البيان/صحف: تبدو تركيا اليوم في موقع يسمح لها بتحويل التوتر بين روسيا والغرب إلى نافذة نفوذ ومكاسب اقتصادية، وهو ما يظهر جليًا في تمسّك أنقرة باستيراد الغاز الروسي رغم الضغوط الأمريكية، كما ورد في تقرير صحيفة فزغلياد الروسية التي تناولت انعكاسات العقوبات الغربية على موسكو وكيف ساهمت في تعزيز الدور التركي. فالتصريحات التي أدلى بها وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار والتي أكد فيها أن بلاده “لا تعتزم وقف شراء الغاز من روسيا” لم تكن مجرد ردّ بروتوكولي على الموقف الأمريكي الذي دعا دولًا منها تركيا إلى التخلي عن الطاقة الروسية، بل جاءت كتثبيت لمعادلة تراها أنقرة أكثر واقعية وأقل تكلفة من الدخول في مواجهة اقتصادية غير مضمونة النتائج.
التحليل المنشور في الصحيفة الروسية ينطلق من فرضية مفادها أن تركيا أحد أبرز المستفيدين من العقوبات المفروضة على روسيا، إذ تحولت عمليًا إلى معبر تجاري وطاقة بين موسكو والأسواق العالمية. وهذا الطرح يبدو قريبًا من الواقع، لكن قراءته بشكل متوازن تشير إلى أن أنقرة لا تتعامل مع الملف من زاوية الربح وحدها، بل تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز طاقة إقليمي قادر على التأثير في تدفقات الغاز إلى أوروبا واستثمار تلك الورقة سياسيًا عند الحاجة. فتركيا لا تمارس دور الوسيط الاقتصادي فحسب، بل توظّف علاقتها مع روسيا والغرب كأوراق تفاوض تتيح لها هامش حركة واسعًا في ملفات تمتد من الطاقة إلى صفقات الدفاع، ومن مستقبل عضويتها الأوروبية إلى توازنات سوريا والقوقاز.
ويبرز في تحليل فزغلياد حديث الخبير الروسي إيغور يوشكوف الذي شدد على أن تدفق الغاز بين البلدين لم يتوقف حتى في أشد مراحل التوتر السياسي، وهو مؤشر على أن المصالح الاستراتيجية تتقدم على الحسابات الظرفية. غير أن قراءة المشهد من منظور أوسع تكشف أن هذا الهامش التركي ليس مفتوحًا بلا حدود؛ فالقدرة على الاستمرار في استيراد الغاز الروسي وإعادة تدوير السلع بين روسيا والأسواق الدولية تبقى رهينة بمدى تشدد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات ثانوية قد تضيق مساحات المناورة مستقبلاً، كما أن مكانة تركيا كممر تجاري مربحة اليوم قد تتحول إلى نقطة ضغط إذا تغيّر ميزان القوى أو ارتفعت كلفة الموازنة بين موسكو وواشنطن.
وعليه، فإن تركيا لا تبدو مجرد مستفيد من أزمة الطاقة العالمية، بل لاعب يحسن إدارة الموازنة بين قوتين متصارعتين دون أن يعلن اصطفافًا كاملًا مع أي منهما. والمادة المنشورة في الصحيفة الروسية تعبّر عن ذلك من زاوية رؤية تمنح أنقرة دور الشريك الموثوق به في وجه الضغوط الغربية، غير أن الصورة الأكثر توازنًا تكشف أن تركيا تستثمر في الصراع دون أن تتحول إلى طرف فيه؛ فهي تستورد الغاز لأنها تحتاجه، وتعيد تصدير السلع لأنها تربح منها، وتحافظ على علاقتها مع موسكو لأنها ورقة نفوذ، لكنها في الوقت ذاته تبقي الباب مفتوحًا مع الغرب تحسبًا لأي منعطف جديد. تركيا، باختصار، لا تقف مع روسيا ولا ضد الغرب، بل تقف عند النقطة التي تتقاطع فيها المصلحة مع الفرصة، وحيث تكون الكلفة أقل والمكسب أكبر.