• - الموافق2026/01/07م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الدولة العبرية .. مجتمعٌ قَلِق وقيادة مأزومة ومصير مجهول

يقدّم أحدث استطلاع صادر عن معهد الديمقراطية الصهيوني، ضمن مؤشر «الصوت الصهيوني»، قراءة كاشفة لتحولات المزاج العام داخل الدولة العبرية في مرحلة تتسم بتداخل الحرب مع الأزمات السياسية البنيوية

البيان/وكالات: يقدّم أحدث استطلاع صادر عن معهد الديمقراطية الصهيوني، ضمن مؤشر «الصوت الصهيوني»، قراءة كاشفة لتحولات المزاج العام داخل الدولة العبرية في مرحلة تتسم بتداخل الحرب مع الأزمات السياسية البنيوية. فالبيانات لا تعكس فقط مواقف ظرفية مرتبطة بالسابع من أكتوبر، بل تكشف عن تصدعات عميقة في الثقة والهوية والأمن والتوقعات المستقبلية، بما يشير إلى أزمة مركّبة تمس جوهر النظام السياسي والمجتمع في الدولة العبرية على حد سواء.

فعلى مستوى المساءلة السياسية، يتضح أن مطلب التحقيق في أحداث السابع من أكتوبر ما يزال حاضرًا بقوة في الوعي العام، إذ تؤيد غالبية الجمهور تشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضٍ، رغم تراجع نسبي مقارنة بالاستطلاعات السابقة. هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تراجع الرغبة في المحاسبة، بقدر ما يعكس حالة إنهاك سياسي وتكيّف قسري مع واقع الحرب المستمرة، إلى جانب محاولات السلطة التنفيذية إعادة ضبط سقف التوقعات الشعبية تجاه آليات المساءلة. وفي هذا السياق، تبدو قضية «قطر غيت» بمثابة نقطة تقاطع بين الفشل الأمني وأزمة النزاهة السياسية، حيث يعتقد أكثر من نصف الجمهور أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان على علم بعلاقات مستشاريه بقطر، وهو اعتقاد يترسخ بقوة داخل معسكري الوسط واليسار، بينما ينقسم اليمين حياله، ما يكرّس حالة الاستقطاب ويقوّض ما تبقى من الثقة برأس الهرم التنفيذي في الدولة العبرية.

ويتجاوز هذا التآكل في الثقة حدود شخص نتنياهو ليطال مجمل المنظومة السياسية، وهو ما يفسّر التحولات اللافتة في مواقف الرأي العام تجاه تشكيل الحكومات المقبلة. فاستعداد غالبية ناخبي المعارضة اليهودية للتعاون مع حزب «رعام»، سواء عبر إشراكه في الحكومة أو دعمه من الخارج، يعكس لحظة سياسية استثنائية، تُعاد فيها صياغة مفهوم «الشرعية» تحت ضغط الرغبة في إنهاء حكم اليمين أكثر مما هي نتاج قناعة راسخة بالشراكة السياسية مع العرب. وفي المقابل، يواصل معسكر اليمين، ولا سيما التيارات الدينية والقومية المتشددة، رفضه القاطع لأي شكل من أشكال هذا التعاون، بما يعمّق الانقسام ويُنذر بصراعات سياسية أكثر حدّة في مرحلة ما بعد الانتخابات داخل الدولة العبرية.

أما على صعيد الشعور بالأمن، فتُظهر البيانات صورة مزدوجة تعكس عمق الفجوة المجتمعية. فبينما يشعر معظم اليهود بأن العيش في الدولة العبرية بات أكثر أمانًا لهم، لا يشاركهم هذا الإحساس سوى أقلية من العرب، وهو تفاوت لا يمكن فصله عن اختلاف التجربة اليومية للأمن بين المجموعتين. ويتجلى هذا التباين أيضًا داخل المجتمع اليهودي نفسه، حيث يرتفع الإحساس بالأمان كلما اتجهنا نحو اليمين السياسي، وينخفض بشكل حاد لدى اليسار، ما يدل على أن الأمن لم يعد مفهومًا موضوعيًا موحدًا، بل بات قراءة أيديولوجية للواقع في الدولة العبرية.

ويأتي هذا كله في ظل تراجع ملموس في التفاؤل بمستقبل الأمن القومي، متأثرًا بتصاعد المخاوف من توسع المواجهة الإقليمية واحتمالات الانزلاق إلى صراع متعدد الجبهات. ورغم استقرار نسبي في مستويات التفاؤل المتعلقة بالديمقراطية والاقتصاد، إلا أن هذه المستويات تبقى منخفضة عمومًا، وتكشف عن شعور عام بانسداد الأفق الوطني. اللافت في هذا السياق هو الفجوة الواسعة بين اليهود والعرب في تقييم المستقبل، حيث يتفوق اليهود في جميع مؤشرات التفاؤل، ما يعكس استمرار اختلالات الانتماء والثقة داخل الدولة العبرية.

وفي موازاة ذلك، تتراجع القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها المساواة الجندرية، في سلم أولويات الجمهور، إذ انخفضت نسبة من يفضلون الأحزاب التي تضمن تمثيلًا متساويًا للمرأة مقارنة بالاستطلاعات السابقة. ويعكس هذا التراجع هيمنة الاعتبارات الأمنية على النقاش العام، فضلًا عن تصاعد تأثير التيارات الدينية المحافظة، التي تنظر إلى قضايا المساواة بوصفها مسألة ثانوية أو إشكالية.

أما عند استشراف عام ألفين وستة وعشرين، فتبرز مفارقة دالة على عمق الأزمة النفسية والسياسية، حيث يُبدي سكان الدولة العبرية تفاؤلًا أكبر بمستقبلهم الشخصي مقارنة بمستقبل دولتهم. وتتسع هذه الفجوة بشكل غير مسبوق داخل معسكر اليسار، الذي يكاد يفقد ثقته بقدرة الدولة العبرية على التعافي، في حين يحتفظ اليمين بهامش أعلى من التفاؤل الوطني، وإن كان هو الآخر يقدّم المصلحة الفردية على الرؤية الجماعية. وتبقى الفجوة اليهودية–العربية حاضرة هنا أيضًا، مع مستويات متدنية جدًا من التفاؤل لدى العرب حيال المستقبلين الوطني والشخصي.

خلاصة ما يؤكده إستطلاع الرأي،  أن الدولة العبرية، وفق هذه المعطيات، تقف أمام مرحلة تتسم بتآكل الإجماع، وتراجع الثقة بالقيادة، وانقسام عميق في تعريف الأمن والمستقبل. فالحرب لم تُنتج وحدة وطنية مستدامة، بل كشفت عن مجتمع يعيش قلقًا وجوديًا، ويفضّل النجاة الفردية على الرهان الجماعي، ما يضع النظام السياسي الصهيوني أمام اختبار صعب، إما إعادة بناء الثقة والتماسك، أو الانزلاق نحو أزمة طويلة الأمد تُدار بالأزمات لا بالحلول.

 

 

أعلى