• - الموافق2026/05/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أحوال السلف في عشر ذي الحجة

ما مظاهر تعظيم السلف الصالح لعشر ذي الحجة، وكيف انعكس فهمهم لفضلها على عباداتهم وسلوكهم واجتهادهم فيها، وما الضوابط الشرعية التي تضبط اغتنام هذه الأيام حتى يحقق المسلم الانتفاع الحقيقي بموسم الطاعات العظيم المبارك هذا؟


الحمد رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد:

فإن مطالعة سِيَر السلف الصالح والتأمل في أحوالهم في مواسم الطاعات مما يستجلب القدوة ويُقوّي العزيمة ويشحذ الهمة، ويُعين على مواصلة السير في دروب العبادة، ومن فاته الالتفات إلى أحوال القوم، فقد غاب عنه باب عظيم من وجوه التأسي، وقد كان أبو حنيفة يقول: «الحكايات عن العلماء أحب إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم»[1].

وقبل الولوج في ذِكْر شيء من أحوال السلف في عشر من ذي الحجة يحسن تبيان منزلتها.

منزلة عشر ذي الحجة:

العشر الأوائل من شهر ذي الحجة هي موسم الأمة الأعظم، وخير أيام العام، ومن دلائل ذلك ما يلي:

١. إن الله أقسم بها في قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، والليالي العشر، هي: عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين[2].

٢. ذكر الحسن وقتادة أن الأيام المعلومات في قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}؛ هي: أيام عشر ذي الحجة.

٣. ما جاء من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه؟ قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء»[3]. وفي رواية: «ما من عمل أزكى عند الله -عز وجل- ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى»[4].

٤. ما جاء في فضل يوم عرفة، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة»[5]، وقال صلى الله عليه وسلم  في صيامه لغير الحاج: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده»[6].

٥. قد جاء في فضل عاشرها -وهو يوم النحر-، قوله صلى الله عليه وسلم : «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر»[7].

قال ابن حجر: «والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيرها»[8]، إضافة إلى أنه تُؤدَّى فيها معظم مناسك الحج؛ من إحرامٍ، وتلبيةٍ، وطواف وسعي، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، والهدي، والحلق أو التقصير، إضافة إلى سُنّة الأضاحي.

ومَن تأمل في واقع الناس اليوم، وجد أن كثيرًا منهم يجهل فضل هذه الأيام، ولا يقدرها حق قَدْرها، مع أن النصوص جليَّة في تبيين شرفها وإعلاء منزلتها والحثّ على الاجتهاد فيها.

تعظيم السلف عشر ذي الحجة:

أمام هذا الفضل العظيم لتلك الأيام العشر؛ فقد أولاها السلف الصالح عنايتهم، فحافظوا على أوقاتها، وشمّروا عن ساعد الجد فيها؛ تعرضًا لنفحات الله، واستثمارًا لفضلها، وتعظيمًا لها وللعمل فيها، وطمعًا في مغفرة ذنوبهم فيها ومضاعفة الحسنات، ولعل من مظاهر ذلك:

١.  قول أبي عثمان النهدي: «كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من المحرم»[9]، وقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: «ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر؛ فإن العمل فيه يعدل عمل سنة»[10].

٢. عنايتهم بتوقّي ما يُغضب الله فيها، وازدياد تورعهم، فقد سئل أبو زرعة عن حديث ابن أبي هالة -في صفة النبي صلى الله عليه وسلم  في عشر ذي الحجة، يقول الراوي: «فأبَى أن يقرأه عليَّ، وقال لي: فيه كلام أخاف أن لا يصح، فلما ألححت عليه، قال: فأَخِّره حتى تخرج العشر، فإني أكره أن أُحَدِّث بمثل هذا في العشر»[11].

٣. تفرغ بعضهم للعبادة فيها، واعتزالهم التدريس فيها -كشهر رمضان-؛ فعن أبي عوانة، قال: «كنا نأتي سعيدًا الجريري أيام العشر، فيقول هو: هي أيام شغل، وابن آدم إلى الملالة أقرب»[12]، ومثل هذا مرويّ عن الإمام أحمد[13].

من ضوابط التقرب إلى الله في العشر:

لعل من أبرز ضوابط ذلك ما يلي:

١. إنَّ ما شُرِعَ فِعْلُه من القُرَب في سائر الأوقات؛ فمشروعيته باقيةٌ في المواسم الفاضلة، وفِعْلُه فيها داخلٌ في عموم النصوص الدالة على أصل مشروعيته، ولا يفتقر إيقاعه في الأزمنة والأمكنة الفاضلة إلى دليلٍ خاص.

والواجب على العبد في المواسم وغيرها: التقيُّدُ بالوارد؛ فما ورد مقيّدًا بعددٍ أو وقتٍ أو مكانٍ أو هيئةٍ لزم الوقوف فيه عند ما ورد، وما جاء مطلقًا شُرع للعبد الإكثارُ منه من غير تقييد، ولا يسوغ الإنكار عليه في ذلك؛ إذ الاستكثار من الطاعات مطلوبٌ شرعًا.

فالاجتهاد في خير أيام الدنيا «العشر الأول من ذي حجة» من هذا الباب نفسه، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»[14]؛ جليٌّ في الحثّ على ذلك.

٢. إنَّ العملَ الصالح يعظم ثوابُه في الأزمنة والأمكنة الفاضلة، فيُشرع للعبد أن يُكمِّله بالإخلاص وتجويد المتابعة، وأن يُكثر منه إذا كان مشروعًا على جهة الإطلاق؛ طلبًا لمضاعفة الأجر وعظيم الثواب. بل إنَّما شُرعت المواسم الفاضلة لهذا المعنى، وهو اغتنام أوقات الفضل بالإقبال على الطاعات والاستكثار من القُرَب.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم  يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها[15]؛ التماسًا لفضل ليلة القدر وعظيم ثوابها، فالاجتهاد في خير أيام الدنيا جارٍ على هذا الأصل نفسه.

٣. إنه يُشرَع للعبد أن يبذل وُسْعه في استثمار العشر واستيعاب أوقاتها بالعبادة؛ إذ هي موسمٌ عظيم، تُطلَب فيه مجاهدة النفس على الاستكثار من القُرَب فيها، ولذا كان سعيد بن جبير «إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يُقدَر عليه»[16]؛ تعظيمًا لفضلها، وحرصًا على اغتنام بركتها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلًا ونهارًا أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله»[17].

٤. إنَّ العبادات المشروعة، والأعمال الفاضلة التي يُمكن للعبد فِعْلها، أوسع مِن أن يستوعبها كلها في أيام العشر، فزمنها محدود وقدرته دون ذلك؛ ولذا كان ما يحسن بالعبد فِعْله أن يبدأ بالأصول العظام، فيعتني بإقامة الفرائض والواجبات، واجتناب المحرمات، وملازمة التوبة والاستغفار، ثم يُقبل بعد ذلك على ما شُرع في هذه العشر على وجه الخصوص؛ كالحج والعمرة، والتكبير المطلق، وصيام يوم عرفة لغير الحاج، والأضحية للقادر.

٥. إدراكُ أنَّ المنقول عن السلف من الأعمال والأحوال في هذه العشر أقلُّ من الأعمال المشروعة فيها؛ إذ المعتاد المعروف عمله لا يُذْكَر، إضافة إلى أنَّ كثيرًا مما يُروَى عنهم فيها لا يخلو إما من ضعفٍ في الثبوت، أو نكارةٍ في المتن تُخالف معهود الشريعة في أبواب ثواب الأعمال؛ لذا فإن المرجع في بيان المشروع في هذه العشر إنما هو النصوص الشرعية الصحيحة، لا مجرد الآثار المنقولة عنهم.

وعلى ذلك، فإن عدم نقل بعض الأعمال عن السلف في هذه العشر لا يدل على عدم مشروعيتها.

نماذج من أحوال السلف في هذه العشر:

لعل من أبرز أحوال السلف المنقولة عنهم في هذه العشر، ما يلي:

١. أداء مناسك الحج والعمرة والمتابعة بينهما؛ فالعشر هي وقت الحج المخصوص، وقد جاءت النصوصُ الكثيرةُ ببيان عظيم فضلهما، والترغيب فيهما، وبيان ما يترتب عليهما من تكفير الذنوب ورفعة الدرجات.

فمن ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»[18]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما: ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد»[19].

ولأجل هذا اعتنى السلف بالحج والعمرة، وأكثروا من المتابعة بينهما؛ امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعظيمًا لشأن هاتين العبادتين الجليلتين. فكان كثير من السلف يداومون على الحج والعمرة مراتٍ كثيرة؛ تعظيمًا لشعائر الله، وحرصًا على اغتنام موسمها المبارك، فجمع «الأسود بن يزيد بين ثمانين حجة وعمرة، وجمع عمر بن منصور بين ستين حجة وعمرة»[20]، وحج طاووس أربعين حجة[21]، وحج ابن عيينة سبعين حجة[22]، ومتابعة السلف بين الحج والعمرة امتثالًا لأمره صلى الله عليه وسلم  بذلك أمر مشتهر وفوق أن يُحْصَر.

وأما العمرة، فقد كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: «العمرة في العشر أحب إليَّ من العمرة بعد الحج»[23]، وعن أبي معن، قال: «رأيت جابر بن زيد، وأبا العالية اعتمرا في العشر»[24]؛ إدراكًا منهما لفضل الزمان، وحرصًا على مضاعفة العمل فيه.

٢. التكبير في المساجد والبيوت والطرقات والأسواق وسائر الأحوال، والإكثار من التهليل والتحميد.

والتكبير في العشر من أعظم شعائرها الظاهرة، ولهذا كان السلف يُظهرونه ويجهرون به في مجامع الناس وأسواقهم. فكان ابن عمر، وأبو هريرة: يخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكبّران، ويُكبّر الناس بتكبيرهما[25].

 وقد كان سادة التابعين يلهجون في أيام العشر: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد[26]، فعن ميمون بن مهران، قال: «أدركت الناس وإنهم ليكبّرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها»[27]، وقد جاء الحثّ على ذلك صريحًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم : «فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد»[28].

٣. قيام الليل، فإن السلف كانوا يجتهدون في إحياء ليالي العشر بالعبادة؛ حتى كان سعيد بن جبير يقول: «لا تُطفئوا سُرجكم ليالي العشر؛ تعجبه العبادة»[29].

٤. صيام تسع ذي الحجة؛ فإن الصيام من أجلِّ القُرَب وأعظمها أجرًا، وقد ورد في صيام هذه الأيام بخاصة، ما جاء عن بعض أمهات المؤمنين «أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يصوم يوم عاشوراء، وتسعًا من ذي الحجة»[30]، وفي رواية: «كان النبي صلى الله عليه وسلم  يصوم العشر»[31]، والمقصود بها -كما هو معلوم- التسع الأول؛ لأن يوم النحر لا يُصام إجماعًا.

 وعليه؛ فلا ينبغي الالتفات إلى مَن يدعو إلى ترك صيامها أو التزهيد فيه؛ فإن الصوم داخلٌ دخولًا أوليًّا في عموم العمل الصالح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»[32]، بل لو لم يرد في صيامها نصٌّ خاص، لكفى في استحبابه حثّ النصوص الثابتة على الصيام المطلق في سائر العام.

وأما ما جاء عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  صائمًا في العشر قط»[33]؛ فإنه لا يقوى على مقابلة النصوص الحاثّة على استحباب صيامها، يقول النووي في شرحه: «قال العلماء: هذا الحديث مما يُوهِم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يُتأوّل؛ فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا، لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة. وقد سبقت الأحاديث في فضله، وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه، يعني: العشر الأوائل من ذي الحجة»[34]، فيُتَأوّل قولها «لم يصم العشر»؛ بأنه لم يَصُمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر»[35].

وقد كان السلف يعتنون بصيام هذه الأيام التسع، ويجتهدون فيها؛ تعظيمًا لفضلها، وحرصًا على اغتنام بركتها، فكان ممن يصوم العشر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-[36]، وابن سيرين[37]، ومجاهد وعطاء[38]، وكان سعيد بن جبير يقول: «أيقظوا خدمكم يتسحروا لصوم يوم عرفة»[39]؛ لما يُرْجَى فيه من عظيم الأجر وجزيل المثوبة.

٥. الأضحية، فقد «ضحَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين»[40]، ولذلك اعتنى السلف بهذه الشعيرة، وحرصوا على إقامتها، والتقرب إلى الله بأطيب الأنعام وأحسنها. فقد قال أنس -رضي الله عنه، بعد أن ذكر تضحية النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين-: «وأنا أضحي بكبشين»[41]، وقال أبو أمامة -رضي الله عنه-: «كنا نُسَمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمِّنون»[42].

٦. الدعاء؛ فإنه من أعظم مقامات العبودية، وأجلِّ ما يظهر به افتقار العبد إلى ربه؛ لما يتضمنه من التذلل والانكسار، وإظهار الحاجة إلى الله تعالى، والاعتماد عليه وحده في جلب الخير ودفع الضر.

ويتعاظم شأن الدعاء في عشر ذي الحجة، لا سيما في يوم عرفة، فقد جاء في الحديث: «خير الدعاء: دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»[43]، قال ابن عبد البر: «وفيه من الفقه: أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره»[44].

٧. الصدقة، وهي من أجلِّ القربات وأعظم أبواب الإحسان، وهي في الأزمنة الفاضلة آكد استحبابًا وأعظم أجرًا؛ لأن شرف الزمان يزيد العمل شرفًا، قال الشافعية: «يُستحب الإكثار من الصدقة عند الأمور المهمة... والأوقات الفاضلة كعشر ذي الحجة وأيام العيد ونحو ذلك»[45]، وممن روي عنه التصدُّق في العشر: حكيم بن حزام -رضي الله عنه-؛ فقد «حضر يوم عرفة معه مائة رقبة، ومائة بدنة، ومائة شاة، فقال: هذا كله لله، فأعتق الرقاب، وأمر بذلك فنحر»[46].

ويقول ابن القيم: «قد دلّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم -على اختلاف أجناسها ومِلَلها ونِحَلها- على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خَلْقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استُجْلِبت نعم الله، واستُدْفِعَت نقمته، بمثل طاعته، والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه»[47].

٨. تعليم الناس أحكام المناسك والعبادات المتعلقة بالعشر، وقد كان السلف يعتنون بذلك عناية ظاهرة، فعن ابن أبي مليكة قال: «كان ابن الزبير -رضي الله عنهما- يُصلِّي الظهر، ثم يضع المنبر، فيجلس عليه في العشر كلها فيما بين العصر والظهر، فيُعلِّم الناس الحج»[48].

ومما يلتحق بذلك: تفقيه الناس بما يُشْرَع في هذه العشر والموسم من الأعمال الصالحة، وبيان أحكام الأضحية وآدابها؛ فإن تعليم الناس الخير من أعظم القربات، وأبقى الطاعات.

9. الاعتكاف، وهو من العبادات الجليلة التي يتحقق بها انقطاع القلب إلى الله تعالى، والإقبال عليه بالذكر والطاعة، والتخفّف من شواغل الدنيا وعلائقها.

وممن روي عنه الاعتكاف في العشر: الحافظ ابن عساكر، قال أبو المواهب: «لم أرَ مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر، والاعتكاف في شهر رمضان وعشر ذي الحجة»[49].

نسأل الله الكريم أن يُوفّقنا لاغتنام هذه الأيام الفاضلة، وأن يُعيننا فيها على ذِكْره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، مقبولة عنده، إنه جواد كريم.

والله الهادي.


 


[1] أزهار الرياض، للمقري: 1/ 21.

[2] انظر: التفسير البسيط، للواحدي: 23/ 485.

[3] صحيح البخاري، رقم: 962.

[4] سنن الدارمي، رقم: 1815، وصححه المحقق.

[5] صحيح مسلم، رقم: 348.

[6] صحيح مسلم، رقم: 1162.

[7] سنن أبي داود، رقم: 1766، وصححه الألباني والأرناؤوط.

[8] فتح الباري: 2/ 460.

[9] التبصرة، لابن الجوزي: 2/ 124، وقد روي هذا حديثًا، قال ابن رجب -في لطائف المعارف: 35-: وليس ذلك بمحفوظ.

[10] فتح الباري، لابن رجب: 9/ 17، وفي سنده ضعف.

[11] الضعفاء، لأبي زرعة: 2/ 551.

[12] حلية الأولياء، للأصبهاني: 6/ 200.

[13] انظر: من سؤالات الأثرم لأحمد بن حنبل، رقم: 32.

[14] جامع الترمذي، رقم: 757، وأصله في البخاري.

[15] انظر: صحيح مسلم، رقم: 1175.

[16] سنن الدارمي، رقم: 1815.

[17] الفتاوى الكبرى، لابن تيمية: 5/ 342.

[18] صحيح البخاري، رقم: 1773.

[19] سنن النسائي، رقم: 2630، وصححه الألباني.

[20] الثقات، لابن حبان: 4/ 31.

[21] انظر: صفة الصفوة، لابن الجوزي: 1/ 455.

[22] انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد: 5/ 497.

[23] المصنف، لابن أبي شيبة، رقم: 13044.

[24] المصنف، لابن أبي شيبة، رقم: 13041.

[25] انظر: صحيح البخاري: 2/ 20، هكذا معلقًا.

[26] أحكام العيدين، للفريابي، رقم: 62.

[27] فتح الباري، لابن رجب: 9/ 9.

[28] المسند، لأحمد، رقم: 5446، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف.

[29] حلية الأولياء: 4/ 281.

[30] سنن النسائي، رقم: 2372، وصححه الألباني.

[31] سنن النسائي، رقم: 2418، وصححه الألباني.

[32] جامع الترمذي، رقم: 757، وأصله في البخاري.

[33] صحيح مسلم، رقم: 1176.

[34] صحيح البخاري، رقم: 962.

[35] شرح النووي على مسلم: 8/ 71-72,

[36] انظر: لطائف المعارف، رقم: 262.

[37] المصنف، لابن أبي شيبة، رقم:9221.

[38] المصنف، لابن أبي شيبة، رقم:9222.

[39] حلية الأولياء: 4/ 281.

[40] صحيح البخاري، رقم: 1714.

[41] صحيح البخاري، رقم: 5233.

[42] صحيح البخاري: 7/ 100.

[43] جامع الترمذي، رقم: 3585، وحسنه الألباني.

[44] التمهيد، لابن عبد البر: 6/ 41.

[45] المجموع، للنووي: 6/ 237.

[46] المعجم الكبير، للطبراني، رقم: 3075.

[47] الجواب الكافي: 18.

[48] أخبار مكة، للفاكهي، رقم: 1795.

[49] تذكرة الحفاظ، للذهبي: 4/ 85.

أعلى