كيف تحولت إسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر من قوة عسكرية تستعيد الردع بالنار إلى دولة تتراجع سياسياً ودبلوماسياً، رغم تفوقها العملياتي، وما الذي كشفه الاتفاق الأمريكي الإيراني عن حدود نفوذها الإقليمي؟
تمهيد
لم يكن السابع من أكتوبر 2023 هجومًا أمنيًّا كبيرًا على
«إسرائيل»
فحسب، بل شكَّل نقطة انعطاف في صورتها: أمام نفسها، وصورتها لدى خصومها، ومكانتها
لدى حلفائها. فمنذ تلك اللحظة دخلت
«إسرائيل»
في مسار متناقض: تعافٍ عسكري متدرِّج يقابله تآكُل سياسي ودبلوماسي متزايد. ومِن
ثَم فإن
«الخط
البياني»
لحضور
«إسرائيل»
وقوتها وتأثيرها لا يصعد أو يهبط في اتجاه واحد؛ وإنما يتفرّع إلى خطوط متعددة: خط
للقدرة العملياتية، وآخر للردع، وثالث للشرعية الدولية، ورابع للنفوذ الإقليمي،
وخامس للعلاقة مع الولايات المتحدة.
تقوم فرضية هذا المقال على أن
«إسرائيل»
لم تتحوَّل بعد 7 أكتوبر إلى دولة ضعيفة عسكريًّا؛ فقد استعادت جزءًا كبيرًا من
قدرتها الخشنة عبر حرب طويلة في غزة، وضربات ضد حزب الله وإيران، وتوسيع نطاق
المواجهة. لكنّ هذه القدرة لم تتحوَّل إلى نفوذ سياسي مستقر؛ إذ رافقها تدهور في
الشرعية الدولية، وتعطُّل مسارات التطبيع، واتساع الفجوة بين الفعل العسكري لـ«إسرائيل»
وبين حسابات واشنطن، وهو ما بلغ محطة واضحة مع الاتفاق الأمريكي-الإيراني المُؤقَّت
في يونيو 2026.
أولًا: قبيل 7 أكتوبر: صعود ظاهري وثقة مفرطة
قبيل 7 أكتوبر كانت
«إسرائيل»
تعيش لحظة ثقة إستراتيجية. فمسار التطبيع العربي -ولا سيما الحديث عن احتمال
التطبيع مع دول وازنة في الإقليم-؛ منَح تل أبيب شعورًا بأن القضية الفلسطينية يمكن
تجاوزها أو إدارتها دون حلّ.
وتشير دراسات
«إسرائيلية»
صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي (INSS)
إلى أن التفكير
«الإسرائيلي»
قبل الهجوم كان مشبّعًا بفرضية أن حماس
«مردوعة»،
وأن
«إسرائيل»
تستطيع المضي في الاندماج الإقليمي مع تجاهل نِسْبي للملف الفلسطيني. وقد عدّ (INSS)
لاحقًا أن الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر كشفت فشلًا عميقًا في مهمة المؤسسة الأمنية
الأساسية: حماية المواطنين، وأوجبت إعادة نظر في عقيدة الأمن القومي
«الإسرائيلية».
في هذه المرحلة كان منحنى الحضور
«الإسرائيلي»
مرتفعًا إقليميًّا، بفعل الاتفاقات الإبراهيمية، وتقدّم العلاقة مع واشنطن وقوة
الاقتصاد والتفوق العسكري. لكنّه كان ارتفاعًا هشًّا؛ لأنه قام على افتراض أن
الفلسطينيين، وحماس خصوصًا، يمكن احتواؤهم أمنيًّا، وأن محور إيران يمكن رَدْعه دون
مواجهة كبرى.
ثانيًا: 7 أكتوبر: انهيار الردع وصدمة الدولة
مَثَّل 7 أكتوبر هبوطًا حادًّا في منحنى الردع
«الإسرائيلي»؛
فالحدث لم يكن مجرد اختراق حدودي؛ بل كان ضربة لفكرة الجيش الذي لا يُفاجَأ،
والاستخبارات التي تعرف، والجبهة الداخلية المحمية. دراسة أمير لوبوفيتشي في (INSS)
عن
«الردع
الإسرائيلي وهجوم 7 أكتوبر».
تُعدّ من أهم الدراسات
«الإسرائيلية»
في هذا الباب؛ إذ تناقش كيف فشلت فرضية الردع تجاه حماس، وكيف بالغت
«إسرائيل»
في تقدير أثر القوة السابقة على سلوك الخصم.
هنا تراجَع الحضور
«الإسرائيلي»
معنويًّا ونفسيًّا، لا عسكريًّا فقط. فقد بدت الدولة التي تُسوِّق نفسها باعتبارها
مركز القوة والتكنولوجيا والأمن في الشرق الأوسط عاجزة عن حماية حدودها
ومستوطناتها. وهذا الانهيار أصاب ثلاثة مستويات: الردع تجاه حماس، والثقة الداخلية
بالمؤسسة الأمنية، والصورة الإقليمية لـ«إسرائيل»
كقوة لا تُمسّ.
لكنّ هذا الهبوط لم يَعْنِ نهاية القوة
«الإسرائيلية».
ولكن فتح الباب أمام طَوْر جديد:
«محاولة
استعادة الردع عبر استخدام مفرط وممتد للقوة».
ثالثًا: حرب غزة: استعادة القوة الخشنة وتآكُل الشرعية
مع الحرب على غزة بدأ منحنى القدرة العملياتية
«الإسرائيلية»
في الصعود مجددًا. فقد استدعت
«إسرائيل»
جيش الاحتياط، وخاضت حربًا طويلة، واستطاعت إلحاق أضرار كبيرة ببنية حماس العسكرية
والمدنية. غير أن هذا الصعود العسكري تزامَن مع هبوط متسارع في رصيدها الأخلاقي
والدبلوماسي، خاصةً مع حجم الخسائر البشرية والدمار في غزة.
وهنا يظهر التناقض المركزي: كلما وسَّعت
«إسرائيل»
عملياتها العسكرية، حاولت ترميم رَدْعها؛ لكنها في الوقت نفسه استنزفت شرعيتها.
يُقِر (INSS)في
دراسة عن
«حروب
إسرائيل بعد 7 أكتوبر والنظام الدولي»
بأن الغرب وقف عمومًا إلى جانب
«إسرائيل»
عقب الهجوم، لكنّه يلاحظ أن النقد الغربي لها تزايد بمرور الوقت بسبب القضايا
الإنسانية والسياسية المتصلة بالحرب.
وتؤكد بيانات الرأي العام العربي هذا التحوُّل. فقد أظهر
«الباروميتر
العربي»
أن حرب غزة والتصعيد الإقليمي أعادا تشكيل نظرة قطاعات واسعة من الجمهور العربي إلى
«إسرائيل»
والولايات المتحدة والغرب، وأن كثيرين باتوا يرون الاحتلال
«الإسرائيلي»
وسياسات
«إسرائيل»
في غزة تهديدًا أكثر إلحاحًا من إيران.
إذًا، في هذه المرحلة ارتفع منحنى
«القوة
العسكرية»،
لكنّه هبط في
«الشرعية
السياسية».
وهذا ما يجعل قراءة القوة
«الإسرائيلية»
بعد 7 أكتوبر مُركَّبة:
«إسرائيل»
أقوى ناريًّا، لكنها أضعف قبولًا وتأثيرًا.
رابعًا: توسُّع الجبهات: من الردع إلى الضربات الوقائية
مع امتداد الصراع إلى لبنان وسوريا واليمن ثم إيران، انتقلت
«إسرائيل»
من عقيدة الردع التقليدي إلى منطق الضربات الوقائية والاستباقية. لم تعد المسألة
فقط منع هجوم مباشر، بل تدمير قدرات الخصوم قبل اكتمالها. وتشير مؤسسة راند (RAND)[1]
في تحليلها للصراع
«الإسرائيلي»-الإيراني
إلى أن عالم ما بعد 7 أكتوبر دفَع
«إسرائيل»
إلى النظر إلى التهديد الإيراني، وخاصةً النووي، بوصفه خطرًا وجوديًّا لا يمكن
انتظار اكتماله، وأن إضعاف حزب الله وشبكات إيران خلق لدى
«إسرائيل»
إحساسًا بأن اللحظة مُواتية لضربة وقائية.
كما يصف المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية البريطاني (IISS)
في تقريره السنوي: حصر النزاعات المسلحة 2025 (Armed
Conflict
Survey
2025) كيف تحوَّلت حرب
«إسرائيل»
وحماس إلى تصعيد إقليمي واسع بلغ ذروته في حرب جوية ضد إيران استمرت 12 يومًا. في
هذا الطور صعد منحنى القوة العسكرية
«الإسرائيلية»
بوضوح. فقد وجَّهت
«إسرائيل»
ضربات مؤلمة لمحور إيران، وألحقت أضرارًا بحماس وحزب الله، وفتحت مواجهة مباشرة مع
طهران. وذكر المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham
House)[2]
أن
«محور
المقاومة»
تعرَّض لانتكاسات مهمة في 2024، وإن كان ذلك لا يعني نهايته، بل تحوّله وإعادة
تشكّله.
غير أن هذا الصعود العسكري أنتج مفارقة جديدة:
«إسرائيل»
استطاعت إضعاف خصومها، لكنها لم تستطع فرض تسوية إقليمية وفق شروطها. فقد بقيت غزة
مأزقًا سياسيًّا، وبقي حزب الله جزءًا من المعادلة اللبنانية، وبقيت إيران طرفًا لا
يمكن تجاوزه في أيّ ترتيبات إقليمية.
خامسًا: العزلة الدبلوماسية: حين لا تكفي القوة
في موازاة التصعيد العسكري، كان منحنى العزلة الدولية يتصاعد. فقد رَصَد معهد
واشنطن في دراسة عن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بين 2017 و2025 تراجعًا في
شبكة الدعم الدبلوماسي لدولة العدو، حتى بين بعض الدول الغربية أو القريبة من
الغرب. وخلصت الدراسة إلى أن أنماط التصويت تكشف عزلة
«إسرائيلية»
أعمق، وأن بعض المدافعين التقليديين عنها تراجعوا أو ابتعدوا.
هذا المؤشر مُهِمّ؛ لأنه يقيس القوة لا من خلال عدد الطائرات والدبابات، بل من خلال
عدد الدول المستعدَّة لتحمُّل التكلفة السياسية للدفاع عن
«إسرائيل».
وبعد 7 أكتوبر، ولا سيما بعد اتساع الحرب في غزة، أصبحت هذه التكلفة أكبر.
كما أن مسار التطبيع، الذي كان قبل 7 أكتوبر أحد أهم علامات الصعود للعدو، تعرَّض
لتجميد أو إعادة ضبط. فلم تَعُد
«إسرائيل»
قادرة على تسويق نفسها بوصفها بوابة استقرار إقليمي؛ لأن صورتها ارتبطت بحرب طويلة
ومفتوحة، وبمخاطر إقليمية عابرة للحدود.
سادسًا: الاتفاق الأمريكي-الإيراني: ذروة التناقض
«الإسرائيلي»
يمثل الاتفاق الأمريكي-الإيراني المؤقت في يونيو 2026 محطة كاشفة في هذا الخط
البياني. فبحسب رويترز، أرسلت الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس نصّ اتفاق مُؤقَّت مع
إيران، بعد توقيعه من الرئيس الأمريكي ومسؤولين إيرانيين، متضمنًا وقفًا متبادلًا
للعمليات، وترتيبات تتعلق بلبنان، وفتحًا تجاريًّا مؤقتًا في مضيق هرمز، وفترة
تفاوضية مدتها 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي.
الأهم في هذا الاتفاق، من زاوية
«إسرائيل»،
أنه بدا اعترافًا أمريكيًّا بأن إيران لا تُدار فقط بالقوة، وأن واشنطن لها حسابات
تتجاوز الرؤية
«إسرائيل».
وقد وصفت رويترز الاتفاق بأنه يُعيد رسم الشرق الأوسط، وأن منتقديه، خصوصًا في
«إسرائيل»
وبعض دوائر الخليج، رأوا فيه تقوية لإيران وإضعافًا لحلفاء واشنطن.
أما في
«إسرائيل»،
فقد ظهرت قراءات غاضبة رأت في الاتفاق
«7
أكتوبر دبلوماسيًّا»؛
لأنه جاء بعد جولات قتال وضربات عسكرية كبيرة، لكنه انتهى إلى تسوية لم تكن
«إسرائيل»
هي من صاغ شروطها الأساسية. وتشير تقارير بريطانية إلى أن قطاعات
«إسرائيلية»
واسعة رأت في الاتفاق قيدًا على حرية العمل
«الإسرائيلية»،
خصوصًا تجاه إيران وحزب الله.
هنا يصل المنحنى إلى مفارقته الأوضح:
«إسرائيل»
في لحظة قوة عسكرية عالية، لكنها في لحظة تأثير سياسي أقل. فهي قادرة على الضرب،
لكنها ليست قادرة وحدها على تقرير نهاية الحرب أو شكل التسوية.
الخلاصة:
«إسرائيل»
بين فائض القوة ونقص التأثير
الخلاصة أن
«إسرائيل»
بعد 7 أكتوبر لم تصبح أضعف على مستوى القدرة العسكرية، لكنّها أصبحت أكثر انكشافًا
على مستوى السياسة والإستراتيجية. لقد استعادت بعض الردع بالنار، لكنّها خسرت
جانبًا من القدرة على تحويل الردع إلى قبول، والقوة إلى شرعية، والانتصار العملياتي
إلى تسوية سياسية.
يمكن تلخيص الخط البياني في خمس مراحل:
|
المرحلة |
وضع
«إسرائيل» |
|
قبيل 7 أكتوبر |
صعود إقليمي وثقة مفرطة ومسار تطبيع واعد |
|
7 أكتوبر |
انهيار حادّ في الردع والصورة الأمنية |
|
حرب غزة |
تعافٍ عسكري مقابل تآكُل أخلاقي ودبلوماسي |
|
توسُّع الجبهات |
تصاعُد القوة الوقائية والضربات بعيدة المدى |
|
الاتفاق الأمريكي-الإيراني |
بقاء القوة العسكرية مع تراجُع القدرة على تشكيل التسوية |
المراجع
Amir Lupovici, Israeli Deterrence and the October 7
Attack, (INSS), 2024.
(INSS), The State of Israel’s
National Security: Doctrine and Policy Guidelines for
2025–2026,
2025.
(INSS), Israel’s
Post-October 7 Wars and the International Order.
RAND Corporation, The Israel-Iran Conflict: Q&A
with RAND Experts, 2025.
IISS, The Armed Conflict Survey
2025:
Middle East and North Africa.
Chatham House, The Shape-shifting
Axis of Resistance, 2025.
Washington Institute, A Snapshot of Israel’s
Deepening Diplomatic Isolation: Comparing Key UNGA Votes, 2017–2025,
2025.
Arab Barometer, Gaza War and Regional Escalation Reshape Public
Opinion Across MENA, 2026.
Reuters, White House Sends Text of Interim US-Iran
Agreement to US Congress, June 18, 2026.
Reuters, US-Iran Deal Redraws the Middle East: Iran Gains,
Rivals Alarmed, June 18, 2026.
[1] مؤسسة بحثية أمريكية معروفة، تُصدر دراسات وتحليلات في الأمن القومي، الدفاع،
السياسة الخارجية، الاقتصاد، الصحة، التعليم، وغيرها.
[2] ركز أبحاث بريطاني مشهور مقره لندن، يُعنَى بالسياسة الدولية، الأمن، الاقتصاد
العالمي، والطاقة. اسمه المتداول عالميًّا هو تشاتام هاوس نسبةً إلى المبنى
التاريخي الذي يعمل منه.