ما الذي تعكسه الأسماء المتعددة لمكة المكرمة من معانٍ لغوية وروحية وتاريخية، وكيف أسهمت هذه الدلالات في ترسيخ مكانتها المقدسة باعتبارها قلب الإسلام، وقبلة المسلمين، ومركز شعائر الحج والعمرة ووحدة الأمة عبر الأزمنة؟
منَح ثراءُ اللغة العربية مكةَ حيويةً واسعةً في اسمها من المعنى والاشتقاق؛ وذلك
لأهميتها بالنسبة للمسلم من الناحية الدينية والروحية.
والأصل في الاسم أنّه رفعة وعلامة؛ لأنه مشتق من السُّموّ، وقيل من الوَسْم.
والأسماء تُستخدَم لتمييز الذوات عن غيرها، ويغلب أن تشير الأسماء إلى صفات، لذا
مال الناس إلى اختيار الأسماء ذات الدلالات الإيجابية، وهم يأملون أن يكون للمرء من
اسمه نصيب. يقول ابن جني:
وقلما أبصرت عيناك ذا لقب
إلا ومعناه إن فكرتَ في لقبه
ومكة لم تزل أمنًا وحُرَّة لا تؤدي إتاوة، ولذلك سُميت بالبيت العتيق؛ لأنه لم يزل
حُرًّا.
يقول حرب بن أمية:
أبا مطر هَلُمّ إلى (صلاح)
فتكفيك الندامى من قريش
فتأمنُ وَسطَهم وتعيش فيهم
أبا مطر هُدِيتَ لخير عيش
وتنزل بلدة عزَّت قديمًا
وتأمن أن يزورك رب جيش
(صلاح) في الأبيات اسمٌ من أسماء مكة.
ولمكة (البلد الحرام، قِبَلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، منذ أن أَودع فيها إبراهيم
ولده إسماعيل وأمه هاجر عليهم السلام) أسماء لها دلالاتها ومعناها جمعها علماء
اللغة، الذين قالوا: «إنّ لمكة زهاء 50 اسمًا مختلفًا يُعبِّر كلُّ اسم عن معنى
حالة معيّنة دقيقة تصفها في مكان وزمان محدّد أو مكانة محدّدة».
وفي هذا المقال نحاول جاهدين حَصْر بعض هذه الأسماء.
- الآمِن:
لتحريم القتال فيه، فقد جعله الله -سبحانه وتعالى- بمثابة الأمان لكل خائفٍ، فمن
دخله كان آمنًا؛ لقوله -عزّ وجل- في سورة العنكبوت: {حَرَمًا آمَنًا}
(العنكبوت: 67). (الزمخشري، الكشاف).
- المأمون:
أي الآمِن، وهو من الأمن، فيه يأمن الناس وتطمئن قلوبهم. (ابن منظور، لسان العرب).
- البُرْت:
وهو في لغة أهل اليمن السكر الطبرزد (الطبرزد: السُّكَّر، فارسي مُعرَّب، من
تَبَرْزَد، ملح الطبرزذ: الصلب الذي ليس له صفاء، يريدون أنه نُحِتَ من نواحيه
بالفأس). (ابن منظور، لسان العرب).
- البلد:
لقوله تعالى: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (التين: 3)، وقوله: {لَا
أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﭶ
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}
(البلد: 1-2)، والبلد (مكة) تفخيمًا لها، كالنجم للثريا، والعود للمندل. (الزمخشري،
الكشاف).
- البلدة:
البلد والبلدة «مكة» شرَّفها الله تعالى؛ لقوله: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ
أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ}
(النمل: 91). (الفيروز آبادي، القاموس المحيط).
- بكة:
لقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96)؛ على الأصح من أنها ومكة
واحد، (فقد كانت بعض القبائل العربية تقلب الميم باءً). أما اشتقاقه في اللغة،
فيصلح أن يكون الاسم اشتُقّ من (البَكّ)، وسميت بكة لأنها تَبُكّ أعناق الجبابرة
(السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين مكة والمدينة).
وقيل هي من اللبك: أي الاختلاط والازدحام؛ وذلك لكثرة ازدحام الناس فيها، في الطواف
خاصة، أو في أثناء موسم الحج (السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين مكة
والمدينة).
- البيت:
البيت هو الكعبة ذاتها، والحرم ما حولها. (السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين
مكة والمدينة)، ويتسع الحرم فيشمل أرض مكة كلها، ثم يتجاوزها من جهاتها كلها إلى
مسافات بعينها، حُدِّدت بعلامات منصوبة حديثًا (أحمد السباعي، تاريخ مكة).
- البيت الحرام:
لتحريم القتال فيه (الزمخشري، الكشاف).
- البيت العتيق:
من العتق (التحرير)، والعتيق: القديم؛ لأنه لم يُسبَق تاريخيًّا في إقرار التوحيد
الخالص، وعبادة الله الواحد بإخلاص. (السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين مكة
والمدينة).
- الباسّة:
مِن تبسّس الملحد، أي تُحطمه وتُهلكه. (الزمخشري، الكشاف).
- الثنية:
ذكرها السيوطي ضمن أسماء مكة المكرمة في موسوعته: الحجج الثمينة (السيوطي، الحجج
المبينة في التفضيل بين مكة والمدينة).
- الحرم:
حرم مكة (ما أحاط بها إلى قريب من المواقيت). (ابن منظور، لسان العرب).
- الحاطمة:
لحطمها الباغي. (الفيروز آبادي، القاموس المحيط).
-الرأس:
لأنها أشرف بقاع الأرض، كالرأس للإنسان. (ابن منظور، لسان العرب).
- الرتاج:
بكسر الراء، جمع رتج، والرتاج الباب المغلق، من رتج الباب وأرتجه، إذا أغلقه. (ابن
منظور، لسان العرب). والرتج «مُحرّكة» الباب العظيم، بالرتاج، ككتاب، وهو الباب
المُغلَق، وعليه باب صغير (الزركشي، إعلام الساجد بأحكام المساجد).
- أم رحم:
لتراحم الناس في رحابها الطاهرة، وتواصلهم فيها. (الفيروز آبادي، القاموس المحيط).
- أم زحم:
من ازدحام الناس فيها. (الزمخشري، الكشاف).
- المسجد الحرام:
ما يوجد في وسطه الكعبة، وحُرّم بتحريم القتال فيه؛ لقوله النبي صلى الله عليه وسلم
يوم فتح مكة-: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة
الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلا
ساعةً من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» (رواه الشيخان البخاري
ومسلم).
- صلاح:
لأن فيها صلاح الخلق، أو يُعمَل فيها الأعمال الصالحة، قال ابن منظور: «وصلاح من
أسماء مكة، -شرَّفها الله تعالى-، ويجوز أن يكون من الصلح، ويجوز أن يكون من
الصلاح؛ لأنها أديم يشهد الأعمال الصالحة. (ابن منظور، لسان العرب).
- طيبة:
ذكره السيوطي ضمن أسماء مكة المكرمة. (السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين مكة
والمدينة).
- العرش والعريش:
بيوت مكة؛ لأنها كانت عيدانًا تُنصَب، ويُظلّل عليها. (الفيروز آبادي، القاموس
المحيط). ويضيف ابن منظور قائلًا: «والعريش والعرش مكة نفسها» (ابن منظور، لسان
العرب).
- العطشة والعطش:
ذكره السيوطي ضمن أسماء مكة المكرمة. (السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين مكة
والمدينة). وفي لسان العرب: «العطش ضد الري... وعَطِشَ إلى لقائه أي: اشتاق» (ابن
منظور، لسان العرب).
- المقدّسة والقادسة:
يقول ابن منظور: «المُقدَّس تعني المُبارَك، والأرض المُقدَّسة تعني المُطهَّرة».
(ابن منظور، لسان العرب).
- القادس:
من التقديس والتبجيل والاحتفاء والتوقير. (السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين
مكة والمدينة).
- أم القرى:
لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ
أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الشورى: 7)، وكأن الأرض دُحِيَت تحتها، وقيل
كأنَ أهل القرى يرجعون إليها في الدين والدنيا حجًّا واعتمارًا وجوارًا (السيوطي،
الحجج المبينة في التفضيل بين مكة والمدينة). ويرى ابن منظور: كونها توسطت الأرض
(ابن منظور لسان العرب). وقيل: لأنها قِبْلة جميع الناس يؤُمّونها، وقيل سميت بذلك
لأنها أعظم القرى شأنًا، وفي التنزيل الشريف: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ
الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا}
(القصص: 59). (أحمد السباعي، تاريخ مكة).
- القرية:
جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ
عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (الزخرف: 31). والقريتان في الآية
هما مكة والطائف. (محب الدين الطبري، شرح التنبيه).
- الكعبة:
وهي من أسماء مكة على تقدير تسمية الكل بالجزء. (الزمخشري، الكشاف).
- المثابة:
البيت أو الموضع أو الملجأ يُرجَع إليه مرّةً بعد أخرى؛ مجتمعًا ومنزلًا ومرجعًا
يرجعون إليه، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنًا} (البقرة: 25). (ابن منظور، لسان العرب).
- كُوثَى:
بضم الكاف وفتح المثلثة، باسم موضع فيها، وهي محلّة بني عبد الدار(الخطيب البغدادي،
الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة)، بينما جاءت في لسان العرب (كَوثي)، وهي
أيضًا من أسماء مكة، من مادة (كَوَث). (ابن منظور لسان العرب).
- لقّاح:
لأنها حُرّة لا تدين لغازٍ أو مستعمر. (أحمد السباعي، تاريخ مكة).
- مكة:
لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} (الفتح:
24)؛ وهو مأخوذ من تمككت العظم إذا اجتذبت ما فيه من المخ، أو من قولهم: امتكّ
الفصيل ما في ضرع الناقة: أي مصَّه مصًّا شديدًا، والمعنى يفيد الانجذاب؛ لأن مكة
تجذب إليها الناس، كما تجذب الأقوات من غلال ومزروعات ونحو ذلك، فكل ما يبحث عنه
المرء يجده.
وقيل: إنها تمكّ الذنوب أي تُذهبها، وقيل لقلة مائها؛ وذلك لأنهم يمتكون الماء
فيها، أي: يستخرجونه (السمين الحلبي، عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ).
وقيل: سميت مكة لأنها كانت تمكّ مَن ظلم فيها وألحد، أي: تُهلكه. وسميت مكة لأنها
وسط الأرض (كالمخ) الذي هو أفضل ما في العظم. (الخطيب الإسكافي، مختصر كتاب العين).
- مكوربا:
مشتق من الاسم السبئي (مكوارابا)، ومعناه مقدس أو حرم. (أحمد السباعي، تاريخ مكة).
والكلمة أصلها: إما آشوري أو بابلي؛ لأن (مكّا) في البابلية: تعني «البيت»، وهو اسم
الكعبة عند العرب، ويدل ذلك على قدم هذه المدينة؛ لأنها سُمّيت بذلك في عهد
العمالقة بعد هِجْرتهم من بين النهرين، فسموا المكان بها، إشارة إلى امتيازها
بالبناء الحجري على سائر ما يحيط بها عن البادية (جورجي زيدان، تاريخ التمدن
الإسلامي). ولأن مكة مدينة قديمة فقد ورد اسمها في المصادر اليونانية والرومانية
القديمة؛ حيث ذكرها بطليموس باسم: ماكورابا
MACORABA
(كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب العربية).
- النساسة:
بالنون ومهملتين، لقلة مائها: «نست دابتك، أي يبست من العطش» (الزمخشري، الكشاف)،
وقيل لمكة الناسة والنساسة، لجدبها ويبسها. (السيوطي، الحجج المبينة في التفضيل بين
مكة والمدينة).
- معاد:
لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى
مَعَادٍ} (القصص: 85).
- تهامة:
قال أبو الفداء: «التهامي منسوب إِلى تهامة، وهي تُطلَق على مكة، ولذلك قيل للنبي
صلى الله عليه وسلم تهامي؛ لأنه منها، وتُطلَق على البلاد التي بين الحجاز وأطراف
اليمن» (تاريخ أبو الفداء).
وهناك أسماء أخرى لمكة المكرمة منها: برة، فران، ... إلخ؛ ذكرها الإمام الطبري في
شرح التنبيه، والإمام الزركشي في أحكام المساجد.
مكة ومناسك الحج والعمرة
مكة المكرمة أطهر بقاع الأرض وأقدس المدن التي يقصدها ملايين المسلمين سنويًّا
لأداء مناسك الحج والعمرة. تضم الأماكن المقدسة التي تحمل قيمة دينية وتاريخية
عميقة للمسلمين حول العالم. وتتميز هذه الأماكن بقدسيتها وارتباطها الوثيق بالسيرة
النبوية والتاريخ الإسلامي؛ مما يجعلها محط أنظار الزوار من مختلف أنحاء العالم.
ومكة المكرمة هي قلب الحجّ النابض ومركز التوحيد، والمكان الذي تتجه إليه أفئدة
المسلمين عالميًّا، خلال شعائر الحج، تتحول مكة إلى ملتقى روحي وإنساني، يَجْمَع
الحُجّاج لأداء المناسك في أجواء إيمانية خاشعة، وسط تعزيز لقِيَم الوحدة
والمساواة.
ولذا تُعدّ مكة المكرمة مهوى الأفئدة، وأحب البلاد إلى الله؛ وهي قِبَلة المسلمين؛
تحتضن الكعبة المشرفة، قلب المسجد الحرام، الذي يُعدّ أقدس بقاع الأرض.
ومكة هي ملتقى الأُمّة: تجمع ملايين الحجاج من كافة الأعراق والثقافات، مما يُجسِّد
مفهوم الأمة الواحدة.
وهي أرض المشاعر المقدسة: تشمل المواقع الرئيسية للحج (منى، عرفات، مزدلفة)؛ حيث
تُؤدَّى أهم شعائر الحج والعمرة.
وهي مكان آمِن ومُحرَّم؛ فمكة حَرَم آمِن، يُمنع فيه الصيد والقتال، وتعيش فيه
القلوب حالة من الروحانية والتأمل.
ومكة هي موطن النور الذي انطلقت منه رسالة الإسلام، ويُعطي موسم الحج والعمرة لمكة
تميزًا خاصًّا، حيث تصبح محور هذه الشعائر الإسلامية، ويعيش الزائر فيها حالة
إيمانية متكاملة.