البيان/صحف: تتقدّم العمليات الميدانية للدولة العبرية داخل سوريا بوتيرة تكشف عن تحول جوهري في قواعد الاشتباك بعد سقوط نظام بشّار الأسد، فالمشهد لم يعد مرتبطًا بضربات محدودة أو ردود فعل ظرفية، بل يبدو أقرب إلى مشروع استيطان عسكري استخباراتي داخل الجنوب السوري، تُدار تفاصيله عبر وحدات استطلاع وتوغّل تعمل في العمق ليلًا ونهارًا. هنا، يكتسب تقرير صحيفة جيروزاليم بوست أهمية خاصة، ليس لمجرد عرضه نشاط وحدات نسائية صهيونية على الحدود، بل لأنه يكشف عن فلسفة أعمق تقوم على تحويل الطائرات المسيّرة إلى سلاح جيواستخباراتي قادر على بناء بنك أهداف وتحديد خرائط نفوذ قبل التدخل المباشر.
خلال مرافقة الصحيفة لوحدة الاستخبارات 595، بدا واضحًا أن الدولة العبرية لم تعد تتعامل مع الحدود السورية بوصفها حاجز فصل، بل بوصفها فضاءً مفتوحًا للتمدد والتحكّم. فالمجنّدات الصهيونيات اللواتي شاركن في المهمات "س" و"د" و"ف" لا يعملن على مسافات آمنة خلف الخط، بل يتوغّلن على مستويات قد تصل إلى عدة كيلومترات داخل الأراضي السورية، باستخدام طائرات تكتيكية صغيرة قادرة على جمع معلومات دقيقة عن الأشخاص والبُنى الميدانية وحتى العادات اليومية. فالتحليق المنخفض يمنح مستوى وضوح يسمح ببناء نماذج حركة تفصيلية، أما الارتفاع فإنه يحفظ سرية المهمة ويحميها من الرصد. هذا التوازن بين الرؤية والاختفاء هو جوهر العقيدة الصهيونية الجديدة في العمق السوري.
التقرير يشير أيضًا إلى تضاعف عدد المسيّرات منذ الحرب الأخيرة على غزة، بحيث أصبح لكل قائد وأحيانًا لكل جندي أداة استطلاع مستقلة، ما يعني أن الدولة العبرية لم تعد تعتمد على وحدات نُخبة محدودة كما في السابق، بل تبني شبكة رؤية ميدانية واسعة تُغذي قرار القيادة لحظة بلحظة. هنا يصبح الجنوب السوري، بريف دمشق والقنيطرة والحدود الثلاثية مع الأردن، منطقة مراقبة رقمية مستمرة، تتحوّل فيها الصورة إلى قرار، والقرار إلى عملية عسكرية.
في الساعات الأخيرة، استشهد نحو عشرة مدنيين سوريين إثر قصف نفذته مروحيات تابعة للدولة العبرية على بلدة بيت جن بعد توغل بري أعقبه اشتباك واعتقال ثلاثة شبان. هذه الحادثة ليست شاذة بل حلقة في مسار تصعيدي بدأ منذ انهيار السلطة المركزية في دمشق، إذ تحوّل التوغّل المحدود إلى حضور منهجي وصل إلى تنفيذ إنزال عسكري في يعفور على مسافة عشرة كيلومترات فقط من العاصمة. ما يُفهم من هذا التسلسل أن الدولة العبرية لا تلاحق أهدافًا تكتيكية فحسب، بل تعيد تشكيل البيئة الجنوبية سياسيًا وأمنيًا استنادًا إلى فراغ القوة وتفتت البنية السورية وإلى صراع محاور محلي يتغذّى على الانقسام الطائفي.
يبدو الجنوب السوري اليوم منطقة جغرافية تتغير خرائطها من دون إعلان، حيث تملأ الدولة العبرية الفراغ الاستراتيجي وتستخدم التفكك الداخلي لإعادة ضبط ميزان النفوذ لصالحها. ما يجري ليس مجرد مراقبة، بل إعادة صياغة للحدود وللغة القوة، وربما تأسيس لواقع دائم إن لم يتشكّل رد استراتيجي مضاد يفرض الردع على قوة الاحتلال الصهيوني.