البيان/وكالات: أعلن ما يُعرف بـ“الثلاثي السيادي” في ليبيا، المكوَّن من مجلس النواب والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، التوصل إلى اتفاق يحدد يوم 27 فبراير 2027 موعداً لإجراء الانتخابات العامة في البلاد، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة إطلاق المسار السياسي المتعثر منذ سنوات. وبحسب البيان، يستند الاتفاق إلى القوانين الانتخابية المعتمدة سابقاً، بما في ذلك مخرجات لجنة (6+6)، مع الإبقاء على خيار الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة، وإحالة ملف الدستور إلى مسار حوار لاحق يُفترض أن يقود إلى صياغة نهائية لدستور دائم.
يأتي هذا الإعلان في سياق سياسي شديد التعقيد، يتسم باستمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وتعدد مراكز القوة العسكرية والسياسية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض بيئة انتخابية مستقرة. وبذلك، يبدو الاتفاق أقرب إلى إطار زمني لإدارة الأزمة وتمديد المرحلة الانتقالية، أكثر من كونه تسوية نهائية قابلة للتنفيذ في المدى القريب، خصوصاً أن سقف 2027 يعكس إدراكاً ضمنياً بصعوبة تهيئة الظروف الأمنية والقانونية في الوقت الراهن.
على المستوى الإقليمي، يبرز الدور المصري بوصفه أحد أهم محركات تثبيت هذا التفاهم، إذ تنظر القاهرة إلى الملف الليبي من زاوية أمنها القومي المباشر على حدودها الغربية، ما يدفعها لدعم أي صيغة تُبقي نفوذها في شرق ليبيا من خلال دعم خليفة حفتر وتجنب تمدد سيطرة الجماعات الإسلامية المدعومة من تركيا في الغرب. ويبدو أن هذا الدور لا يقتصر على الوساطة التقليدية، بل يتجه نحو هندسة توازنات سياسية تمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة، حتى لو كان ذلك عبر تسويات مرحلية تُبقي الوضع القائم دون حسم جذري.
في موازاة ذلك، تتزايد المؤشرات على وجود حراك أمريكي غير مباشر لإعادة صياغة المشهد الليبي عبر قنوات غير تقليدية، حيث يبرز اسم مسعد بولس في سياق جهود تُنسب إليه لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، ضمن مقاربة تقوم على إعادة توزيع النفوذ بين الشرق والغرب بدلاً من فرض تسوية شاملة فورية.
كما أن التحركات الأوروبية، وخصوصاً الفرنسية، تضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد، ويأتي استقبال صدام حفتر في باريس في هذا الإطار كإشارة سياسية إلى رغبة باريس في الحفاظ على قنوات مباشرة مع الفاعلين العسكريين المؤثرين في الشرق الليبي. ويعكس ذلك مقاربة أوروبية براغماتية تتعامل مع موازين القوة على الأرض باعتبارها عاملاً حاسماً في أي تسوية مستقبلية، حتى وإن كانت هذه القوى خارج الأطر السياسية الرسمية المعترف بها دولياً.
هذا التداخل بين الأدوار المصرية والأمريكية والأوروبية يشير إلى أن اتفاق 2027 لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق إقليمي ودولي أوسع يسعى إلى إعادة ضبط إيقاع الأزمة الليبية عبر إدارة التوازنات لا حلها جذرياً. فبينما تدفع القاهرة نحو استقرار سريع يحمي مصالحها ونفوذها ومشاريعها الاقتصادية داخل الشرق الليبي، تميل بعض الأطراف الدولية إلى صياغة مسار طويل الأمد يعيد توزيع النفوذ تدريجياً، وهو ما يخلق تبايناً في الرؤى حول سرعة وطبيعة الحل النهائي.
في الداخل الليبي، يعكس الاتفاق أيضاً حسابات الأجسام السياسية التي تسعى إلى تثبيت موقعها في المشهد وإطالة أمد المرحلة الانتقالية في ظل غياب توافق شامل على القواعد النهائية للانتخابات. فغياب آليات تنفيذ واضحة أو ضمانات ملزمة يجعل الاتفاق أقرب إلى إعلان سياسي مرن قابل للتأويل، ما يتيح لهذه الأطراف هامش حركة واسع لإعادة التموضع وفق تطورات المرحلة.
أما على المستوى الأمني، فإن استمرار تعدد القوى المسلحة وتداخل مناطق النفوذ يظل العقبة الأبرز أمام تحويل هذا المسار السياسي إلى واقع عملي. فالتجارب السابقة في ليبيا أظهرت أن أي اتفاقات سياسية تبقى رهينة موازين القوة على الأرض، وأن الفجوة بين النصوص السياسية والتنفيذ الفعلي غالباً ما تتسع مع مرور الوقت.
بناءً على ذلك، يمكن قراءة اتفاق فبراير 2027 بوصفه محاولة لإدارة الوقت السياسي وإعادة تنظيم المشهد أكثر من كونه خارطة طريق نهائية نحو الانتخابات. فهو يمنح الأطراف الحالية مساحة إضافية لإعادة التموضع داخلياً وخارجياً، ويعكس في الوقت ذاته تداخلاً إقليمياً ودولياً معقداً يسعى إلى ضبط الأزمة دون الدخول في مغامرة إعادة تأسيس شاملة للدولة في المدى القريب.