهم الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط؛ لأن هذا التغوُّل الصهيوني بات يُشكّل التهديد الأكبر للجميع بما فيهم حلفاء الكيان، وهو ما فتَح المجال أمام ذلك التقارب الإقليمي بين أنقرة وإسلام أباد والرياض والقاهرة؛ إذ يمكن اعتبار هذا التحوُّل بمثابة مرحلة جديدة من التحالفات الإقليمية في مواجهة تلك التهديدات القادمة من الكيان الصهيوني، خصوصًا وأن التقارب التركي الباكستاني السعودي بات يُشكِّل نواة مُهمَّة لتحالُف أمني إقليمي في مواجهة المشروع الصهيوني الساعي إلى توسيع الأمن الإقليمي؛ من خلال ربط المشرق العربي بالخليج، وهو مشروع أمني إقليمي يسعى إلى عزل إيران وتركيا عن المحيط العربي والإسلامي.

في الوقت ذاته؛ فإن إصرار الكيان الصهيوني على تهجير سكان قطاع غزة عَبْر إفشال كل الحلول السياسية، وهو ما يتشابه مع الحالة اللبنانية، يُبقِي على سيناريو الحرب الشاملة؛ لأن خطة العبور «الإسرائيلية» في غزة هدفها التخلُّص من كافة سكان القطاع عَبْر إجبارهم على الهجرة إلى مصر، وهو ما يضع الأخيرة في مواجهة مع الكيان الصهيوني، في الوقت ذاته فإن الاحتلال الصهيوني للأراضي اللبنانية يُبقِي على فرص الحرب مع حزب الله؛ لأن توسيع المواجهة بين الجانبين مرتبط بالاتفاق الهشّ بين الإدارة الأمريكية وطهران؛ فتوسيع الهجمات الصهيونية المحتمل في لبنان يُبقِي على فرص النزوح إلى الأراضي السورية، وهو ما يُشكِّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي، وهذا ما سعت إليه «إسرائيل» والإدارة الأمريكية بشكلٍ صريح في إيران، عَبْر السعي إلى الإطاحة بالنظام الإيراني، وخلق حالة فوضى أمنية تُهدّد الجميع، فضلًا عن محاولات الاعتماد على أكراد العراق، وهو ما يُعزّز حالة الفوضى الأمنية التي تخدم التطلعات الصهيونية التي تستهدف أنقرة، خاصةً بعد وصول العلاقات بين أنقرة وتل أبيب إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر بعد الإبادة الجماعية في غزة، ومواقف أنقرة المناهضة لتوسيع الحرب في الشرق الأوسط.

وحتى لو نجحت الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني في تحييد إيران؛ فإن تداعيات هذا التحييد وتأثيرها على التوازنات في الإقليم ستُعزّز من موقف الكيان الصهيوني وعلاقاته مع العالم العربي، خاصةً بعد دخول القضية الفلسطينية في مرحلتها الأخيرة، ولم يَعُد هناك حديث عن مشروع دولة فلسطينية أو أيّ حلّ سياسي ممكنًا؛ لأن المشروع السياسي للحكومة الصهيونية يتَّجه مسرعًا نحو حَسْم الصراع مع الشعب الفلسطيني، وهذا ما يُعقّد الموقف ويُضاعِف من صعوبة موقف الدول العربية التي أبْدَت مرونة في إمكانية التطبيع مع الكيان الصهيوني مقابل الوصول إلى حلول على مستوى القضية الفلسطينية.

وعليه، يبدو أن العودة للهدوء الدائم في الشرق الأوسط أمر بعيد المنال؛ لأن التطلُّعات الصهيونية نحو «إسرائيل الكبرى» انتقلت من المعتقدات الأيديولوجية إلى ألسنة القيادة السياسية الصهيونية التي صرَّحت مرارًا بالعمل على تحقيق دولة «إسرائيل الكبرى» على حساب محيطها العربي.

لهذا فإن سلوك الكيان الصهيوني يؤكد دائمًا على أن «إسرائيل» لا تستطع العيش بلا حروب، فإذا ما انتهى التهديد الإيراني، فإن العدو الجديد لـ«إسرائيل» يجري تجهيزه «إسرائيليًّا»؛ فقد علَّق نتنياهو في يناير 2026 على موقف المملكة العربية السعودية من التطبيع مع الكيان بالقول: «على مَن يريد التطبيع ألَّا ينضمّ لجهات تسلب «إسرائيل» شرعيتها»؛ حيث تُعبِّر القيادة السياسية الصهيونية عن قلقها الشديد من التقارب السعودي التركي، وتَعتبر هذا التقارب تهديدًا لمصالح «إسرائيل»؛ لأن تركيا باتت تُمثّل المنافس الإقليمي الأهم بالنسبة للكيان الصهيوني؛ حيث يظهر ذلك جليًّا في تقديرات معهد الأمن القومي الصهيوني بين 2023 -2026 التي نقلت تركيا من صديق صَعْب يمكن احتواؤه إلى مُنافِس قوي بات يُهدّد المصالح الصهيونية، وقد رهنت هذه التقديرات أيّ تطور إيجابي في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب بالمسار الفلسطيني.

وهذا يُعيدنا إلى فَرْضية مُهمَّة تقوم على أن الحرب على غزة لم تُنْهِ مسار التطبيع «الإسرائيلي» العربي، لكنّها أعادت تعريف البيئة السياسية التي جعلت هذا المسار ممكنًا بعد توقيع الاتفاقيات «الإبراهيمية» 2020؛ لأن الكيان الصهيوني ركَّز على بناء الشراكات الأمنية والاقتصادية مع العديد من الدول العربية بناءً على التهديدات الأمنية القادمة من إيران وحلفائها؛ باعتبارها تهديدات مُوجَّهة للجميع، ويمكن مواجهتها برؤية أمنية مشتركة لحماية المصالح المختلفة. وهذا ما يساعد على دَمْج الكيان في الشرق الأوسط، حتى في ظل غياب القضية الفلسطينية، غير أن سلسلة الحروب المتواصلة وانتقالها إلى ساحات إقليمية متعددة؛ كشفت حدود هذه الفرضية، وأظهرت أن الاستقرار الإقليمي لا يزال مرتبطًا، بصورة مباشرة، بمسار الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، خاصةً وأن تطورات الحروب الأخيرة كشفت عن مستوى القدرات العسكرية والأمنية والتكنولوجية «الإسرائيلية»، لكنّها في الوقت ذاته كشفت عن أن قدرة الكيان الصهيوني على تحويل هذا التفوق إلى نفوذ سياسي وشرعية إقليمية مسألة ليست سهلة، فبإمكان الكيان إنشاء علاقات ثنائية مع العديد من الدول العربية، لكنّ المعضلة تكمن في قدرتها على توسيع هذه العلاقات وتحويلها إلى إطار إقليمي مستدام، وهذا ما تسعى تركيا والعديد من الدول العربية إلى إنجازه باعتباره إطارًا إقليميًّا بديلًا عن مركب الأمن الإقليمي الذي حاول الكيان الصهيوني تحقيقية من خلال الاتفاقيات «الإبراهيمية».

لهذا يبدو من الصعب تصوُّر عدم استمرارية العلاقات العربية «الإسرائيلية» التي نشأت في مرحلة تاريخية سابقة، لكنّ مسألة إعادة إنتاج الزخم الذي رافق الاتفاقيات «الإبراهيمية» تبقَى محلّ شكّ؛ لأنها تحتاج إلى ظروف وشروط سياسية سعى الكيان خلال السنوات القليلة الماضية إلى استبعادها، وهذا ما دفَع قوى إقليمية أخرى نحو محاولة بناء معادلة توازن إقليمية جديدة تتجاوز تلك المساعي الأمريكية التي تركَّزت على دَمْج «إسرائيل» في الشرق الأوسط، وهذا ما يُعرقل مسار الاتفاقيات «الإبراهيمية»؛ لأن الجميع في الشرق الأوسط بات يُدْرك خطأ الرؤية الأمنية الجامدة التي قامت عليها الاتفاقيات «الإبراهيمية»، وهذا ما تُؤكّده تلك التحركات الإقليمية المرفوضة «إسرائيليًّا».

 

 

أعلى