البيان/متابعات: يشكّل الموقف الذي أعلنه السيناتور الجمهوري البارز ليندزي غراهام، الداعي إلى البدء الفوري في خفض المساعدات العسكرية الأميركية للدولة العبرية، علامة فارقة في مسار الخطاب السياسي الأميركي تجاه هذا الملف الذي ظلّ لعقود خارج نطاق الجدل الحقيقي. فصدور هذه الدعوة عن شخصية عُرفت تاريخيًا بدفاعها الصلب عن الدعم غير المشروط، يمنحها وزنًا يتجاوز كونها تصريحًا عابرًا، ويضعها في سياق تحوّل أعمق في أولويات السياسة الأميركية الداخلية والخارجية على حد سواء.
جاءت تصريحات غراهام ردًا مباشرًا على حديث رئيس وزراء الدولة العبرية بنيامين نتنياهو عن سعي حكومته لإنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية خلال عشر سنوات، مستندًا إلى ما وصفه بتطور الاقتصاد والصناعات الدفاعية المحلية. غير أن هذا الخطاب، الذي أراد نتنياهو من خلاله إبراز استقلالية القرار العسكري وتعزيز صورة القوة، فتح في المقابل بابًا لم يكن مأمولًا داخل واشنطن، إذ وفّر ذريعة سياسية واقتصادية لتيارات محافظة باتت أكثر جرأة في التشكيك بجدوى استمرار الدعم المالي الخارجي.
يعكس موقف غراهام تحوّلًا ملحوظًا داخل الحزب الجمهوري، حيث لم يعد النظر إلى التحالفات الخارجية محكومًا فقط بالاعتبارات الأيديولوجية أو الاستراتيجية التقليدية، بل أصبح خاضعًا لمنطق الكلفة والعائد، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية المرتبطة بعجز الميزانية وتحديث القدرات العسكرية الأميركية. وبهذا المعنى، فإن الدعوة إلى خفض المساعدات لا تعبّر عن تراجع في الدعم السياسي بقدر ما تعبّر عن إعادة ترتيب للأولويات، ترى في تقليص الإنفاق الخارجي مدخلًا لتعزيز القوة الأميركية من الداخل.
في المقابل، تواجه الدولة العبرية معضلة مزدوجة. فمن جهة، تسعى إلى تقديم نفسها كشريك قادر على تحمّل أعباء أمنه دون اعتماد دائم على واشنطن، ومن جهة أخرى، تدرك أن المساعدات العسكرية الأميركية لا تقتصر على بعدها المالي، بل تشكّل ضمانة سياسية ورمزًا للالتزام الأميركي بأمنها وتفوقها العسكري النوعي. وعليه، فإن أي تراجع فعلي في هذا الدعم قد يحمل آثارًا استراتيجية تتجاوز الحسابات الاقتصادية، ويفتح الباب أمام إعادة تقييم أوسع لمكانة الدولة العبرية في الاستراتيجية الأميركية الإقليمية.
يأتي هذا التطور في سياق داخلي أميركي يتسم بتصاعد الاستقطاب حول دور الولايات المتحدة في العالم، وبروز تقاطع غير معلن بين تيارات جمهورية محافظة ماليًا، وأخرى ديمقراطية تقدمية تنتقد الدعم غير المشروط للدولة العبرية على خلفية الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية. ورغم اختلاف دوافع الطرفين، إلا أن التقاءهما المحتمل على مراجعة حجم ونوعية المساعدات قد يشكّل، على المدى المتوسط، عامل ضغط حقيقي داخل الكونغرس.
تقديريًا، لا يبدو أن واشنطن تتجه في المدى القريب إلى قطع المساعدات العسكرية أو إحداث تغيير جذري في السياسة القائمة، غير أن كسر «المحرّم السياسي» وفتح النقاش العلني حول هذا الملف يشير إلى بداية مسار مراجعة تدريجية. فالدعم الذي كان يُنظر إليه كمسلمة ثابتة بات اليوم موضوعًا للنقاش والتقييم، وهو ما يضع العلاقة الأميركية – الصهيونية أمام مرحلة جديدة تُدار فيها الحسابات بمنطق المصالح الباردة لا بالثوابت المطلقة.