• - الموافق2026/10/12م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أحمد البدوي  بين الدين والسياسة

كيف تحوّل الارتباط الشعبي بأحمد البدوي والطريقة الأحمدية عبر التاريخ إلى مورد سياسي تستثمره السلطة، وما الذي جعل التصوف الشعبي أداة مناسبة لاكتساب الشرعية وحشد الجماهير وتوجيه التدين بما يخدم مصالح الحكم في مصر عبر العصور؟


في مدينة طنطا إحدى أشهر مدن دلتا مصر، ومع حلول شهر أكتوبر من كل عام تقع المدينة تحت وطأة أحد أكبر أحداثها؛ مولد صوفي ضخم، تَحضره الطرق الصوفية من كل ربوع مصر سهولها وأحدابها وحتى نجوعها، ناهيك عن اجتماع رجال الدين والدولة وخطباء ومشايخ من الأزهر وأعضاء هيئة كبار العلماء بجانب سفراء ومحافظين ووزراء ونواب برلمان؛ في خلطة عجيبة بجوار الآلاف من الناس وهم محشورون بين الأزقة والشوارع؛ يجتمعون على غناء وضجيج ودخان متصاعد.

كل ذلك تحت حماية ورعاية الدولة، وكأن إذنها لهكذا تجمُّع وحَشْد أكبر من أن يقف على أبواب رضاها، ليتجاوزه إلى مرحلة أخرى من الاستعمال والاستخدام؛ تحشيد كأنه إعلان شعبي بالولاء المُطلَق للسُّلطة، وتارةً أخرى للوقوف في الضد تجاه انتشار أنماط التدين التي لا يرضاها النظام، وتلويح للخارج أننا نُفَعِّل النموذج الذي ترونه من الإسلام.

هذا الاهتمام المبالَغ فيه من السُّلطة ليس بدعًا من الفعل في الوقت المعاصر، ولكنّه ديدن السابقين ممن حكموا البلاد، ورأوا أنهم في حاجة إلى تكأة من تديُّن شعبي يُشرعن لهم السلطان.

فالدولة المملوكية على سبيل المثال هي والبدوي كانا على موعد؛ فقد واجهت الدولة المملوكية في مصر منذ قيامها سنة 648هـ، حالةً من الرفض الشعبي؛ فهو نظام حكم قام على التغلُّب العسكري، لا على وراثة أو نَسب شريف، فالقوم كان عبيدًا، اشتراهم السلطان جنودًا للحروب وعساكر الجهاد، ثم فجأة وعلى وَقْع انقلابٍ دامٍ وجدوا أنفسهم في قصور السلاطين، فأصبحوا في حاجة ماسّة لشرعنة وجودهم، ووجدوا ضالتهم في تكايا الصوفية وزواياها، وخاصةً الطريقة الأحمدية التي لم تكن وصلت إلى ما هي عليه الآن، فقد وصل أحمد البدوي إلى طنطا سنة 634- 635هـ، أي قبل قيام دولة المماليك بأقل من خمسة عشر عامًا، وقضى بقية حياته حتى وفاته سنة 675هـ معاصرًا لمرحلة تأسيس الدولة المملوكية في مصر.

وعند وفاة البدوي، لم تكن طريقته الصوفية قد تبلورت بعدُ كمؤسسة منظَّمة؛ فالذي أسَّس البنية التنظيمية الفِعْلية هو خليفته الأول عبد العال، الذي عاش قرابة نصف قرن بعد شيخه، ووضع أُسُس الجذب والاستمرار التنظيمي حول الضريح في طنطا. وهذا يعني أن «مأسسة» الطريقة -أي: تحوّلها من المحدودية إلى كيان اجتماعي له زاوية ومريدون وطقوس- جرت بالتزامن مع تمدُّد الدولة المملوكية وتوطّد سُلطتها، لا في مرحلة سابقة عليها.

الدليل الأوضح على العلاقة العضوية بين السلطة المملوكية والطريقة الأحمدية هو جهود هؤلاء السلاطين المباشِرة في عمارة الضريح. فبعد أن كان الضريح زاوية بسيطة أقامها عبد العال حول القبر، اهتم السلطان الأشرف سيف الدين قايتباي أحد أقوى سلاطين العصر المملوكي بالمسجد وحوَّله من ضريح صغير إلى مسجد ضخم، وأنشأ حوله التكايا، وأغدق عليهم المال، وأنفق الصدقات على الفقراء من حول الضريح، وكأن عِظَم البنيان الحجري ألقَى ظلاله على عِظَم الكيان المجتمعي.

فلا عجب إذن أن تؤكد الأدبيات التاريخية عن الدولة المملوكية أن بناء المدارس وعمارة المساجد ورعاية الصوفية كانت من أهم الركائز التي عوَّض بها المماليك افتقارهم إلى شرعية النسب. 

هذا التكرار التاريخي بالاهتمام بالصوفية يكشف عن قاعدة بنيوية أعمق: كل سُلطة تفتقر إلى شرعية «طبيعية» كافية تميل إلى استثمار الشرعية الدينية الشعبوية. وفي هذا المعنى تبقى حالة أحمد البدوي والمماليك نموذجًا تأسيسيًّا مبكّرًا لفَهْم كيف تتحوَّل الشعبية الصوفية، عبر الوقف والعمارة والمولد واللقب، إلى رأسمال سياسي وأداة في يد الدولة.

اختيار الدولة عبر التاريخ للتيارات والطرق الصوفية بالتحديد لم يكن عشوائيًّا، بل جاء نتيجة دراسة براغماتية دقيقة لطبيعة هذه الطرق وبنيتها الاجتماعية والفكرية. كانت الصوفية تمتلك «مؤهلات» فريدة لا تتوفر في الحركات العلمية التقليدية أو التيارات الدينية أو الاجتماعية الأخرى، فهي هادئة ومادحة ومطيعة، مما جعلها الأداة المثالية لخدمة أهداف السلطة.

نستطيع القول: إن ما جرى بين المماليك والطريقة الأحمدية ليس حالة معزولة في تاريخ العلاقة بين السُّلطة والتصوّف، فالمسار نفسه يتكرّر على مر العصور، ولكن بصِيَغ مختلفة وصولًا إلى عصرنا الحاضر؛ المفتي بجانب الوزير، والعالِم بجانب السفير، والآلاف من الجماهير يتمايلون ويُصفّقون، وتظل سوق المصالح بين الأطراف مفتوحة، ما دام في الضريح رصيد يمكن استثماره، وفي الحشد قوة يمكن توجيهها.

 

أعلى