• - الموافق2026/02/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مجلس السلام في غزة الدور والمآلات

هل يُعدّ مجلس السلام في غزة مخرجًا اضطراريًا لوقف الإبادة وإعادة الحياة للقطاع، أم بداية مرحلة صراع سياسي وأمني جديد تتقاطع فيه حسابات أمريكا والاحتلال والمقاومة، وسط تباين عربي وتحفّظ أوروبي ومخاوف من فشلٍ يُعيد الانفجار؟


أخيرًا، وبعد عدة شهور من الحديث عنه؛ تم الإعلان عن مجلس السلام في غزة، والذي تم طرحه في إطار خطة ترامب ذات العشرين بندًا؛ لإيقاف حرب الإبادة الصهيونية في غزة، ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

فما هيكل المجلس وصلاحياته؟ وما الأدوار المنوطة به؟ وما حقيقة المواقف الإقليمية والدولية؟ ولماذا تتخوَّف بعض الدول منه وترفض المشاركة فيه؟ وهل يُمثّل هذا المجلس أفضل خيار متاح للفلسطينيين؟ وفي النهاية: ما فرص نجاح هذا المجلس؟

 

هيكلية مجلس السلام وبرنامجه

مجلس السلام في غزة هو هيئة دولية انتقالية، أُنشئت في إطار خطة السلام الأمريكية الشاملة لقطاع غزة، والتي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيقاف حرب الإبادة التي شنَّها الاحتلال الصهيوني، بعد اندلاع طوفان الأقصى في أكتوبر ٢٠٢٣م، بعد أن عجزت تلك المذابح عن إلحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية، وحَسْم الحرب لصالح الكيان الصهيوني.

وقد تم الإعلان عن هذا المجلس رسميًّا في يناير 2026م برئاسة ترامب، الذي كان حريصًا على إضفاء شرعية دولية عليه؛ من خلال استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025م، والذي رحَّب بإنشائه كآلية لدعم إدارة وإعادة إعمار غزة وإنعاشها اقتصاديًّا؛ بحسب التصريحات المعلنة.

وضَع مجلس السلام المزعوم أربعة أهداف يحاول تحقيقها:

١-بَسْط السِّلم الأهلي، عن طريق حلّ النزاعات العشائرية والفردية، ومنع الثأر أو الانفلات الأمني.

٢-الإشراف على المعابر، وذلك بتنسيق دخول المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية بالتنسيق مع الجهات الدولية.

٣-إدارة الموارد، بتوزيع المعونات بشكل عادل، وضمان وصول الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة للسكان.

٤-تمثيل غزة إقليميًّا، وذلك بالعمل كقناة اتصال مُؤقتة مع الوسطاء الدوليين والدول المانحة.

كما تتكون هيكلية المجلس من خمسة مستويات متعددة بحسب المعلومات المتاحة حتى الآن (فهناك تقلُّبات وتغيُّرات كثيرة).

هذه المستويات الخمسة لم يُعلَن عنها بشكل صريح في الوثائق الرسمية أو ميثاق المنظمة أو قرار مجلس الأمن 2803 في نوفمبر 2025م، بل استنتجناها من خلال التقارير والأخبار المنشورة.

إذن حديثنا يجري عن هيكل هرمي متعدّد الطبقات:

المستوى الأول: يضم مجلس السلام الرئيسي، ويتكون من قادة دول وحكومات، فدُعِيَ إليه عشرات القادة، لكن العدد الفعلي المشارك أقل بكثير، ويتراوح بين 15- 30 دولة تقريبًا، ويرأسه ترامب مدى الحياة، حتى لو لم يَعُد رئيسًا.

علمًا أن العضوية الدائمة للدول في المجلس لها شروط؛ منها: مساهمة مالية كبيرة تبلغ مليار دولار بحسب بعض التقارير الأمريكية، وأن تكون مؤقتة 3 سنوات.

والمستوى الثاني: هو المجلس التنفيذي التأسيسي، الذي يُركّز على الدبلوماسية والاستثمار، ويضم أعضاء بارزين مثل: وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الأمريكي الخاص ورجل الأعمال ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، وآخرين بعضهم من رجال الأعمال أو الدبلوماسيين.

والمستوى الثالث: هو المجلس التنفيذي لغزة الذي يختص بالإدارة الميدانية، ويضم ممثلين من دول عربية مثل مصر والإمارات وقطر وتركيا، بالإضافة إلى بعض أعضاء المجلس الرئيسي.

أما المستوى الرابع، فيقتصر على مُمثّل أعلى على الأرض في غزة، وتمَّت تسمية الدبلوماسي البلغاري السابق في الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف، لهذا الدور.

وأخيرًا: مستوى لجنة وطنية فلسطينية لإدارة غزة، وهي لجنة تكنوقراطية فلسطينية غير سياسية، يرأسها الدكتور علي شعث، وتتولى الحكم اليومي المؤقت، وإعادة الخدمات، وبناء المؤسسات المدنية تحت إشراف المجلس.

وثمة حديث عن ما يمكن اعتباره مستوًى سادسًا، وهي قوة الاستقرار الدولية، والتي يُرمَز لها بـISF، وهي بمثابة طبقة إضافية منفصلة في الهيكلية الفعلية لمجلس السلام، رغم أن الوثائق الرسمية مثل ميثاق المجلس وقرار مجلس الأمن لا تُصنّفها كمستوى رسمي ضمن الهرم الإداري، بل كـكيان عملياتي يعمل تحت سلطة وإشراف مجلس السلام بشكل كامل.

تلك الهيكلية الخماسية أو السداسية تضمن عدة أمور لواضعيها:

منها: ضمان السيطرة الأمريكية المركزية، وبشكل شخصي لترامب، مما يمنع التشتُّت، ويضمن أن القرارات الإستراتيجية (نزع السلاح، التمويل، السياسات) تبقى تحت سيطرة أمريكا مباشرة، مع تجاوز جزئي للأمم المتحدة التقليدية.

ومنها أيضًا: الفصل بين الإستراتيجي والتنفيذي: فالمستويات العليا، الأول والثاني، للقرارات السياسية والمالية الكبرى والتنسيق الدولي، بينما المستويات السفلى من الثالث للخامس، للعمل الميداني والإدارة اليومية، مما يُقلّل المخاطر، ويسمح بمشاركة دول عربية وإقليمية دون مَنْحها سلطة قرار حقيقية.

ومنها: إشراك الدول العربية والإسلامية بشكل محدود ومشروط؛ فالمجلس التنفيذي لغزة يعطي دورًا ظاهريًّا لمصر وقطر والإمارات وتركيا (للتنسيق والدعم)، لكن تحت إشراف أمريكي الذي يُنسِّق مع حكومة الاحتلال، مما يشجِّع المشاركة المالية والسياسية دون السماح بتغيير الاتجاه العام، مثل رفض الوصاية أو تغيير شروط نزع السلاح.

ومنها: تجنُّب التعامل مع المقاومة مباشرة، وبالرغم من ذلك تم وضع الفلسطينيين في طبقة سفلية تكنوقراطية، ليُظهر حكمًا فلسطينيًّا ظاهريًّا، لكنه يُبقيهم تحت رقابة دولية كاملة، حتى يُنْجزوا ما أطلقوا عليه إصلاح السلطة الفلسطينية، وهو ما يُبَرِّر الوجود الطويل للمجلس، حتى 2027 أو أكثر.

ومنها: جذب التمويل الخاص والدولي، ولذلك سمحت هيكلة المجلس بمشاركة رجال أعمال، مثل كوشنر وويتكوف وغيرهم في المستويات العليا، مع شرط مساهمة مالية كبيرة (مليار دولار) للعضوية الدائمة، مما يُحوّل إعادة الإعمار إلى مشروع استثماري بدلًا من مساعدات أممية تقليدية.

وأخيرًا، فإن خروج هذا الهيكل بهذا الشكل، يُحقّق مرونة للتوسع المستقبلي؛ فالميثاق يصف المجلس كمنظمة عالمية للسلام في مناطق نزاع متعددة، وليست غزة فقط، فالهيكل الهرمي يسمح بتكييفه مع أزمات أخرى دون تغيير جذري.

هذا هو مُخطّط المجلس من وجهة نظر صانعيه، وهم بالأساس صانعو القرار الأمريكي. ولكن ما الموقف الصهيوني والفلسطيني من هذه التشكيلة؟ وأيضًا: كيف نظرت الأطراف الإقليمية والدولية لذلك المجلس؟

الصهاينة والاحتواء

تثور شكوك كثيرة حول رؤية رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتانياهو إلى فكرة مجلس السلام من الأساس، هل كان يريد وقف الحرب على غزة بالفعل لعدم قدرته على الحسم؟ أم أنه تم إجباره على وقفها بضغوط ترامب؟

وبالعودة إلى إدارة نتانياهو للحرب في غزة، فنجد أنه قد رفض مرارًا وقف إطلاق النار، معتبرًا أيّ توقف استسلامًا لحماس، ووعَد بنَصْر مُطلَق. ولكنّ تراجُعه جاء نتيجة عدة ضغوط كان يتعرَّض لها، هذه الضغوط مجتمعة أطبقت عليه وأجبرته على تغيير التعامل مع غزة.

تركزت هذه الضغوط في اتجاهين: داخلي وخارجي؛ ففي الداخل تمثّل في العجز عن تحقيق الأهداف العسكرية. ولعل هذا هو السبب الرئيسي لقبول نتانياهو بالصفقة، فالرجل أدرك، بشكل متزايد، عَجْز الجيش عن تحقيق أهدافه المعلنة، مثل القضاء على حماس، ومنع أيّ تهديد مستقبلي عبر الوسائل العسكرية وحدها. 

وقد واجَه نتانياهو تقارير مُحبطة من كبار العسكريين المحيطين به؛ حيث أقرّ الجنرال آيلاند (صاحب خطة الجنرالات) بعجز الكيان عن إخراج حماس من غزة أو إنهاء حُكمها، مشددًا على أن التحرُّك السياسي يمثل نجاحًا بنسبة أكبر بكثير من الضغط العسكري الذي لم يَعُد يُحقِّق شيئًا. 

كما حذَّر الجنرال المقرب من نتانياهو إسحق بريك من أن دولة الكيان في مرحلة انهيار اقتصادي واجتماعي، مؤكدًا أن التقارير حول تدمير أنفاق حماس كانت كذبة كبيرة، وأن حماس لا تزال تسيطر على معظم الأنفاق. 

أما الخارج الضاغط على نتانياهو، فقد تركّز بصفة أساسية في شخصية الرئيس الأمريكي ترامب.

فقد لعبت تصريحات ترامب دورًا حاسمًا، وبالرغم من تهديداته للمقاومة الفلسطينية، ولكن في المقابل فُهمت تهديدات ترامب ضد المسؤولين الذين ارتكبوا فظائع بأنها مُوجَّهة لنتانياهو أيضًا، وليس لحماس فقط.

ويؤكد أعضاء في الكنيست ومُحلّلون مُقرّبون من نتانياهو أنهم تعرَّضوا لما وصفوه بالاغتصاب السياسي، حين قبلوا مشروع ترامب وصفقته، وأن تهديدات الرئيس الأمريكي كانت تهدف أساسًا للضغط على الكيان. 

وفي هذا الإطار، تشير روايات صحفية إلى أن نتانياهو خضع في النهاية للضغط الخارجي المباشر، بعد مُكالمة من مبعوث ترامب ستيف ويتكوف، الذي ألزمه بالتوقيع.

ولذلك فإن قبول نتانياهو بوقف الحرب يُعتَبر مناورة سياسية، بينما على أرض الواقع يسعى إلى عرقلة التنفيذ الكامل.

ولذلك سينتهز نتانياهو الفرصة المناسبة لكي لا يُكمل مراحل الصفقة بالكامل، بانتظار ما ستُسْفر عنه خطة ترامب التي قد تمنحه ضوءًا أخضر بإكمال الحرب في حال إذا شعر ترامب بأن خطته قد فشلت، أو رحيل ترامب نفسه عن الرئاسة الأمريكية لأيّ سبب كان.

المقاومة الفلسطينية ومجلس ترامب

قبل وقف إطلاق النار، كانت المقاومة الفلسطينية قد وصلت إلى طريق مسدود.

صحيح أنها صمدت، ولم تسقط، بالرغم من فقدان غالبية قيادات الصف الأول السياسي والعسكري، ولكنّ الخسائر كانت هائلة في صفوف المدنيين المستمرة مِن قِبَل مجرمي الحرب في الكيان، والذين أحالوا غزة إلى أكوام من الركام.

كذلك تحولت ورقة القوة في يد المقاومة، وهم الأسرى لديها، إلى ذريعة صهيونية لاستمرار المذابح والإبادة الجماعية في حق أهل غزة.

فاضطرت المقاومة إلى قبول خطة ترامب للسلام، لوقف مذابح الفلسطينيين، ويكفي أن نعرف أن متوسط نسبة الشهداء من أهل غزة كانت ١٥٠ شهيدًا قبل سريان وقف إطلاق النار، وبعدها انخفض العدد إلى ستة شهداء.

وهذا الذي يُفسِّر مواقف المقاومة من مجلس السلام، والتي اتسمت بالحذر الشديد، بين الرفض الجزئي أو الكلي لجوانب أساسية فيه، مع قبول عملي محدود لجزء من الآليات الانتقالية لأسباب إنسانية وعملية.

تركزت مخاوف المقاومة وانتقاداتها الرئيسية، في مسألة نزع سلاح، وتحوّل المجلس إلى مجلس لحفظ أمن الاحتلال، عبر فَرْض نزع سلاح المقاومة دون نزع سلاح الكيان.

كذلك ترى المقاومة أن هناك إغفالًا من المجلس لجذور المشكلة والحقوق الفلسطينية الأساسية، مثل إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.

كما أن هناك مخاوف من الوصاية الخارجية، وإصرار من جانب المقاومة على رفض أيّ شكل من أشكال الانتداب أو الوصاية الأجنبية، خاصةً مع رئاسة ترامب مدى الحياة وصلاحياته الواسعة.

ولكنّ المقاومة، كما بينا، ترى أن خيار العودة للحرب مرفوض، وأنه مهما كانت الانتهاكات الصهيونية للهدنة، فإن هناك إصرارًا على ضبط النفس لتجنُّب المزيد من الإبادة الجماعية في حق أهل غزة، ولن تعطي المقاومة لنتانياهو الذريعة للعودة إلى الحرب مرة أخرى.

ولذلك اتجهت المقاومة إلى المواقف العملية، فأكَّدت التزامها بتسهيل عمل اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية لإدارة غزة، وأصدرت توجيهات بتسليم المؤسسات الحكومية، لكنّها تشترط، وَقْف الخروقات الصهيونية، والتي أدَّت إلى ارتقاء مئات الشهداء بعد الاتفاق، كما تُصِرّ المقاومة على فتح المعابر وإدخال المساعدات وإعادة الإعمار.

المواقف العربية والإسلامية

ولكن ما مواقف الدول العربية والإسلامية المُشارِكَة في مجلس السلام؟ وهل لها دور مؤثر في عمل هذا المجلس، أم أن دورها شكليّ ومجرد ديكور؟

تبدو مواقف الدول الرئيسية المشاركة في المجلس متباينة بحسب أهدافها وإستراتيجيتها في المنطقة، فبينما يرتكز موقف الإمارات على ضرورة وجود قوة دولية لنزع سلاح المقاومة،ط وذلك بحجة تجاوز الحجج الصهيونية لاستمرار القتال، ومِن ثَم تشجيع إدارة تكنوقراطية قوية لإعمار غزة، فهي ترى في المجلس فرصة لتقديم نموذج حكم مستقر بعيدًا عن الأيديولوجيات الحزبية، وترغب في دور ريادي في التمويل والإدارة.

أما المملكة السعودية، فيبدو موقفها أكثر توازنًا وضغطًا، فهي تربط مشاركتها الفعَّالة بوجود مسار لا رجعة فيه نحو الدولة الفلسطينية.

أما مصر، وهي أكثر الدول تأثرًا بالوضع في غزة؛ فدورها محوري بحكم الجغرافيا، وتنظر للمجلس من زاوية أمنية وقومية، وتُصِرّ على أن يكون للفلسطينيين، عبر السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها، الدور الأساسي، وإن كانت لا تُبْدِي موقفًا ضد حماس، وتتخوف من أيّ صيغة قد تؤدي إلى تهجير أو تصفية القضية.

بينما تبدو مواقف كلّ من تركيا وقطر تميل إلى ضرورة دَمْج كافة المكونات الفلسطينية، وضمان عدم عزل القوى التي لها ثِقَل على الأرض، مع التركيز على الجوانب الإغاثية والإنسانية.

ولكن هل دور هذه الدول يبدو مُؤثرًا أم في النهاية مجرد ديكور؟

هناك في الواقع وجهتا نظر:

فالقائلون بأنه دور مؤثر، ينظرون إلى قضية تمويل إعادة الإعمار وتكلفة القوات الدولية.

فالمجلس في نظر هؤلاء لا يمكن أن يخطو خطوة واحدة دون الأموال العربية، والخليجية تحديدًا. وهذا يمنح هذه الدول قوة الفيتو على أيّ قرار لا يخدم مصالحها أو يستفز الشارع العربي.

والمسألة الثانية التي تدعم الدور المؤثر للعرب هي قضية الشرعية، فبدون الغطاء العربي والإسلامي، سيظهر المجلس كقوة احتلال أجنبية أو وصاية أمريكية محضة، مما يجعله مع مرور الوقت هدفًا للمقاومة. لذا، وبحسب وجهة النظر تلك، فإن الدول العربية تملك مفتاح القبول الشعبي.

أما القائلون بأن الدور العربي والإسلامي هو دور شكلي، فينظرون من عدة جوانب:

أولها: جانب السيطرة على القرار، فاستعراض الهيكل التنظيمي للمجلس يشير إلى أن الرؤية الإستراتيجية والقرار الأمني الأعلى سيبقيان في يد أمريكا، وبتنسيق مع الكيان الصهيوني.

ويدعم هذا الاتجاه أن دور العرب في التمويل يقتصر على التنفيذ المالي لخُطَط وُضِعَت مسبقًا في واشنطن وتل أبيب، خاصةً في ملفات حساسة مثل نزع السلاح، وتغيير المناهج التعليمية.

كما أن طبيعة إدارة ترامب، قد تجعل مشاركة هذه الدول قسرية لتجنُّب صدامات سياسية مع أمريكا، مما يجعل دورها أقرب إلى تكميل الصورة وليس صانعًا لها.

موقف أوروبي مختلف

تميل المواقف الأوروبية إلى انتقاد ذلك المجلس والتخوُّف من أدواره المقبلة.

فألمانيا قالت: إنها تخشى أن يُقوِّض المجلس عمل الأمم المتحدة؛ لذلك رفضت الانضمام إليه.

والسويد رفضت الانضمام، وقالت: إن المجلس تقوده دولة واحدة، ولا يمكننا الانضمام للمجلس بصيغته الحالية.

وكذلك قالت بريطانيا: إنها لن تنضم لمجلس السلام، ولن تشارك فيه بصورته الحالية؛ لأنه يمنح الولايات المتحدة دورًا أُحاديًّا.

أما بلجيكا فقد رفضت الانضمام، واعتبرت أن المجلس تُخطّط له الولايات المتحدة ليكون بديلًا للأمم المتحدة.

كما أبدت إيطاليا تحفظات، ولم تُقرّر المشاركة أو الابتعاد.

وحتى الآن لم ترد كلّ من روسيا والصين على طلب ترامب منهما الانضمام للمجلس.

كما سحب ترامب دعوة كندا للانضمام للمجلس بسبب تحذير رئيس الوزراء الكندي العلني من انهيار النظام الدولي المبني على قواعد ترتبط قيادته التقليدية بالولايات المتحدة.

ولكن، هل جاءت المواقف الأوروبية الرافضة والمنتقدة للمجلس بسبب موقف مبدئي وأخلاقي؟ أم لحسابات سياسية أخرى؟

الحقيقة أن الموقف الأوروبي الرافض أو المنتقد للمجلس هو موقف براجماتي يمكن تقييمه من خلال عدة زوايا:

أولًا: الصراع مع إدارة ترامب، فهناك توتر تقليدي بين أوروبا وترامب حول التعددية الدولية، وأوروبا ترى في خطط ترامب الأحادية تهميشًا لدورها كلاعب دولي أساسي وشريك في الزعامة العالمية.

ثانيًا: الخوف من الفوضى. تخشى أوروبا أن يؤدي فشل هذا المجلس، إلى انفجار أمني جديد في غزة يؤدي لموجات هجرة كبرى نحو الشواطئ الأوروبية.

ثالثًا: مراعاة المصالح في المنطقة؛ فدول مثل فرنسا وإسبانيا تريد الحفاظ على علاقات جيدة مع العالم العربي والإسلامي، والتماهي التام مع خطة ترامب التي يَعتبرونها مُتحيّزة للكيان الصهيوني، قد يضر بمصالحها ونفوذها في الشرق الأوسط.

رابعًا: التمويل، فأوروبا ترفض أن يُطلَب منها دَفْع فاتورة الإعمار لمشروع لم تشارك في صياغته، أو لا تملك فيه سلطة قرار حقيقية.

في الحقيقة، بينما يتسلّح الأوروبيون بالمبادئ القانونية والأخلاقية في خطاباتهم المُعلَنة، إلا أن المُحرّك الأساسي هو الخوف من التهميش، ومن تداعيات فشل المشروع على أمنهم القومي، بالإضافة إلى رغبتهم في الحفاظ على حلّ الدولتين كخيار وحيد يضمن لهم دورًا سياسيًّا في المستقبل.

 مجلس السلام: التحديات والسيناريوهات المحتملة

رغم الزخم الأمريكي، يُواجه المجلس عقبتين أساسيتين قد تؤدي إلى انهياره أو تحوُّله لنسخة مشوهة.

العقبة الأهم والمصيرية، تتمثل في نزع السلاح؛ حيث يُصِرّ الكيان الصهيوني على أن المرحلة الثانية هي نزع سلاح المقاومة بالكامل، بينما ترفض المقاومة ذلك وتعتبره إعلان استسلام.

ولكن قبول حماس لخطة ترامب منذ البداية، ومِن ثَمَّ توقُّف القتال، كان يعني ضمنيًّا موافقة حماس على صيغة مُعيَّنة لنزع سلاحها.

في المقابل، يُغرقنا نتانياهو بتصريحاته، أنه لن يَمضي إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب إلا بعد تسليم المقاومة لسلاحها، فما تفسير ذلك الأمر ومآله؟

يمكن تفسير قبول حماس الضمني لخطة ترامب بأنها اتبعت تكتيك الغموض البنَّاء.

فحماس ترى أن الأولوية كانت، ولا تزال، وقف الإبادة، وهذا يقتضي القبول بالخطة كمخرج لوقف نزيف الدماء، وانسحاب الاحتلال من مراكز المدن والمحاور الرئيسية مثل فيلادلفيا ونتساريم.

وتُراهن حماس على أن المرحلة الثانية التي تتضمن نزع السلاح، هي عملية سياسية مُعقّدة قد تستغرق سنوات من التفاوض، مما يمنح الحركة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة البناء.

كذلك تناور حماس بأن نزع السلاح لا يمكن أن يتم إلا في إطار جيش وطني مُوحَّد لدولة فلسطينية كاملة السيادة، وهو أمر يَعرف الجميع أن الكيان لن يعترف به، مما يجعل شرط نزع السلاح معلقًا إلى الأبد.

وأيضًا تجادل بعض الأطراف الوسيطة كالأتراك في أن هناك إشارات من الجانب الأمريكي لهم على نوعية السلاح الذي تُسلّمه المقاومة، وأنه يمكن أن يقتصر على الأسلحة الثقيلة كالصواريخ، ومِن ثَم عدد ذلك السلاح وكميته.

أما تفسير موقف نتنياهو، فيتمحور حول البحث عن ذريعة للتعطيل، والعودة لحرب الإبادة، وتصريحاته المتكررة حول نزع السلاح ليست حرصًا على الخطة، بل هي لغم يضعه في طريقها لعدة أسباب؛ منها: الهروب من الثمن السياسي، فالمرحلة الثانية تتطلب استحقاقات سياسية لا يريد نتنياهو دفعها، لذا يرفع سقف المطالب، وهو يعلم أنها مَطالب غير قابلة للتنفيذ حاليًّا، ليُحمِّل حماس مسؤولية إفشال الاتفاق.

ولكن ما مآلات هذا التعارض؟

هذا الانسداد في المرحلة الثانية قد يؤدي إلى السيناريوهات التالية:

سيناريو الجمود الطويل، وفيه يتوقف تنفيذ الخطة عند حدود المرحلة الثانية لسنوات، وتصبح غزة في حالة لا حرب ولا سِلْم؛ حيث تحتفظ المقاومة بسلاحها تحت الأرض، ويدير مجلس السلام شؤون الناس فوق الأرض، مع استمرار المناوشات المحدودة.

وهناك سيناريو الصدام المؤجل، وفيه يقوم ترامب بالضغط على نتنياهو لتجاوز شرط نزع السلاح مؤقتًا والانتقال للإعمار، مقابل ضمانات أمنية تقنية، مثل رقابة دولية على المعابر لمنع التهريب.

وأخيرًا، سيناريو الاختبار الأمني، الذي يلجأ فيه مجلس السلام لمحاولة إغراء الفصائل بدمج عناصرها في قوة أمنية مدنية برواتب وضمانات دولية، في محاولة لتفكيك بنية المقاومة بطريقة ناعمة بدلًا من نزع السلاح بالقوة العسكرية، وهو ما ستعتبره المقاومة أخطر أنواع التهديد.

 

أعلى