البيان/متابعات: أعاد مقتل سيف الإسلام القذافي، في ظروف غامضة لا تزال قيد التحقيق، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد الليبي، وسط تضارب في الروايات حول كيفية تنفيذ العملية والجهة التي تقف خلفها. ولم يقتصر الجدل على الجانب الأمني، بل امتد إلى البعد السياسي، في ظل ما كان يمثله الرجل من تحدٍّ مباشر لتوازنات قائمة منذ عام 2011.
وجاءت حادثة مقتل سيف الإسلام في وقت كان فيه اسمه حاضرًا بقوة في النقاشات المرتبطة بمستقبل السلطة في ليبيا، سواء عبر المسار الانتخابي أو من خلال أي تسوية سياسية محتملة. ومع غياب نتائج رسمية حاسمة حتى الآن، يرى مراقبون أن اغتياله لا يمكن فصله عن موقعه الإشكالي داخل المعادلة السياسية، بوصفه أحد أبرز الوجوه القادرة على إعادة خلط الأوراق.
يُعدّ «معسكر فبراير» التسمية الأوسع التي تُطلق على الطيف السياسي والعسكري الذي تشكّل بعد عام 2011، ويضم قوى وشخصيات تعتبر عودة رموز النظام السابق، وعلى رأسهم سيف الإسلام القذافي، تهديدًا مباشرًا لشرعية المسار الذي أعقب إسقاط النظام.وفي نظر هذا المعسكر، لم يكن سيف الإسلام مجرد منافس سياسي، بل رمزًا قادرًا على استقطاب قاعدة اجتماعية وقبلية، وتقديم خطاب نقدي لمرحلة ما بعد 2011، وهو ما جعل حضوره المحتمل مصدر قلق دائم، خاصة مع اقتراب أي استحقاق انتخابي.
اتخذ الصراع بين سيف الإسلام و«معسكر فبراير» أبعادًا متعددة، شملت محاولات إقصائه سياسيًا عبر المسارات القانونية، ومنعه من الترشح، إلى جانب حملات تشكيك متواصلة في شرعيته. وفي المقابل، اعتبر أنصاره هذه الإجراءات أدوات إقصاء سياسي أكثر من كونها مسار عدالة انتقالية.
ورغم عدم تسجيل خصومة علنية مباشرة بين سيف الإسلام القذافي وقائد قوات الشرق خليفة حفتر، فإن العلاقة بين الطرفين اتسمت بتنافس سياسي غير معلن. فقد مثّل سيف الإسلام مشروعًا سياسيًا مدنيًا يستند إلى قاعدة اجتماعية ورمزية مرتبطة بالدولة السابقة، في مقابل مشروع حفتر القائم على النفوذ العسكري والسيطرة الميدانية.
ويرى مراقبون أن أي صعود محتمل لسيف الإسلام عبر المسار السياسي كان من شأنه إرباك حسابات معسكر الشرق، وتقليص هامش احتكار القرار السياسي والأمني، لا سيما في المناطق الوسطى والجنوبية. كما أن الصمت المتبادل بين الطرفين عكس إدراكًا لحساسية التوازنات، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
لم يكن سيف الإسلام بمنأى عن الخلافات داخل المعسكر الموالي للنظام السابق، حيث برزت تباينات حول قيادته للمشهد، وتحالفاته، وطريقة إدارته للملف السياسي. وأسهمت هذه الانقسامات في إضعاف جبهته الداخلية، وجعلته أكثر عرضة للضغوط السياسية والأمنية.في ضوء هذا المشهد المعقّد، يربط محللون بين مقتل سيف الإسلام ومحاولات إغلاق ملف سياسي شائك قبل تحوله إلى تهديد فعلي لموازين القوى. ورغم عدم وجود اتهامات رسمية، فإن طبيعة الصراع مع «معسكر فبراير»، إلى جانب التنافس الصامت مع معسكر الشرق، تضع اغتياله في سياق أوسع من مجرد حادث أمني معزول.