البيان/متابعات: حذّرت تحليلات صادرة عن دوائر فكرية وإعلامية في دولة الاحتلال من أن العدوان الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو لا يُعدّ حدثاً استثنائياً أو معزولاً، بل يمثل نموذجاً قابلاً للتكرار ضد دول عدة، قد تكون من بينها “إسرائيل” نفسها، في ظل التحولات الجذرية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في النظام الدولي.
ووفق ما كتبه المحلل السياسي ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن عالم ترامب لا يعترف بسيادة الدول ولا يقيم وزناً للدبلوماسية، بل يقوم على منطق القوة المجردة، حيث يصبح “التمرد” على الإرادة الأميركية أو محاولة الظهور كـ“ندّ” سبباً كافياً للعقاب. ويرى برنياع أن اختطاف مادورو لم يكن بسبب فساده أو طبيعته الاستبدادية، بل لأنه أخطأ في تقدير موقعه في ميزان القوة الأميركي.
التحليل ذاته يذهب أبعد من فنزويلا، معتبراً أن المشهد الدولي الجديد، الذي يتشكّل على يد ترامب وبوتين وشي جين بينغ، يقوم على تقاسم النفوذ لا على القيم أو المبادئ، حيث تُمنح الأنظمة هامشاً واسعاً من القمع طالما لا تمس ما يُعرّف بأنه “مصلحة أمنية قومية” للقوى الكبرى. في هذا السياق، يحذّر برنياع من أن الاحتفاء في الدولة العبرية بقدرة ترامب على استخدام القوة ضد خصوم مثل إيران أو حلفائها قد يكون قصير النظر، إذ لا توجد ضمانة بأن هذا المنطق نفسه لن يُستخدم لاحقاً ضد تل أبيب أو قيادتها السياسية.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما طرحته البروفيسورة ياعيل شطيرنهل، رئيسة برنامج الدراسات الأميركية في الجامعة العبرية، التي رأت أن العدوان على فنزويلا يعكس استخفافاً عميقاً بالقانون الدولي، وأن الذرائع المعلنة، مثل مكافحة المخدرات، لا تصمد أمام سوابق أميركية واضحة، من بينها العفو الذي منحه ترامب لشخصيات مدانة بجرائم أكبر. ووفق شطيرنهل، فإن ما جرى في كاراكاس ليس سوى حلقة جديدة في تاريخ طويل من التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، التي بلغ عددها عشرات الحالات منذ نهاية القرن التاسع عشر، وغالباً ما خلّفت دماراً سياسياً واجتماعياً طويل الأمد.
التحليلان يلتقيان عند نقطة مركزية مفادها أن الولايات المتحدة، في عهد ترامب، تعود إلى نموذج إمبريالي صريح، حيث تُستخدم السياسة الخارجية كأداة للهروب من الأزمات الداخلية، سواء تعلّق الأمر بغلاء المعيشة أو أزمات سياسية وقضائية تضرب الإدارة الأميركية. وفي هذا الإطار، تصبح العمليات الخارجية “الاستعراضية” وسيلة لإعادة إنتاج صورة القوة، حتى لو جاءت على حساب القانون الدولي أو استقرار النظام العالمي.
بالنسبة للدولة العبرية، تكمن الخطورة كما تحذر هذه التحليلات في وهم الحصانة. فالدولة التي اعتادت التعامل مع واشنطن بوصفها مظلة حماية مطلقة، قد تجد نفسها في لحظة ما أمام رئيس أميركي لا يرى فيها سوى “دولة تابعة” يمكن الضغط عليها أو التدخل في شؤونها السياسية والقضائية إذا تعارضت مع حساباته. وعليه، فإن اختطاف مادورو لا يُقرأ فقط كرسالة ردع لخصوم واشنطن، بل كإنذار مبكر لحلفائها أيضاً، في عالم باتت تحكمه القوة وحدها، دون خطوط أخلاقية أو سياسية فاصلة.