تقع قضية الحجاب في أذربيجان عند تقاطع الدين والسياسة وصراع الهوية؛ فمجتمعٌ تعرّضت ملامح هويته الإسلامية لمحاولات الطمس في العهد السوفيتي، يجد نفسه اليوم أمام سياسات علمانية تواصل إعادة رسم العلاقة بين الدين والدولة، وتضع حضور الإسلام في المجال العام موضع
في كثيرٍ من الأحيان؛
تتجاوز الأزمات الدينية في جوهرها الحدود الإدارية للقرارات الحكومية، لتغدو قراءة
عاكسة لتحولات الأنظمة ومدى تصالحها مع المكون الديني لشعوبها. وما تشهده جمهورية
أذربيجان اليوم إثر تشديد القيود على ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية ليس مجرد
نزاع إداري حول توحيد الزي المدرسي، بل هو تفجر لصراع أعمق بين نظام سياسي يحاول
هندسة العلمانية وفق منظور إقصائي صارم، ومجتمع مسلم متمسك بهويته الأصيلة يرى في
الحجاب حقًا دستوريًا ورمزًا للكرامة. هذه الأزمة تصنع لحظة فارقة تشهد على اختبار
للتوازن الاجتماعي الداخلي في باكو، في وقت تتشابك فيه حسابات الأمن القومي في
منطقة جنوب القوقاز مع التنافس الإقليمي بين أنقرة وطهران وتل أبيب.
شرارة الأزمة
تجلت شرارة الأزمة الراهنة
في خطة تشريعية وتنفيذية تدرجت السلطات في إحكام حلقاتها خلال العام الحالي؛ إذ
انطلقت بتعديل قانون التعليم العام لتضمين مبادئ العلمانية والوطنية فيه. وعقب ذلك
أصدر رئيس الوزراء علي أسدوف القرار رقم 309 الذي يفرض التزامًا صارمًا بالزي
المدرسي الموحد ويحظر إضافة أي قطع ملابس تتعارض مع مبدأ علمانية التعليم. ولم تقف
السلطات عند حدود الطالبات، بل وسعت دائرة الحظر بقرار آخر ليشمل الكوادر التعليمية
والمعلمات، وعلى الرغم من تجنب النصوص التشريعية التسمية الصريحة للحجاب، إلا أن
التطبيق الميداني جاء قاسيًا من قِبل إدارات المدارس التي ترجمت اللوائح فورًا إلى
حظر شامل لغطاء الرأس.
أحدث هذا التطبيق القسري
صدمة اجتماعية واسعة في مدن عدة كالعاصمة باكو وسومقاييت وجليل آباد. فقد مُنعت
الفتيات والمعلمات المحجبات من عبور أبواب المؤسسات التعليمية، مما أسفر عن مشاهد
إنسانية مؤلمة لطالبات يودعن مقاعد الدراسة بالدموع ومعلمات يُجبرن على ترك تدريس
تلاميذهن أو تغيير لباسهن. وفي مواجهة هذا العزل الإداري، أظهرت معلمات ومحجبات
ثباتًا لافتًا عبر نقل الحصص الدراسية وإنجاز الواجبات على الأرصفة وباحات المدارس
الخارجية تحت أعين الأمن. غير أن الرد الحكومي جاء أمنيًا عبر شن حملة اعتقالات
طالت نحو 37 شخصًا بتهمة الإخلال بالنظام العام. ولم تقتصر حركة الرفض على
المتضررات بشكل مباشر، بل امتدت لتشمل حراكًا طلابيًا واحتجاجات داخل المدارس
نفسها. فقد شهدت بعض المدارس مقاطعة جماعية للحصص الدراسية من قِبل الطلاب
والطالبات تضامنًا مع زميلاتهم ومعلماتهم المطرودات. ورفع المحتجون شعارات تؤكد أن
"الحجاب ليس عائقًا أمام التعليم".
جذور العلمانية
القسرية
إن الفهم العميق للاندفاعة
الحكومية الأخيرة نحو تقييد مظاهر التدين يتطلب العودة إلى الجذور التاريخية
للهندسة الاجتماعية في أذربيجان، والتي تشكلت بحدة تحت وطأة الإرث السوفياتي. فخلال
عقود الشيوعية، تعرض المجتمع الآذري لعمليات تجريف ثقافي وسياسات إلحاد منظمة
استهدفت المؤسسات الإسلامية. وعقب استقلال البلاد عام 1991م، تبنت النخبة الحاكمة
نهجًا علمانيًا متشددًا ينظر إلى مظاهر الصحوة الإسلامية بريبة أمنية بالغة.
ولا تُعد الأزمة الراهنة
حثًا مقطوعًا عن سياقه التراكمي، بل هي جولة جديدة من مواجهة ممتدة شهدتها البلاد
سابقًا. ففي الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2012م، حاولت وزارة التعليم فرض لوائح
مشددة للزي المدرسي تمنع الحجاب، مما أدى حينها إلى اندلاع مظاهرات عارمة. غير أن
النظام السياسي اضطر آنذاك للتهدئة والتراجع الضمني تحت ضغط الشارع. وتشير
التحليلات إلى أن الحكومة في باكو اعتبرت استعادتها للسيادة الكاملة على إقليم قره
باغ وتحقيق النصر العسكري فرصة ذهبية لترسيخ شرعيتها السياسية وتثبيت قبضتها
الأمنية. لقد منحت النشوة القومية والإنجاز العسكري للنظام الحاكم هامشًا واسعًا
للمناورة والجرأة في إعادة فرض أجندته العلمانية القسرية، فتكررت محاولة حظر الحجاب
بتثبيت إطار تنظيمي عام 2022م دون النص على غطاء الرأس، غير أن السلطة ظلت تنتظر
اللحظة المناسبة لحسم الملف فرضًا.
اختبار التحالف
التركي
على صعيد العلاقات
الإقليمية، أحدثت أزمة الحجاب ارتدادات غير مسبوقة في معادلة التحالف بين باكو
وأنقرة، متجاوزة شعار "أمة واحدة في دولتين" التاريخي ليخضع الشعار لاختبار كفاءة
وسيادة حقيقي. فقد انفجرت موجة غضب عارمة في الصحافة والرأي العام التركي بمختلف
أطيافه؛ إذ رأت القوى المحافظة في مسلك باكو إعادة إنتاج مؤلمة لمأساة حظر الحجاب
التي عاشتها تركيا إبان انقلاب 28 فبراير 1997م. وانتقد مسؤولون أتراك بارزون ونواب
في البرلمان، قرار الحظر معتبرين إياه مساسًا بحرية المعتقد وحق التعليم، وامتد
الحراك التركي إلى الشارع عبر مظاهرات أمام السفارة الأذربيجانية في أنقرة
والقنصلية العامة بإسطنبول. والمثير في المشهد أن نقد الحظر لم يقتصر على الحزب
الحاكم أو القوى الإسلامية، بل امتد لرموز المعارضة العلمانية، مثل كمال كليتشدار
أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري؛ حيث أقرّ بالمسؤولية التاريخية لحزبه عن أخطاء حظر
الحجاب الماضية في تركيا، داعيًا باكو لتجنب تكرار التجربة ذاتها وعدم التضييق على
خيارات النساء.
في المقابل، جاء رد فعل
حزب "أذربيجان الجديدة" الحاكم في باكو حادًا وغير مسبوق؛ حيث أصدر بيانًا شديد
اللهجة اتهم فيه أوساطًا سياسية وإعلامية تركية مقربة من الحكومة بشن حملة تضليل
وافتراء ممنهجة. ورفض الحزب الحاكم الآذري التصريحات التركية واصفًا إياها
بالشعبوية وغير المسؤولة والتدخل السافر في الشؤون الداخلية. وشدد البيان على أن
مبدأ "أمة واحدة ودولتان" لا يمنح أي طرف الحق في فرض رؤيته الأيديولوجية أو التدخل
في النظام الدستوري العلماني لدولة مستقلة.
تدافع النفوذ
الإقليمي
في ظل التعقيد الجيوسياسي
لمنطقة جنوب القوقاز، سارعت الأجهزة الإعلامية والسياسية الرسمية في باكو إلى تغليف
الأزمة برداء أمني، محاولة ربط الاحتجاجات بالحرب النفسية والنفوذ الخارجي. فقد
اتهم التلفزيون الحكومي جهات إيرانية ومراكز في مدينة قم، فضلاً عن منصات مرتبطة
بالحرس الثوري، باستغلال مسألة الزي المدرسي للترويج لنموذج الشريعة وإضعاف الدولة
العلمانية.
ويؤكد خبراء ومحللون أن
السلطات في أذربيجان تحارب في الواقع ظاهرتين متلازمتين في ذهنيتها الأمنية: الفضاء
الاجتماعي الناطق بالروسية، والنفوذ الشيعي الموالي لإيران. فنظرًا للتوتر الحاد
القائم بين باكو وطهران، أضحى أي مظهر للتدين يُفسر فورًا في أروقة القرار الآذري
باعتباره طليعة لنفوذ إيراني يجب استئصاله وقمع شبكات تأثيره. غير أن تعميم الشبهة
الأمنية على كل معلمة أو طالبة تتمسك بغطاء رأسها يحول القضية من حماية للأمن
القومي إلى حرب مكشوفة على الهوية الدينية للمجتمع.
ومما يغذي هذه التجاذبات
تعقيدًا هو الشراكة الاستراتيجية والأمنية والعسكرية العميقة التي تجمع أذربيجان
بالاحتلال الإسرائيلي؛ إذ يرى البعض أن هذا التضييق على الحجاب يأتي كربان لاسترضاء
تل أبيب وحلفاء باكو الغربيين. وتشير القراءات النقدية إلى وجود تعارض صارخ بين
تساهل الحكومة مع النفوذ الصهيوني وفتح أبواب البلاد له، وبين صرامتها المفرطة ضد
مواطنيها المسلمين لمجرد ممارستهم فرائض دينهم.
صراع الحق
والهوية
يتجلى الجوهر الفكري
للأزمة في صراع المفاهيم حول ماهية العلمانية وحدود سلطة الدولة على حرية الفرد
والجماعة. فالسلطات الأذربيجانية تزعم أن توحيد الملابس يهدف إلى القضاء على
الفوارق الاجتماعية والطائفية والمذهبية وتوفير بيئة مدرسية متجانسة. وفي هذا
السياق المثير للجدل، أطلق نائب رئيس البرلمان عادل علييف تصريحًا حادًا شبه فيه
الحجاب بملابس الرياضة قائلاً: "كما لا يمكن للسباح ارتداء ملابس الجودو، لا يمكن
لبس الحجاب في التعليم"، وهو الطرح الذي أثار موجة استهجان عارمة لاستخفافه بالقيم
الدينية.
على الضفة الأخرى، يقف
المجتمع والمؤسسات الحقوقية على أرضية قانونية ودستورية صلبة. فالاستناد إلى
العلمانية لا يمكن أن يبرر بحال انتهاك المواد الصريحة في الدستور الآذري، لا سيما
وأن فرض خيار تعسفي على الطالبة أو المعلمة بين التخلي عن الحجاب أو الحرمان من
مقاعد الدراسة والعمل هو اعتداء صارخ على كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.
بالنظر إلى الآفاق
المستقبلية لهذه الأزمة، فعلى الصعيد الخارجي، ستبقى أزمة الحجاب نقطة استنزاف دائم
لدبلوماسية باكو في محيطها الإسلامي والتركي. فالتوتر المكتوم أو المعلن مع أنقرة
سينال من عمق الشراكة الاستراتيجية وسيضعف موقع باكو الإقليمي. وما لم تتدارك
القيادة السياسية في أذربيجان هذا الخلل الصارخ عبر مراجعة شجاعة ترجع للتعليم
حياده وتضمن للجميع حريتهم الدينية، فإنها تفتح بلادها على مسارات من التفكك
الاجتماعي والارتهان الأمني الذي يبدد مكتسباتها. أما على الصعيد الداخلي؛ فيتضح أن
المضي في حظر الحجاب لا يمحو عقيدة الناس، بل يحول التدين العفوي إلى موقف سياسي
معارض ومحتقن ضد الدولة. والحسابات الحكومية للسيطرة على المشهد ستصطدم بحدود
القوة؛ فالمجتمع الآذري الذي حافظ على نظامه القيمي رغم بطش العقود السوفياتية لن
يستسلم بسهولة لمحاولات مسخ هويته. وسوف تظل مشاهد المعلمات المطرودات وبكاء
الطالبات على أبواب المدارس حية في الذاكرة الجمعية، لتشكل الوقود المستدام
لاحتجاجات قادمة وتآكل مستمر لشرعية النظام الحاكم.