هل تغرق سفينة ساحل العاج.. بالتنازع على الدفة؟!

هل تغرق سفينة ساحل العاج.. بالتنازع على الدفة؟!

 

   أخذت الأزمة السياسية في ساحل العاج منعطفًا خطيرًا بعد فرار اثنين وعشرين ألف مواطن من البلاد، ولجوئهم إلى الجارة ليبيريا سيرًا على الأقدام؛ هربًا من جحيم المصادمات إثر الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد بعد انتخابات نوفمبر الماضي.

وسجّلت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين فرار 22 ألف لاجئ من ساحل العاج عبروا الغابات، واستقروا في القرى الليبيرية المجاورة، ومعظمهم من النساء والأطفال من غرب ساحل العاج، وهم في حاجة ماسة إلى الغذاء والدواء، والمأوى، ومياه الشرب النظيفة، وطلبت المفوضية العون من منظمات الإغاثة؛ نظرًا لتزايد أعداد اللاجئين يومًا بعد يوم بمنطقة نيمبا الليبيرية.

ومن جانبهم، أعرب العديد من اللاجئين عن أسفهم لما يحدث في بلادهم، ومعظمهم من المزارعين البسطاء الذين هربوا في جنح الظلام؛ خوفًا من القوات المسيطرة على مناطق غربي ساحل العاج.

ملامح الأزمة:

أما واقع البلد الإفريقي ذي الرئيسين؛ فيشهد أزمة سياسية قد تُفضي إلى حرب أهلية أطلت بوادرها في مصرع نحو مائة شخص منذ 28 نوفمبر الماضي، حتى بدا ساحل العاج كالسفينة التي تكاد تغرق؛ بسبب تنازع قائديها على دفة القيادة.

رئيسان فائزان في انتخابات واحدة، وأعلن كل منهما أنه الرئيس الشرعي للبلاد؛ أحدهما فاز بعد أن أعلنت لجنة الانتخابات أنه حصل على 54% من الأصوات، بينما الآخر حصل على 48% من أصوات الناخبين، فصُعق الأخير من هول المفاجأة، ولجأ إلى مجلسه الدستوري الذي أبطل الانتخابات، وظل قابعًا في القصر الجمهوري محتميًا ببعض المرتزقة، وبالجيش الذي يدين له بالولاء.

وكأنك تعود إلى أزمنة الاستعمار الفرنسي، عندما ترى شرطة الرئيس المنتهية ولايته "لوران جباجبو"، وهي تطلق النار في العاصمة ياموسوكرو -التي تقع شمال العاصمة القديمة أبيدجان- على محتجين يطالبون بتنحي جباجبو، فيسقط  قتيل بين عشرات الجرحى –حسبما أفادت شبكة الجزيرة نت في السادس عشر من ديسمبر المنصرم-.

هذه الحالة الماثلة أمامنا اليوم في أبيدجان ما هي إلا انقلاب عسكري تزعمه لوران جباجبو الذي يتمتع بتأييد ما يُعرف بالمجلس الدستوري، وبحماية الجنرال فيليب مانجو قائد القوات المسلحة الذي أعلن ولاءه لجباجبو في أول ظهور له على شاشات التلفزة عقب إعلان نتائج الانتخابات.

ولا ينبغي أن نتناسى في هذا السياق الظروف التي أتت بـ"جباجبو" إلى سُدّة الحكم؛ حيث جاء في انتخابات 2000م التي شهدت جدلاً واسعًا واتهامات قوية بالتزوير، فضلاً عن استبعاد الحسن وتارا حينئذٍ بزعم أنه من أصول بوركينية، وليس من أصول عاجية؛ ذلك على الرغم من تمتعه بشعبية واسعة بين أهالي الشمال المسلم، وكذلك في أوساط غير المسلمين في الجنوب.

ويمكن القول: بأن وتارا يُعتبر حلم الأوساط المهمَّشة التي ذاقت الويلات من حكم جباجبو، كما أن الأخير ظل يماطل في إجراء الانتخابات لمدة خمس سنوات كاملة؛ حيث كان مقررًا لها أن تُجرَى في العام 2005م.

وتتباين المواقف السياسية بتباين الأقاليم العاجية، ففي مدينة بواكيه ذات الأغلبية المسلمة شمالي البلاد يسيطر على المشهد الفرح لفوز الحسن وتارا برئاسة البلاد، وسط اتهامات لجباجبو بالدكتاتور الذي سرق انتصار وتارا، والسكان هناك يحدوهم الأمل في انتهاء عقود من التهميش والاضطهاد والقتل خارج نطاق القانون، والمقابر الجماعية للمعارضين.

 وفي مشهد مغاير بالعاصمة الاقتصادية أبيدجان، تسيطر على المشهد قوات الجيش التي لا تفتأ تجوب الشوارع، وكأنها تقول للعالم من خلال كاميرات التلفزة: لا رئيس للبلاد إلا جباجبو، بل إنها صادرت شاحنات محملة بالطعام كانت في طريقها إلى فندق وتارا، وكأنها رسالة مفادها: لن تصلك لقمة عيش إلا أن يأذن فيها جباجبو. 

وبين المشهدين يقف ملايين العاجيين لا حول لهم ولا قوة ، ولا همّ لهم إلا استتباب الأمن، وحقن الدماء فحسب، وأن تزول الحقبة المظلمة التي عمد فيها جباجبو إلى قمع المعارضين، ودفنهم في مقابر جماعية.

 منطقة بانجلو تعرضت لهجوم المتمردين؛ ففرَّ الآلاف منها إلى جوكي ليجدوا فيها مأمنًا من أعمال العنف؛ فإذا بالمدينة هي الأخرى تشهد صراعًا بين قبيلة جولا التي ينحدر منها وتارا وقبيلة أخرى تؤيد جباجبو، ويتبرأ كلا الرئيسين من مسئوليته عن أحداث العنف.

ويعتمد جباجبو على سياسة طول النَّفَس، لاسيما وأن جميع التهديدات الدولية والإفريقية بالتدخل العسكري لإسقاطه وطرده من البلاد؛ لم تعدُ كونها تهديدات شفوية.

ولم يكترث "المجتمع الدولي" بدعوات وتارا إلى تشكيل قوة للعمليات الخاصة للقبض على جباجبو الذي يحتمي بطغمة لا تريد منه سوى الأموال الطائلة التي يخدمونه من أجلها، ويرى الرئيس المنتخب "الحسن وتارا" أنّ الحل الوحيد للأزمة العاجية هو استخدام القوة، مشيرًا إلى استنفاذ المحاولات السلمية عبر وسطاء أوربيين ، وأفارقة ، وأمريكيين ، وآن الأوان لتدخل قوات إيكواس.

وأوضح أنّ إسقاط جباجبو لن يتكلف سوى قوة خاصة قوامها 2000 إلى 3000 جندي مشيرًا إلى حدوث ذلك مرارًا في إسقاط أنظمة وعصابات إجرامية في دول أمريكا اللاتينية.

الموقف الخارجي:

الولايات المتحدة وفرنسا لهم مصالح تجارية ضخمة في بلاد الكاكاو التي توصف بأنها أكبر مصدر في العالم لهذه السلعة، لذلك فكلا الجانبين يريد الاستقرار في ساحل العاج، وكذلك موقف الاتحاد الإفريقي باعتباره مراقبًا للأمن في القارة.

وتخشى تلك القوى الكبرى من التدخل العسكري أن يؤدي ذلك لإشعال الحرب الأهلية من جديد، فتدخل المنطقة في دوامة من العنف والعنف المضاد ، فيصاب غرب القارة بالكساد؛ وتتأثر عائدات النفط المتدفق للولايات المتحدة من دلتا النيجر، وبطبيعة الحال ستتأثر كذلك صادرات الكاكاو والمحاصيل الزراعية الأخرى.

وأخيراً، يتصاعد التوتر بشدة بعد تجميد أرصدة جباجبو في الخارج، والمقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية الدولية لنظامه، واكتشاف ثالث مقبرة جماعية شاهدة على عقد كامل من القمع وجرائم الحرب، وإزاء ذلك يطالب جباجبو برحيل قوات الأمم المتحدة من ساحل العاج ، وهي التي يراهن عليها وتارا كي لا يميل ميزان القوة لصالح الرئيس المنتهية ولايته.

ويرى مراقبون أن إصرار جباجبو والطغمة المساندة له على البقاء في الحكم قد يرجع إلى تسترهم على فضائح مالية وجرائم إبادة جماعية تورطوا فيها خلال العقد المنصرم ، فإذا سقطت الحكومة التي يحتمون بها فإن المستور سيظهر بجلاء، وهم يرون أن نهايتهم المحتمة تكمن في كشف المخبوء.

 

 

أعلى