• - الموافق2026/05/11م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أنقرة والجزائر.. تحالف صاعد في قلب صراع المتوسط

تحمل زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تركيا أبعاداً تتجاوز كثيراً إطارها الثنائي المباشر، إذ تأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها حسابات الطاقة والجغرافيا السياسية وأمن المتوسط

 

البيان/متابعات: تحمل زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تركيا أبعاداً تتجاوز كثيراً إطارها الثنائي المباشر، إذ تأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها حسابات الطاقة والجغرافيا السياسية وأمن المتوسط وإعادة رسم النفوذ في أفريقيا، وهو ما يجعلها جزءاً من سياق أوسع يرتبط ولو بشكل غير مباشر بعقيدة الوطن الأزرق التي تتبناها أنقرة منذ سنوات لتعزيز حضورها البحري والاستراتيجي. فتركيا، التي وجدت نفسها في مواجهة محاور إقليمية سعت إلى تقليص نفوذها في شرق المتوسط، خاصة بعد تحالفات الغاز بين اليونان وقبرص ومصر بدعم أوروبي، بدأت منذ أعوام في توسيع مفهوم نفوذها من شرق المتوسط إلى فضاء أوسع يشمل شمال أفريقيا وغرب المتوسط والعمق الأفريقي، وهنا تبرز الجزائر باعتبارها شريكاً بالغ الأهمية. الجزائر تمتلك واحداً من أطول السواحل في المتوسط، وتعد مورداً رئيسياً للغاز إلى أوروبا في ظل تراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي بعد الحرب الأوكرانية، كما أنها تمتلك موقعاً محورياً يربط المتوسط بعمق الساحل الأفريقي، وهي معطيات تجعلها ذات قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة لأنقرة التي تسعى للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة وممر رئيسي بين آسيا وأوروبا.

العلاقات بين البلدين شهدت خلال السنوات الأخيرة قفزة لافتة، إذ أصبحت تركيا أحد أكبر المستثمرين الأجانب في الجزائر، مع وجود أكثر من 1400 شركة تركية واستثمارات تجاوزت 6 مليارات دولار، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين مستويات تقارب 6.5 مليارات دولار مع طموحات مشتركة لرفعه إلى 10 مليارات. وتبرز شركة توسيالي القابضة كأحد أكبر النماذج على هذا التوسع بعدما تحولت إلى لاعب رئيسي في قطاع الحديد والصلب داخل الجزائر، بينما تنشط شركات تركية أخرى في قطاعات البناء والبنية التحتية والطاقة والمنسوجات. بالنسبة للجزائر، فإن هذا التعاون يمنحها فرصة لتنويع شراكاتها بعيداً عن الهيمنة الأوروبية التقليدية، خصوصاً في ظل توتر متكرر في علاقاتها مع فرنسا، بينما ترى تركيا في الجزائر بوابة اقتصادية نحو أفريقيا وسوقاً واعدة للصناعات التركية.

البعد الأمني لا يقل أهمية عن الاقتصادي، فأنقرة تعمل على توسيع حضور صناعاتها الدفاعية في شمال أفريقيا بعد النجاح الكبير الذي حققته الطائرات المسيّرة التركية في عدة ساحات، والجزائر التي تمتلك واحدة من أكبر الميزانيات الدفاعية في أفريقيا تراقب هذا التطور باهتمام، خاصة مع تصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل بعد الانقلابات المتتالية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع النفوذ الفرنسي هناك. كما يشكل الملف الليبي أحد أهم دوافع التقارب، فتركيا تمتلك حضوراً عسكرياً وسياسياً مؤثراً في غرب ليبيا منذ اتفاقها البحري والأمني مع طرابلس عام 2019، وهو الاتفاق الذي اعتُبر أحد أبرز تطبيقات عقيدة "الوطن الأزرق"، بينما تنظر الجزائر إلى استقرار ليبيا باعتباره أولوية أمن قومي بسبب حدودها الطويلة معها، ما يخلق مساحة متزايدة للتنسيق بين البلدين رغم اختلاف أدوات التأثير.

كما لا يمكن فصل الزيارة عن التحولات الأوسع في أفريقيا، حيث تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي في القارة، فيما تمتلك الجزائر ثقلاً جغرافياً وسياسياً في شمال أفريقيا والساحل يجعلها شريكاً مهماً في هذا المسار. ويضاف إلى ذلك التقارب السياسي في ملفات إقليمية عدة، أبرزها الحرب على غزة، إذ يتبنى البلدان خطاباً داعماً للقضية الفلسطينية ومنتقداً لسياسات الدولة العبرية، ما يعزز مساحة التقاطع السياسي بينهما.

ورغم كل ذلك، لا يعني التقارب أن الجزائر تنخرط بالكامل في الرؤية التركية، فالسياسة الخارجية الجزائرية تقليدياً تقوم على الحذر وعدم الانضمام إلى المحاور الصلبة، كما تحرص على الحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي. لكن في المحصلة، تعكس زيارة تبون لأنقرة اتجاهاً واضحاً نحو بناء شراكة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والطاقة والأمن والتموضع الجيوسياسي، كما تمنح تركيا امتداداً مهماً في غرب المتوسط يخدم بصورة غير مباشرة بعض أهداف "الوطن الأزرق"، دون أن يعني ذلك وجود اصطفاف جزائري كامل داخل هذه العقيدة.

 

أعلى