البيان/متابعات: تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة وسط أجواء سياسية وأمنية معقدة، حيث تراهن الدول الأوروبية على خروج الاجتماع بأقل قدر ممكن من الخلافات العلنية، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وطبيعة الدور الذي ستلعبه واشنطن داخل التحالف العسكري الأكبر في العالم.
ويرى تحليل نشرته صحيفة "كوميرسانت" الروسية للكاتب نيكولاي أميلين أن الأوروبيين لا ينتظرون من قمة أنقرة اختراقات كبرى بقدر ما يأملون في "قمة هادئة" تخفف حدة التوترات داخل الحلف، خصوصاً مع مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سبق أن وجّه انتقادات حادة للحلفاء بسبب مستويات الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء العسكرية.
وتتصدر ملفات زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، واستمرار دعم أوكرانيا، ومستقبل الالتزام الأمريكي بأمن القارة جدول أعمال القمة، وسط توقعات بأن يدلي ترامب بمواقف قد لا تنسجم بالكامل مع تطلعات العواصم الأوروبية، التي تخشى أن تتحول الضغوط الأمريكية إلى إعادة صياغة للعلاقة داخل الناتو.
ويشير التحليل إلى أن أنقرة تدخل القمة من موقع مختلف، مستفيدة من تنامي أهميتها الاستراتيجية داخل الناتو، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو تطور صناعاتها الدفاعية أو علاقتها الخاصة مع الإدارة الأمريكية.
ونقلت صحيفة "كوميرسانت" عن تقرير لـ"بلومبيرغ" أن أوروبا تدرك أهمية تركيا في المرحلة الحالية لسببين رئيسيين؛ أولهما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يمتلك قدرة على بناء قنوات تواصل مع ترامب في وقت تواجه فيه بعض القيادات الأوروبية صعوبة في إيجاد أرضية مشتركة معه، والثاني أن تركيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة مورداً مهماً للمعدات العسكرية للدول الغربية، مدفوعة بتطور صناعاتها الدفاعية والضغوط المتزايدة لتعزيز القدرات الأوروبية.
وتسعى أنقرة من خلال استضافة القمة إلى تعزيز موقعها داخل المنظومة الأطلسية، وإبراز قدراتها العسكرية والصناعية، إضافة إلى الدفع نحو معالجة الملفات العالقة مع بعض الحلفاء، وفي مقدمتها قضايا التعاون الدفاعي وتجارة السلاح.
ويرى مراقبون أن الهدوء سيكون الهدف غير المعلن للعديد من القادة الأوروبيين، إذ إن أي مواجهة علنية بين ترامب وبعض حلفائه قد تعمّق الانقسامات داخل الناتو في لحظة تواجه فيها أوروبا تحديات أمنية متزايدة.
ونقلت "فورين بوليسي" الأمريكية أن "قمة ناتو مملة هي بالضبط ما ينتظره الأوروبيون"، في إشارة إلى أن نجاح الاجتماع قد يقاس بقدرته على تجنب الأزمات وليس بإعلان قرارات تاريخية جديدة.
وتأتي هذه الحسابات في ظل قلق أوروبي متزايد من احتمال تقليص الولايات المتحدة لدورها العسكري في القارة، خصوصاً مع دعوات ترامب المتكررة لتحمل الحلفاء الأوروبيين مسؤولية أكبر عن أمنهم، ورفع إنفاقهم الدفاعي إلى مستويات أعلى.
في المقابل، لا تبدي روسيا تفاؤلاً تجاه نتائج القمة، إذ ترى موسكو أن التحالف الأطلسي يواصل تعزيز بنيته العسكرية في مواجهة روسيا.
ونقلت "كوميرسانت" عن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا قولها في الأول من يوليو/تموز إنه لا توجد في الوقت الراهن آفاق لاستئناف الحوار بين موسكو والناتو.
كما أشارت وكالة "رويترز" إلى أن البيان الختامي المتوقع للقمة سيتضمن وصف روسيا بأنها "تهديد طويل الأمد" لأمن واستقرار منطقة أوروبا الأطلسية، وهو ما يعكس استمرار التوتر بين الجانبين رغم الدعوات الدولية للحوار.
وتكشف قمة أنقرة عن مرحلة انتقالية يعيشها الناتو، حيث يحاول الحلف التوفيق بين ثلاثة مسارات متعارضة: الحفاظ على الالتزام الأمريكي، بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً، وتعزيز دور القوى الإقليمية داخل التحالف مثل تركيا.
وبينما تسعى أوروبا إلى منع حدوث شرخ سياسي مع واشنطن، تحاول تركيا تحويل موقعها الجغرافي والعسكري إلى نفوذ سياسي أكبر داخل الحلف. أما روسيا فتراقب القمة باعتبارها مؤشراً على اتجاهات المواجهة الأمنية المقبلة في القارة.
وعليه، فإن نجاح قمة أنقرة قد لا يُقاس بحجم القرارات المعلنة، بل بقدرتها على إدارة الخلافات الداخلية وتأجيل الانقسامات الكبرى داخل الحلف.