كيف قدّم الإسلام رؤية متوازنة لعمل المرأة، تجمع بين القِوامة والتكريم، وحرية الكسب المشروع، دون أن تُفكّك الأسرة أو تُحمِّل المرأة أعباءً تناقض فطرتها ودورها الحضاري؟
جاءتني سائلةً تَستفسر عن حقِّها في الكسب، وقد أثار ما تراه في العالم حولها
شجونًا وتساؤلات، فكان هذا الجواب لها ولكلّ باحثةٍ عن الحقيقة:
يا أختي: يا ابنة الإسلام التي تفتَّحت في بستان الحياة! تسألينني عن
«العمل
وعن المعاش، وعن السعي في مناكب الأرض»،
وقد رأيت بريق
«التحرُّر»
الغربي يخطف الأبصار، ورأيت المرأة هناك قد خرجتْ من خِدْرها، تُزاحم الرجل كتفه
بكتفها، وتنافح عن لقمة العيش بظُفرٍ وناب، حتى غدا البيت في تلك الديار خاويًا على
عروشه، لا روح فيه ولا سكن.
لقد قرأتُ في كتاب الحياة، وتأملتُ فيما نُقِلَ إلينا من أحوال القوم، فرأيت عجبًا.
رأيت نظامًا اجتماعيًّا هشًّا، واهيًا كبيت العنكبوت، يُبْنَى العُشّ فيه ليُهْدَم
عند أول عاصفة. لقد أخرجوا المرأة من مملكتها بدعوى
«المساواة»،
فأرْهَقُوها بشقاء الكسب، وحَمَّلوها همّ الدرهم والدينار، حتى إذا عاد الزوج إلى
بيته لم يَجد تلك السُّكْنى التي تَمْتصّ عناء يومه، وإذا عاد الأطفال لم يجدوا
صدرًا حانيًا يتلقّفهم، بل وجدوا أُمًّا كادحةً، قد نال منها التعب ما نال،
واستنزفت
«الوظيفةُ»
رحيق أمومتها[1].
لقد تفكَّك خيط الأسرة هناك؛ فلا الزوج بقي ذلك الوفِيّ الذي يحمي ويكفي، ولا
الزوجة بقيت تلك الودود التي تُربّي وتبني، فكَثُر الطلاق، وضاع النسل، وصار كل
فردٍ في الأسرة جزيرةً منعزلةً لا يربطها بالآخر إلا سقفٌ باردٌ وجدرانٌ صامتة.
ولكن، مهلًا يا أختاه... هل يعني هذا الرفض لنموذج الغرب أنّ الإسلام قد سدّ عليك
الأبواب، وحبسَك بين أربعة جدران، وحرَّم عليك رغيف خبزٍ تكسبينه بيدك الشريفة؟ هل
الإسلام دين بطالةٍ للمرأة، ودين عملٍ للرجل؟
حاشا لله! وكيف ذلك وشريعتنا هي شريعة الحياة؟ إنّ الإسلام قد وضع الأمور في
نصابها؛ فجعل
«القوامةَ»
والإنفاق واجبًا على الرجل، تكريمًا لكِ لا تقليلًا من شأنكِ، لكي تبقي
«مَلِكة»
مُصانة، لا يُذِلُّك السؤال، ولا يُرْهِقك الطلب. أبوك يسعى لك قبل الزواج، وزوجك
يكدح لأجلك بعده، وأولادكِ من بعده.
بيد أنّ هذا
«التكريم»
لا يعني
«التحريم».
فإن دعتك الحاجة، أو رغبت في نفعٍ مباح، ولم تُضيِّعي واجب مملكتك (بيتكِ)، ولم
تَهتكي سِتْر حيائكِ، ولم تُخالطي الرجال مُخالطةً تخدش العفاف؛ فالطريق ممهدٌ،
والباب مفتوح، بل ومُشرعٌ على مصراعيه[2].
تعالي معي... تعالي نُقلِّب صفحات التاريخ المُشرق، لا لنقرأ
«نصوصًا»
جامدة، بل لنرى
«صورًا»
حيةً لنساءٍ مؤمنات، كُنّ عابداتٍ قانتات، وكُنّ في الوقت ذاته كاسبات عاملات.
صُوَر من سوق المدينة
ألم يَطْرق سمعك خبر الشفاء العدوية -رضي الله عنها-؟ تلك الصحابية الجليلة،
العاقلة اللبيبة، لم تكن حبيسة دارها، بل كانت تبيع العطر وتُتاجر فيه. ونقلت لنا
كتب السِّيَر أنها كانت ذات رأيٍ ومشورة، حتى ولَّاها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-
شيئًا من أمر السوق والحسبة[3].
وتلك أسماء بنت مخرمة -رضي الله عنها-، كانت تأتيها العطور من اليمن، يرسلها لها
ابنها عبد الله بن أبي ربيعة -رضي الله عنه-، فما كانت تكسل ولا تتواكل، بل كانت
تبيعها، وتقبض الثمن، وتكتب ديونها في القراطيس، فكانت
«تاجرةً»
بميزان عصرنا، تُدير مالها بحكمة، ولكنها حافظةٌ لحدود الله، لا تبرج ولا خضوع
بالقول.[4]
بل انظري إلى أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله عنها-، كيف اشترت
«بريرة»
وأعتقتها. والبيع والشراء صنوان؛ فمن اشترى فقد دخل السوق، ومن باع فقد دخل السوق.
وقد أجمع فقهاؤنا -رحمهم الله- على أنّ
«أهلية
التصرُّف»
لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة؛ فكل عاقلٍ بالغٍ له أن يبيع ويشتري، رجلًا كان أو
امرأة[5].
بين النخيل والزروع
وإن مللتِ ضوضاء السوق، فانظري إلى الحقول والبساتين... هل حُرِّمت خضرتها على
النساء؟ هذا سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، القائد العظيم، والمربي
الحكيم، يمرّ بوادي القرى، فيرى امرأةً في حديقتها، لم ينهرها، ولم يقل لها
«عُودي
إلى خِدْرك»،
بل وقف -صلى الله عليه وسلم- يُقدِّر ثمر نخلها لزكاته، مُقِرًّا لها على عملها،
مُبارِكًا لجهدها.[6]
وهذه قصةٌ أخرى تهز الوجدان؛ قصة خالة جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-. امرأةٌ
طُلِّقت، وأرادت العفاف والكسب، فخرجت لتجذّ (تقطف) نخلها. فرآها رجلٌ، فزجرها
ونهاها، كأنما ارتكبت إثمًا! فحزّ ذلك في نفسها، وذهبت تشكو إلى الملاذ الآمِن، إلى
النبي -صلى الله عليه وسلم-. فماذا قال لها؟ هل وافقَ الرجلَ؟ كلا! بل قال بصوت
الرحمة والتشريع: «بَلَى،
فَجُذِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّك عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا».[7]
الله أكبر! إنه إذنٌ نبويٌ صريح، بل وتشجيعٌ كريم، بأن تضرب المرأة في الأرض
زراعةً واستثمارًا، لعل خيرًا يعود منها على المجتمع صدقةً ومعروفًا.
أنامل من ذهب
وحتى إن لم تكن لكِ تجارةٌ ولا زراعة، وكانت يداك تتقنان الصنعة، فلكِ في زوجة ابن
مسعود -رضي الله عنهما- أُسوةٌ حسنة؛ فقد كانت
«زينب»
ذات صنعةٍ يدوية، وكانت تنفق على زوجها الفقير (عبد الله) وعلى أبنائها. فلما سألت
النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أجرها، لم يقل لها
«اجلسي
وكفينا شرّ عملك»،
بل بَشَّرها بالأجر مرتين:
«لَك
أَجْر مَا أَنْفَقْت عَلَيْهِمْ»؛
أجر القرابة وأجر الصدقة[8].
وتلك امرأةٌ أخرى تأتي ببردةٍ (كساء) نسجتها بيديها، وتهديها للنبي -صلى الله عليه
وسلم-، فيقبلها ويلبسها. وتلك صحابياتٌ كُنّ يصنعن الخناجر للجهاد، ويعددن العُدَّة[9].
فالعمل اليدوي، والصناعةُ، والحرفةُ، من أشرف أبواب الكسب للمرأة، خاصةً في زماننا
هذا؛ حيث فتحت
«التقنية»
و«الحاسوب»
أبوابًا واسعةً للعمل من قعر البيوت، بعيدًا عن الاختلاط والابتذال.
أبوابٌ لا تُغلَق
وللشرع في كسب المرأة أبوابٌ واسعة، قد تغفل عنها الكثيرات:
1- الإجارة والوظيفة: فكما يجوز للرجل أن يؤجر جهده أو ماله، يجوز للمرأة. وقد نصّ
فقهاؤنا على جواز أن تأخذ المرأة أجرًا على
«الرضاعة»،
وهو عملٌ لا يشاركهنّ فيه الرجال! فإذا جاز هذا، جاز ما هو دونه من الوظائف؛ بشرط
أمن الفتنة، وإذن الولي، ومراعاة الأحكام[10].
2- الاستثمار المالي: وهو الباب الذكي؛ فليس شرطًا أن تعملي ببدنك لتكسبي. الإسلام
فتح لك باب
«المضاربة»
(أن تدفعي مالًا لمن يتاجر فيه، والربح بينكما)، وباب
«الشركة»،
وباب
«المزارعة»
كذلك. فالمال في الإسلام لا جنس له، ومال المرأة مُحترم مصون، تُنمّيه كيف شاءت في
الحلال[11].
حجابكِ... سرّ نجاحك
وهنا، يا أختي، يا ابنة الإسلام! قد يهمس شيطان العصر في أذنكِ:
«ولكنّ
الحجاب يعيق التقدم، وفصل الجنسين يُقلّل الفرص!».
ويا للعجب! إنّ الحقيقة -التي يثبتها العقل والواقع-، هي عكس ذلك تمامًا. إنّ
التزامنا بشرعنا هو الذي يفتح لك آفاقًا لا يجدها غيرك.
كيف؟ لو خلطنا الرجال بالنساء في كل وادٍ، لاكتفى المجتمع بالرجال في كثيرٍ من
المهن. ولكن، لأننا مجتمعٌ يغار، ويرعى الفضيلة، فنحن بحاجةٍ ماسةٍ إليكِ.
من ذا الذي يُطبِّب نساءنا ويكشف عليهنّ إلا الطبيبات العفيفات؟ إذن، الحجاب
أَوْجَد الحاجة لطبيبات.
من ذا الذي يُعلِّم بناتنا في المدارس والجامعات بمعزلٍ عن فتون الشباب؟ إذن، الفصل
أوجد الحاجة لمعلمات.
إنّ حياءَكِ واحتشامكِ هو الذي يخلق
«الطلب»
المهني عليكِ، لتكوني طبيبةً، ومعلمةً، وممرضةً، في محاضن طاهرةٍ نقية، تعملين فيها
براحةٍ وأمان، بلا تحرشٍ ولا نظراتٍ مريبة.
كلمةٌ أخيرة
يا ابنة الإسلام: إن الشريعة لم تأتِ لتُكبِّل الأيدي، بل لتصون الوجوه.
إن الإسلام لا يريدك
«آلةً»
في مصنع، تلهثين خلف الرغيف، وتنسين أنكِ سكن البيت وروح الأسرة. ولكنه في الوقت
ذاته لا يَرْضى لك العجز والكسل إن كنت قادرةً راغبة.
فأنت بالدين
«دُرّة»،
وبالقرار في البيت
«مَلِكَة»،
فإن خرجت للكسب الكريم فأنت
«قُدوة».
اجمعي بين الحسنيين: عفة مريم، وسعي أسماء. ولا يغرنَّك صخب الغرب عن هدوء الإسلام،
فذاك بريقٌ خادع، وهذا نورٌ ساطع.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على النبي الأمي وآله وصحبه
أجمعين.
[1] انظر: الندوي، أبو الحسن علي الحسني. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ ط25.
بيروت: دار ابن كثير، 1420هـ/1999م، ج1/155.
[2] انظر: الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع.
ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1406هـ/1986م، ج5/133.
[3] انظر: ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الزهري. الطبقات الكبرى. تحقيق: محمد عبد
القادر عطا. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1410هـ/1990م، ج8، ص290.
[4] انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى. المرجع السابق، ج8، ص300.
[5] صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه، حديث رقم
2231.
[6] سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب في خرص النخل، حديث رقم 1606.
[7] صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب جواز خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في
النهار لحاجتها، حديث رقم 1483.
[8] صحيح البخاري. كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، حديث رقم
1466.
[9] صحيح البخاري. كتاب اللباس، باب البرود، حديث رقم 5810. (والإشارة إلى صناعة
الخناجر مروية في مواضع متفرقة في كتب السير والمغازي).
[10] انظر: شيخ زاده، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي (المعروف بـ داماد
أفندي). مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر. ط1. بيروت: دار إحياء التراث العربي،
1998م، ج2، ص533.
[11] انظر: سحنون بن سعيد التنوخي. المدونة الكبرى (رواية عن عبد الرحمن بن القاسم
عن الإمام مالك بن أنس). ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1415هـ/1994م، ج4، ص38.