كيف تحولت شعيرة الحج عبر التاريخ الإسلامي إلى تجربة إيمانية وإنسانية عميقة، تجمع بين التوحيد والتجرد والمساواة، وتمنح المسلمين قوة روحية وحضارية تحفظ هويتهم وتعيد بناء علاقتهم بالله والأمة والعالم من حولهم سنويًا؟
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه،
وبعد:
وبعد: فثمَّة مواسم في تاريخ البشر لا تُقاسُ بالزمن، وإنما تُقاسُ بما تُخلِّفه في
الوجدان من أثرٍ يتجاوز العقل إلى الروح، ومن فعلٍ يتخطَّى الجسد وحركاته ونَصَبه
إلى المعنى. ولعلَّ الحجَّ -الركن الخامس من أركان الإسلام-؛ هو أعظمُ هذه المواسم
وأكثفها دلالةً، وأشدُّها حضورًا في وعي المسلمين عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان،
دون أن يفقد شيئًا من توهُّجه، أو يتآكل شيءٌ من معناه المرتبط بالنداء الخالد؛
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ
يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: آية 27].
فالحجُّ أكبر مؤتمر عالمي سنوي؛ إذ يقصده الناس من كل فجٍّ عميق، ويبادر له أفئدة
من الناس تهفو قلوبهم إلى المناسك والمشاعر بين آونة وأختها، وفيه من دلائل الوحدة
في المظهر والقول والفعل والرجاء والأحكام ما لا يَخْفى، هذا غير التعارف بين أبناء
الأمة الواحدة وشعوبها، وابتداء حياة جديدة عقب الحج تختلف تصوراتها ومسالكها عما
كان المرء عليه قبل أداء هذا النُّسك العظيم.
وهذا المنسك السنوي يربط بين الأُمّة المحمدية وأنبياء الله ورسله -عليهم الصلاة
والسلام-، وبين أبناء الأُمّة وسلفهم الصالح، ويجعل تاريخ أُمّتنا ممتدًّا لآلاف
السنين، يمشي على رأسه وأمام جموعه رسلٌ وأنبياء، فنحن أُمّة عريقة، ولنا سلف من
الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وكل أولئك الرفيق الحسن قد حجّوا مرة فما
فوقها، ومشوا فوق البقاع التي يعيش فيها الحاجّ أزكى الأيام، وأطيب الليالي، وأجمل
رحلة وذكرى في عمره.
ولا يبدأ الحجُّ حين يطأ الحاجُّ أرض الديار المقدسة، ولكنه يبدأ عندما ينوي المرء
أداء هذه الشعيرة، وبعد أن يشدُّ الرحالَ من بيته مُودّعًا الأهل والمرابع لأجل
غاية هي الأَنْفس، وأمنية هي الأسنى. وعندما يتحرّك الحاجّ ضمن هذا الموكب السامي،
يصدر عنه إعلانٌ داخليٌّ -دون أن يجهر به-، خلاصته توحيد الهوية والوجهة؛ فهو مسلم
وكفى، وسوف يؤدي النُّسك مثلما ورد في السُّنّة، يحرص على الاتباع، ويجتهد في
الطاعة.
وإذا ارتدى الحاج ثوبَ الإحرام الذي لا يُفرِّق بين ملكٍ وفقير، ولا بين عالِمٍ
وأُمِّيٍّ، فإنه يصرح بهيئته قبل لسانه أن الدنيا بكل زخرفها موضوعة خلف الظهر،
ودبر الأذن، وحين يشرع في الإحرام يتلاشى لديه أيّ شيء أمام أحكام هذا الإحرام بما
فيه من واجبات وسنن ومحظورات، في حال من العبودية التي يرتقي بها المرء على أيّ صفة
دنيوية.
ثم يمضي الحج في أداء الشعيرة بواحدة من أنساكها الثلاثة، وفي كل عمل يؤديه جملة من
المعاني، تجتمع وتفترق، لكنّها كلها تسير في طريق واحد، هو طريق العبد السالك لرب
العالمين، ومسير المسلم المُوقِن بدينه ومنهجه، حتى يغدو أداء الحج بالنسبة
للمُوفَّق منهم تجربةً فريدةً لا نظير لها، لكثرة فيها من معانٍ، ولبقاء آثارها مدة
طويلة قد تستمر إلى آخر العمر، وهذه مناسبة تصنع لدى المسلم فهمًا عميقًا للعبودية،
وفقهًا لكل سلوك مهما دقّ.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
في هذه الآية الكريمة معجزة لافتة، فذلكم الأذان الذي لم يساعد على نشره جهاز ولا
دولة ولا غيرهما، بلغ الآفاق متجاوزًا الزمان والمكان، حتى توافد الناس لهذه
الشعيرة دون انقطاع مهما كانت الأحوال، ومن كل البقاع حتى لو أنها بعيدة ودون
البلوغ أهوال وأهوال، وتأتي تلك الجموع المتوالية، كلُّها تصبُّ روافدها البشرية في
وادٍ واحد، وتتَّحد في هتافٍ واحد: «لبَّيكَ اللهم لبَّيك»، وهو نداء طاعة وخضوع
يدكّ الأفكار البشرية دكًّا دكًّا، ويقود إلى تفكيك المقولات المادية المعاصرة،
ونقض محاولات ترسيخ المركزية الغربية.
وفي أعمال الحج عبادات خالصة للرب الحكيم العليم سبحانه، وفيها من المعاني ما لا
يُحصَى، فالطواف يشير إلى أن كل مسلم يدور حول فكرة مركزية مرجعها دينه الذي أمر
الله به، وبلّغه الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، حتى خُتموا بمحمد -صلى الله عليه
وسلم- وبرسالته المهيمنة الظاهرة على الدين كله.
ويطوف الطائف مع إخوانه دون أن يعرفهم أو يعرفونه، بيد أن قلوب الكافة قد توافقت
على الفعل وأحكامه وغاياته. ويطوف الحاج حول الكعبة ذلك البناء الشامخ منذ آلاف
السنين، وفي هذا الطواف وقفة صلبة أمام التميع والسيولة، فلا مناص من الثبات
المتجذّر الذي يأوي إلى ركن شديد.
وفي السعي تقديم للجلد والجدية والأخذ بالأسباب بغية طلب ما به النجاة والمعاش،
وفيه حثّ على الإصرار وقوة الإرادة بالتكرار، مع طرد للكسل وسرعة الملل، وعمران
القلب بالتوكل على الله. وخلال السعي لا يغفل المرء المسلم بين شوط وآخر عن
التوجُّه صوب الكعبة المشرفة، ليدعو ربه، ويتضرع لمولاه، مستمدًّا منه العون
والتأييد.
ومن لطيف ما توحيه لنا هذه العبادة التي يلتزم بفعلها كل حاج ومعتمر: مكانة الأم
وحقّها على أبنائها، وتأثير المرأة البالغ حينما تكون مشاركتها ضمن أُطُر شرعية، أو
بناء على ما تقتضيه الضرورة.
و«الحج عرفة»؛ كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ، وبهاتين الكلمتين أضحى
الوقوفُ بعرفة هو ذُروة الحج وأهم أركانه. وفي هذا الركن يقف ملايين البشر في يومٍ
واحد، في صعيد واحد، يدعون إلهًا واحدًا، في مشهد يشبه يوم الحشر الأكبر، وفي موقع
يناجي العباد ربهم مناجاة فردية، لكل واحد مَطالبه، وابتهالاته، واستغفاره، وهم في
حال من الخشوع والضراعة بألسنةٍ لا تكاد تُحصَى، وبدموع لو اجتمعت لجرت جريان
الوادي الكبير.
كما يتعبَّد الحجّاج لخالقهم برمي الجمرات إمعانًا في الطاعة واتباعًا للهَدْي
النبوي، وفي هذا العمل إشارة إلى أن كل شيء في الحياة، وفي الممات أيضًا، يمكن أن
يكون قُربة خالصة لله رب العالمين. وفيه إذعان لا يسأل صاحبه عن سرّ العدد، وسبب
الاختلاف في الجمرات بين اليوم الأول فما بعده، ولا عن طريقة الرمي وهدفه. وفي فِعل
الرمي المُكرَّر تأكيد على المُضِي بما عزم عليه الإنسان من رشد وثبات، وفي التكبير
والدعاء مع كل جمرة صغيرة تُرْمَى ربط لكل عمل بالصالحات.
ويُخطئ مَن يُقارن الحجَّ بالمؤتمرات الدولية أو الاجتماعات الكبرى، حتى لو كانت
بواعثها دينية، فهذه كلُّها تجمعاتٌ تُوحِّدها المصلحةُ أو الفن أو السياسة، وما
كان منطلقًا من ملة فهي محرّفة أو باطلة من أصلها، أما شعيرة الحجُّ فتجمع ما لا
يجمعه شيءٌ آخر؛ فهو توحيد وخضوع وائتلاف ومنافع شتى، في صورة من صور التضامن
والتشارك في الظاهر والباطن يستحيل أن توجد في غير هذا الموسم المهيب، وهو موسم
يُعبِّر عن سمة حضارية لأُمتنا التي حشدت في ركنها الخامس المختلفين في أشياء
كثيرة، ووحّدتهم في الفعل والقول والمكان والزمان واللباس، فالجميع في مكة والمشاعر
عباد لله، ولا فروق ولا طبقية.
فأضحى الحج بذلك انتماءً مشتركًا لأكثر من مليار مسلم، وقد حفظ للفرد خصوصيته، بيد
أنه سلكه ضمن روح جماعة واحدة، تتوجَّه لربها الواحد الأحد سرًّا وعلانية، وهذا
التوحيد في الإيمان أكبر من أيّ مصلحة، وأوثق من أيّ عروة، وأمتن من أيّ رباط، ولا
قيام للأُمّة بدونه، فباقترابها منه تشتد وتقوى وتنال العزة، وكلما ابتعدت ضعفت
وهانت.
ولدينا اقتناع راسخ بأن الحجَّ يُمثِّل ميدانًا خصيبًا للبحث العلمي في أبعادٍ
متعددة: دينية، واجتماعية، وفلسفية، وتاريخية، وبلدانية، ولغوية، وتربوية،
واقتصادية، وعلمية، وهو فرصة لتغذية علم الاجتماع والحضارة بمدلولات إسلامية. وأن
في شعائره كنوزًا لم تُستخرَج بعدُ بأدوات المنهج الحديث، وفي حكمته أسرار لم
تُقرَأ قراءةً وافية، فكم كان الحج سببًا في صلاح فرد وحياة قلبه، وكم كان عاملًا
من عوامل نهضة الشعوب وتحرّرها من سطوة المحتل البغيض.
لهذا جعل الله الحج فرضًا يُؤدَّى مرةً واحدةً في العمر مِن قِبَل المستطيع، مع
الترغيب بتكراره بحسب الحال والمناسبة. وهذا الفرض العيني يتكرَّر كلَّ عام لعشرات
الملايين أو أكثر من ذوي القدرة، فيتمكن بعضهم من موافاة الموسم الميمون؛ لأن البيت
الحرام لن يخلو من حاج، أو معتمر، أو مُجاور، أو طائف، أو ممَّن يشدُّ إليها
الرحال، مادام يوجد في الأرض مؤمن واحد فأكثر.
هذا وإن الدنيا تتجدَّدُ، وتتغيَّر مُدُنها وأنظمتها وأيديولوجياتها، وتختلف أسماء
وأشكال باحتجاب لا ظهور لها بعده، ويبقى الحجُّ موعدًا ثابتًا يعودُ كلَّ عام
بترقُّب وانتظار مثلما تشرق الشمس كل صباح بعد غيبة، ويرجع الحج إلينا بالمعاني
الروحية التي يحملها؛ حتى لكأنه يُعيد للإنسان المسلم ولمجتمع المسلمين التوازن،
ويُجدِّد لهم التنبيه والإشارة لمكامن القوة التي على رأسها صدق الاهتداء بالشرع
المُنزَّه، وصدق الاتحاد على الدين القويم.