هل تقود التحركات العسكرية المتسارعة في أوروبا الشرقية إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو، أم أنها تمثل إعادة رسم لتوازنات الردع والنفوذ، مع بقاء الحرب الكبرى خيارًا مستبعدًا بفعل كلفة التصعيد على جميع الأطراف؟
•
سيناريوهات حرب كبرى بين أوروبا وروسيا عنوانها بيلاروسيا؛ عبورًا من حرب
أوكرانيا
•
زيلينسكي يُهدّد لوكاشينكو، ويطلب سحب قواته من حدود بلاده الجنوبية، والتخلّي
عن التعاون العسكري مع روسيا
•
أوروبا تستهدف تفكيك روسيا، ونقطة البداية فكّ التحالف الروسي البيلاروسي
•
هل تصبح بولندا نقطة ردّ الفعل الأوروبي بالسيطرة على ممر سوالكي إلى مقاطعة
كالينينغراد الروسية؟
•
روسيا تُهدّد بقصف مصانع سلاح أوروبية وشرق أوسطية تُوجّه إنتاجها لدعم
أوكرانيا، والغرب يتجاهل التهديدات
•
السيناريو الأرجح: توسُّع الحرب لإنهاء وجود أوكرانيا
لم يكن واردًا، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ما بات واردًا الآن، من احتمال
اندلاع حرب بين روسيا وأوروبا؛ إذ شهدت تطورات الحرب الأوكرانية استدعاءً متزايدًا
لاحتمال اندلاع ما بات يُوصَف بالحرب الكبرى بين روسيا وأوروبا. كانت الرؤية
السائدة خلال الحرب الباردة أن لا حرب بين الدول النووية، وأن الحروب ستُجرَى فقط
بالوكالة في دول العالم الثالث.
وأمر التصعيد إلى احتمال الحرب بين روسيا وأوروبا، لم يَعُد بالإمكان قراءته من
خلال التصريحات المُهدّدة فقط، بل من خلال وقائع الاستعداد لها، وما يظهر من حراك
وتوجُّهات إستراتيجية عديدة.
لقد زادت دول أوروبا ميزانياتها التسليحية تحت راية الناتو، واتخذت إجراءات عملية
بزيادة أعداد جيوشها، وزادت أعمال الإعداد لمسارح العمليات من طرق ومطارات؛ لتسهيل
حركة قوات الحلف في الدول الأوروبية المجاورة لروسيا. وكان الأخطر أن غيَّرت بعض
الدول الأوروبية المجاورة لروسيا قوانينها لتسمح بنشر أسلحة نووية على أراضيها، وقد
بدأت كلّ من فرنسا وألمانيا خطوات لإحياء نُظُم الخدمة العسكرية التطوعية للشباب،
لزيادة أعداد جيوشها.
على الجانب الآخر، قامت روسيا باستدعاء مواقف دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي،
وزيادة دعمها التسليحي لبيلاروسيا -إلى درجة نشر أسلحة نووية على أرضها-، وحشدت
الأخيرة قواتها على حدودها الجنوبية في مواجهة شمال أوكرانيا، بعد أن زادت أعداد
قواتها، وأجرت تعديلات على ما يُوصَف بالعقيدة القتالية للبلاد، تسمح لجيشها بشنّ
هجمات استباقية.
وبذلك أصبح السؤال المطروح الآن: هل بات العالم أمام احتمال تجاوز أوروبا والناتو
الخط الفاصل بين الحرب بالوكالة في أوكرانيا إلى الحرب المباشرة عبر بيلاروسيا؟ وهل
تُخطّط روسيا فعليًّا لشنّ هجمات على دول الجوار الأعضاء في الناتو والاتحاد
الأوروبي؟
ظهرت سيناريوهات متعددة لاحتمالات اشتعال تلك الحرب الكبرى، ومعظم ما هو منشور
يتمحور حول توسُّع الحرب الأوكرانية باتجاه بيلاروسيا، عبر مشاركة القوات
البيلاروسية في الهجوم الروسي لاحتلال كييف، وحول شنّ روسيا هجمات ضد دول البلطيق
أو الدول الإسكندنافية، وأن بولندا ستصبح محور ارتكاز القوة والرد
الأوروبي-الأطلسي؛ إذ يُتوقَّع أن لا تكتفي أوروبا والناتو بالرد على الهجوم الروسي
على تلك الدول، وأن يتَّسع ردّها ليشمل السيطرة على ممر سوالكي لعزل مقاطعة
كالينينغراد الروسية على بحر البلطيق. وبذلك تتمدَّد الحرب من أوكرانيا وحتى المحيط
المتجمّد الشمالي وبحر البلطيق.
غير أن سيناريوهات الحروب لا تُكْتَب في الإعلام، بل في غُرَف القيادة
الإستراتيجية.
وأيًّا كانت السيناريوهات المنشورة، فالمؤكد الآن أن مخاوف موسكو باتت عميقة بشأن
تحوُّل الاتحاد الأوروبي من حالة التجمع الاقتصادي إلى الحلف العسكري، وأن روسيا
ترى أوروبا عقبة أمام تسوية حرب أوكرانيا دبلوماسيًّا -للإقرار بانتصار روسيا-، وأن
دول أوروبا باتت تلعب الآن الدور الأهم في التخطيط والقيام بضربات المُسيَّرات
الأوكرانية التي طالت المواقع والمُقدَّرات الروسية.
وفي الجانب الآخر، ترى أوروبا أنها مُهدَّدة بفعل تنامي التطلعات الإمبراطورية
لروسيا، وتنظر لغزو روسيا لأوكرانيا باعتباره نقطة انطلاق لاستعادة روسيا هيمنتها
على دول شرق أوروبا، التي كانت تحت سيطرة روسيا زمن الاتحاد السوفييتي السابق، وأن
روسيا تسعى -في أقل التقديرات- إلى إعادة إحياء مشروع بناء نوفوروسيا.
وبين الرؤيتين، وفي ظل مخاوف أعمق، تتفحص روسيا وأوروبا المسرح الدولي لإدارة هذا
الصراع، وبشكل خاص مواقف كلّ من الولايات المتحدة والصين وبريطانيا -ويُستثنى من
ذلك الهند، التي ستقوم بإمداد أوروبا بالسِّلع بديلًا عن الصين عبر ممر التنمية
الهندي إلى أوروبا-؛ إذ تلعب تلك الدول دورًا إستراتيجيًّا فاعلًا في إدارة
الصراعات الدولية، وفي تحديد موازين القوى، وفي القرارات الإستراتيجية لطرفي
الصراع.
تحركات ذات طابع إستراتيجي
بدا واضحًا أن الطرفين الروسي والأوروبي (والناتو بطبيعة الحال) قد حسما موقفهما
بشأن قراءة الحرب في أوكرانيا باعتبارها إعلانًا بتجدُّد الصراع الإستراتيجي
التاريخي بينهما. وهو ما أدَّى إلى استطالة الأزمة السياسية الأوكرانية وتحوُّلها
إلى اتجاهات أوسع وأخطر.
تلك القراءة كانت واضحة عندما استخدمت أوروبا أدوات الدبلوماسية غطاءً لإعداد
أوكرانيا للحرب، فتحركت نحو عقد اتفاقات مينسك 1 و2 كخطة مرحلية، لتحاشي تطوير
الصراع إلى الحرب في ذلك الوقت؛ إذ لم تكن لا أوروبا ولا أوكرانيا جاهزتين لها
-مقارنة بروسيا-، وتطوّر الأمر في مرحلة تالية إلى فكّ الارتباط الاقتصادي بين
أوروبا وروسيا عبر فرض العقوبات القاسية على روسيا. والآن يجري إشاعة مناخ الحرب
والاستعداد والتهديد بها.
وفي المقابل، تحرَّكت روسيا باتجاه إستراتيجي، أكَّد أنها باتت تنظر إلى أوروبا
كمُهدّد إستراتيجي؛ إذ انتقلت من التهديد بالحرب على أوكرانيا إلى الحرب للسيطرة
على أربعة أقاليم في هذا البلد. كما بدأت تصعيد وتدعيم فكرة تعدُّد الأقطاب والفكرة
الأوراسية، وتطوير العلاقات مع الصين وكوريا الشمالية وإيران والهند -بديلًا عن
الارتباط بأوروبا-، كما عملت على تفكيك الترابط بين دول أوروبا والولايات المتحدة.
وكان الأهم في ذلك فتح خطوط للتواصل والارتباط الاقتصادي والعسكري مع تركيا، الذي
وصل حد بناء مفاعل نووي روسي في تركيا، ومنح الجيش التركي منظومة إس-400 المضادة
للصواريخ والطائرات.
وفي ظل تلك الأجواء، بدأت الحسابات الإستراتيجية لاحتمالات الصدام، وكان ضمنها
البحث في مواقف الأطراف الدولية ذات الدور الحاسم في إستراتيجية إدارة الصراع لدى
الطرفين، وطُرحت الأسئلة حول مواقف كلٍّ من الولايات المتحدة والصين وبريطانيا بشكل
خاص.
الموقف الأمريكي:
لقد عملت روسيا على توسيع الخلاف بين أمريكا-ترمب، وأوروبا. وبدا أن الولايات
المتحدة قد غيَّرت موقفها، بعد أن كانت الداعم الأكبر لإدارة وتصعيد الصراع ضد
روسيا خلال حكم بايدن، وهو ما تجسَّد في ضغوط ترمب على الرئيس الأوكراني زيلينسكي،
وفي عَقْده لقاءات ذات طابع بدا إيجابيًّا مع الرئيس الروسي بوتين.
وهو ما قابلته أوروبا ببذل جهود لإفشال أيّ تقارب أمريكي روسي، في مقابل تحمُّلها
تكاليف الحرب وشراء أسلحة أمريكية لإمداد أوكرانيا وإطالة الحرب.
ورغم جهود روسيا في اتجاه التفكيك، ورغم ظهور خلافات بين الموقفين الأمريكي
والأوروبي، إلا أن التقدير الأعم -الذي يمكن قراءته من متابعة دوائر الحكم في
روسيا-، هو أن الموقف الأمريكي في ظل حكم ترمب لا يختلف جوهريًّا عن مرحلة بايدن،
وأن إدارة ترمب تُحمِّل الأوروبيين اقتصاديًّا تكاليف الحرب -لتخفيف الضغوط على
ميزانيتها-، لكنها تحافظ على قرار الحرب بيدها، وقد يكون التغيير الشكلي في مواقفها
لاعتمادها نفس الخطة التي اعتمدتها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. لكن
الولايات المتحدة لم تَعُد تلك الدولة التي كانت خلال الحربين العالميتين الأولى
والثانية، على صعيد القوة والقدرة وإدارة الإستراتيجيات، كما باتت في مواجهة وضع
إستراتيجي دولي مختلف بفعل ظهور قوى دولية منافسة متوزّعة في مختلف مناطق العالم،
ولأنها تخشى تحرُّر الدول التي هيمنت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، مثل
اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وإيطاليا. وهو ما تراهن عليه روسيا.
ولقد غيَّرت روسيا إستراتيجيتها تجاه العلاقات الأوروبية الأمريكية. كانت روسيا، في
زمن الاتحاد السوفييتي، داعمة لانفصال أوروبا عن الولايات المتحدة عبر تقوية
الاتحاد الأوروبي كوحدة وقوة اقتصادية -وهو ما جعل روسيا تمنح أوروبا الطاقة بأسعار
مُخفَّضة، وتفتح أبواب اقتصادها أمام الاستثمارات الأوروبية-، لكنها تعمل الآن على
تفكيك العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، عبر الضغط العسكري على أوروبا، وفتح
المجال أمام الولايات المتحدة للتعاون الاقتصادي. لكنها كانت وستظل مجرد خطوات
تكتيكية من روسيا لمواجهة الخطوات التكتيكية للولايات المتحدة خلال حكم ترمب.
الموقف الصيني:
لا شك أن قرار تطور الصراع لدى الطرفين الروسي والأوروبي -بل حتى الأمريكي- يرتبط
بموقف الصين إستراتيجيًّا.
لقد أوضحت الصين منذ بداية الحرب أن لا انغماس لها في فعاليات العمل العسكري في
الحرب الأوكرانية. لكن بدا واضحًا أيضًا أن الصين قررت أن تلعب الدور الحاسم في
صمود روسيا أمام العقوبات الغربية التي لم يسبق لها مثيل، على اعتبار أنها ستتعرَّض
إلى ذات العقوبات في حال انكسار روسيا. لم تستجب الصين للضغوط الأوروبية والأمريكية
التي حاولت جذب الموقف الصيني بعيدًا عن روسيا، حين جرى شنّ حرب إعلامية عليها؛
بسبب تقديمها دعمًا غير مباشر لروسيا في مجالات التصنيع العسكري. وكانت أوضح
المواقف السياسية الصينية قد تمثَّلت في موقفها الذي أعلن بأنها لن تسمح بهزيمة
روسيا. كما لا يخفى أن مشاركة قوات من كوريا الشمالية في معركة تحرير كورسك، لم تكن
بعيدة عن موقف أو قرار الصين، بحكم طبيعة الارتباط العضوي بين كوريا الشمالية
والصين.
لكنّ موقف الصين، في حال اندلاع صراع مسلح متوسع بين روسيا وأوروبا، لن يُبنَى على
حسابات تكتيكية، كما الحال في حرب أوكرانيا، بل سيتَّخذ بُعدًا إستراتيجيًّا يؤثر
في القرارين الأمريكي والأوروبي، وفي ذلك قد تنحاز الصين سياسيًّا لصالح روسيا، بما
يُهدّد بتوسع الحرب واحتمال اندلاع حرب عالمية، وهو أمر له حسابات إستراتيجية
مختلفة لدى كل الأطراف.
والأغلب أن أوروبا والولايات المتحدة تضعان في حساباتهما أن دخول الصين لا يعني فقط
فشل خطة حصار وتفكيك روسيا، بل بداية تغيير النظام الدولي الذي شكَّله الغرب ويهيمن
على العالم من خلاله.
الموقف البريطاني:
تحتل بريطانيا موقعًا حاسمًا في إدارة حسابات الصراع بين روسيا وأوروبا؛ إذ ليس
معنى خروجها من الاتحاد الأوروبي انفصالها عن إدارة الصراعات في الإقليم الأوروبي.
منذ بداية الأزمة الأوكرانية، كان واضحًا أن بريطانيا تلعب الدور الأساس في تسعير
الصراع ونقله من وضعية الحل عبر الدبلوماسية إلى استمرار الحرب وتصعيدها. وكان
الإعلان عن أن بريطانيا -وقت تولي بوريس جونسون رئاسة الوزراء-، هي التي أفشلت
مفاوضات إسطنبول، تأكيدًا لهذا التقدير، الذي جاء امتدادًا لموقفها التاريخي من
روسيا. فرغم أن بريطانيا لم تَغْزُ روسيا -كما فعلت فرنسا خلال غزو نابليون، أو
ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية-، ورغم أنها تحالفت مع الاتحاد السوفييتي
السابق خلال الحرب العالمية الثانية؛ إلا أن بريطانيا تنظر إلى روسيا كمُهدّد
إستراتيجي كامل المعالم لمصالحها وأمنها القومي، ولهيمنة الغرب على العالم.
ويبدو أن روسيا تنظر إلى بريطانيا -في المقابل-، وكأنها ألمانيا نازية جديدة،
وباعتبارها
«دولة
مؤشر»
لحقيقة الموقف الأمريكي، والبوابة التي ستتدخل من خلالها الولايات المتحدة.
ولكل ذلك، تقرّر روسيا بوضوح أن الحرب لا بد أن تكون نووية؛ إذ تتوحد المواقف
البريطانية والألمانية والفرنسية -والأمريكية- على مواجهة روسيا.
تصريحات مُهدّدة وسيناريوهات مُعقّدة
يتكرر الحديث عن نُذُر الحرب بين روسيا وأوروبا، ويجري الحديث عن سيناريوهات متعددة
لانطلاق تلك الحرب. ويمكن تلخيص الرؤية الأوروبية بأنها تتوقع قيام روسيا بشنّ هجوم
على إحدى دول الناتو بعد الانتهاء من حرب أوكرانيا، وأن دعم أوروبا لأوكرانيا هو
بمثابة ضمان لعدم تحوُّل روسيا للهجوم على أوروبا، وإنقاذ لها.
وتتحدَّث موسكو عن أن الغرب يتجهّز لإطلاق الحرب على روسيا، وأن الغرب ينتقل بحركته
من الصراع غير المباشر عبر دعم أوكرانيا، إلى احتمالات الحرب المباشرة تحت غطاء
اتهام روسيا بالاستعداد والإعداد لشنّ هجوم على الناتو.
قالها الرئيس الروسي بصراحة: الدول الغربية بقيادة الناتو تستعدّ لخوض حرب ضد روسيا
-بعد أن كانت تكتفي من قبل بتقديم المساعدة لأوكرانيا-، وأن روسيا لا تُخطّط لشنّ
الحرب، لكنّها جاهزة للحرب. كما بدأت روسيا الحديث عن أن المُسيَّرات الأوكرانية
التي تتوغل في داخل روسيا وتضرب مصانع ومصافي نفط، وتصل حتى موسكو، هي عنوان
لمشاركة ودعم لوجستي عسكري أوروبي-أطلسي في الحرب على روسيا.
وإذ تحدث بوتين على الصعيد العام، فقد صدرت تصريحات روسية أخرى، أطلقها نائب رئيس
مجلس الأمن القومي ميدفيديف، توعد خلالها بقَصْف مناطق متعددة في دول أوروبية وشرق
أوسطية، تحت عنوان أن شركات صناعية في تلك الدول تنتج أسلحة لأوكرانيا، ويجب أن
تتوقف عن توريد هذا السلاح، وإلا اعتبرتها روسيا أهدافًا عسكرية. وضمّت القائمة
المُهدَّدة بالقصف، باعتبارها أهدافًا عسكرية، شركات في مدن بكل من تركيا و«إسرائيل»
وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا ولاتفيا والدنمارك والتشيك.
وإذ قدّم الإعلام الروسي تلك التصريحات -المبنية على تقارير استخبارية وعسكرية-،
باعتبارها إنذارًا، إلا أن دوائر غربية رأت أن التقارير الروسية وتصريحات ميدفيديف
مجرد تهديد، مثل تلك التهديدات التي أطلقها ميدفيديف مرارًا وتكرارًا باستخدام
الأسلحة النووية.
وكان لافتًا أن باتت التصريحات الغربية واضحة في الترويج لاحتمال أن تصبح بيلاروسيا
نقطة الصدام المحتملة لتوسُّع الحرب، أو لعبور الغرب خط الحرب بالوكالة إلى الحرب
المباشرة.
وفي ذلك تتعدَّد السيناريوهات:
1- توسُّع الحرب بدخول بيلاروسيا: السيناريو الرائج
تظهر متابعة اتجاهات الحركة الإستراتيجية لروسيا وأوروبا والناتو أن توسيع الصدام
سيكون باتجاه بيلاروسيا.
لقد سبق أن كان لبيلاروسيا دور في الحرب الأوكرانية حين انطلقت في عام 2022. كانت
القوات الروسية التي استهدفت احتلال العاصمة الأوكرانية كييف قد انطلقت من الحدود
الجنوبية البيلاروسية. ويبدو المشهد الآن قريبًا من احتمال تكرار هذا المشهد، لكن
وفق جديد يمكن وَصْفه بالخطير. وقد وصل الأمر بالرئيس الأوكراني زيلينسكي أن حذَّر
بيلاروسيا، وطالبها بضرورة سَحْب قواتها من الحدود الجنوبية، ومنحها مهلة قبل أن
يواجهها بضربات عسكرية.
وترى أوكرانيا أن بيلاروسيا باتت تُشكّل خطرًا وجوديًّا عليها، فعلى أرضها قوات
روسية، كما جرى إعادة تأهيل قواعد من زمن الاتحاد السوفييتي السابق على أرضها،
ونقلت روسيا صواريخ نووية إلى أراضي بيلاروسيا، التي عدَّلت بدورها ما يُوصَف
بالعقيدة العسكرية للبلاد؛ بما يسمح لجيشها بشنّ ضربات استباقية خارج حدودها، إذا
شعرت بتهديد مباشر. ولأن الجيش البيلاروسي زاد من عدد جنوده على الحدود الجنوبية،
وأنشأ قيادة عسكرية خاصة بها -هي الحدود الشمالية لأوكرانيا-، وأدخل نظام
المتعاقدين مع الجيش لزيادة أعداد العسكريين، وزاد ميزانية الإنفاق العسكري خمس
مرات خلال أربع سنوات.
كما تنظر أوروبا والناتو إلى بيلاروسيا، باعتبارها
«الدولة
الامتداد»
لروسيا، و«الحارس»
الروسي لممر سوالكي، الذي يمر في جنوب بولندا ليربط بين روسيا وإقليم كالينينغراد
الروسي على بحر البلطيق.
2-الدول الاسكندنافية ودول البلطيق ودور بولندا
إذا كان تدخُّل بيلاروسيا باتجاه أوكرانيا هو حراك من داخل دولة الاتحاد -بين روسيا
وبيلاروسيا- باتجاه الجنوب ضمن فعاليات حرب قائمة، فإن سيناريوهات غربية أخرى
تتحدَّث عن أن الحرب سيكون محورها الأول هجومًا روسيًّا باتجاه دول البلطيق والدول
الإسكندنافية -أو الجبهة الشرقية للناتو-، بعد أن تمدّد حلف الناتو وضمَّ تلك
الدول، وذكرت تلك التقديرات أن الرد الأوروبي -الناتو- سيكون عبر بولندا، التي
سينطلق منها الهجوم العسكري للناتو جنوبًا باتجاه السيطرة على ممر سوالكي، لقطع
تواصل روسيا بريًّا مع مقاطعة كالينينغراد الروسية على بحر البلطيق.
ووفق تلك التقديرات، تحرَّكت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لدعم تلك الدول التي تُوصَف
بالجناح الشرقي للحلف. كما جرى دعم بولندا، وتطوير قوتها العسكرية، وتغيير نمط
تسليحها من الأسلحة الشرقية إلى الأسلحة الغربية.
ووفقًا لهذا السيناريو، فقد أقامت ليتوانيا ما سُمِّي بـ«جدران
الطائرات المُسيَّرة»،
بالتعاون مع لاتفيا، كما تعمل الدولتان على استصلاح المستنقعات في أراضيهما لإنشاء
دفاعات طبيعية. كما أقامت بولندا حواجز على طول حدودها مع بيلاروسيا، كما غيَّرت
فنلندا قوانينها، وباتت تسمح الآن بنشر أسلحة نووية أجنبية على أراضيها.
وهكذا أصبحت الدول القريبة جغرافيًّا من حدود روسيا موضعًا محتملًا للصراع والحرب،
وبشكلٍ خاص فنلندا وإستونيا وبولندا وليتوانيا والسويد.
3- السيناريو الثالث المرجَّح
والسيناريو المُرجّح أن تُوسِّع روسيا مساحة عملياتها العسكرية في داخل أوكرانيا،
سواء عبر توسيع سيطرتها في خاركيف وسومي لإقامة جدار فاصل على الحدود الروسية
الأوكرانية، وأن تستولي روسيا على أوديسا جنوبًا لتعزل أوكرانيا عن البحر الأسود،
ولتكون على مقربة من إقليم ترانسنيستريا في مولدوفا، وأن تتحرَّك لحصار أو السيطرة
على كييف، لتترك الشمال الغربي والجنوب الغربي لأوكرانيا محلًّا للسيطرة البولندية
في الشمال، ورومانيا في الجنوب؛ حيث يعيش سكان ذوو أصول تاريخية من كلا البلدين.
حرب أم إعادة رسم خطوط التوازنات الجديدة؟
رغم تصعيد لغة الحرب والاستعدادات والحديث عن الحرب الكبرى، وتحديد مناطق الصدام،
إلا أن ذلك ليس الاتجاه أو الاحتمال الأرجح!
والأغلب أن لا حرب كبرى مباشرة بين الناتو وروسيا -حتى لو حدث اشتباك أو حدث عسكري
هنا أو هناك-، وكل هذا التوتر المرتفع، من الحرب في أوكرانيا، إلى زيادة الإنفاق
العسكري، والاستعدادات العسكرية على حدود دول الحلف وروسيا، هو محاولة من كلا
الطرفين لرَدْع الآخر، ومنع اندلاع حرب كبرى.
والحاصل أوروبيًّا وأطلسيًّا، أننا إزاء عملية تحفيز للوضع العسكري للدول التي
انضوت مؤخرًا إليه، ولتغيير أفكار سكانها عبر التخويف من عدوّ جار، مع الاستمرار في
إستراتيجية تفكيك وإضعاف روسيا، وممارسة أقصى أنواع الضغط على بيلاروسيا لتفكيك
تحالُفها الوثيق مع روسيا، ويمكن القول بتوقُّع وجود خطة يجري العمل عليها لإسقاط
نظام حكم لوكاشينكو.
والحاصل روسيًّا، هو تعميق قوة بيلاروسيا وحماية نظام لوكاشينكو، من جهة، وفتح مجال
للحركة في أوكرانيا لنطاقات أوسع تشمل السيطرة المتوسعة على البحر الأسود، وربما
السيطرة على كييف، وترك غرب وجنوب أوكرانيا نهبًا للتقسيم مع أعضاء من الناتو عبر
فكرة
«أن
الجُرذان لا تُقاوم الجُبن»،
مع شلّ قدرة الناتو على التدخل.
والأمر الإستراتيجي واضح ومحدد؛ إذ لا قِبَل لأيّ طرف بالانخراط في حرب كبرى، لن
تكون إلا نووية، تحرق الجميع.