كيف يمكن قراءة الوقائع التاريخية المرتبطة بالشخصيات والأحداث الدينية قراءةً علمية منصفة تراعي سياقها الزمني والاجتماعي، بعيدًا عن إسقاط المعايير الأخلاقية الحديثة عليها، بما يضمن فهمًا تاريخيًا أكثر دقة وعدالة واتزانًا ومنهجية؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لم يكن زواج النبي # من أُمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- موضع إشكال في أيّ
مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي المبكّر، ولا في القرون الوسطى، ولا حتى في
الكتابات الأوروبية الأولى عن الإسلام. فقد نقلت كُتب الحديث والسيرة الخبر
المتعلّق بسنّها عند الزواج نقلًا مباشرًا خاليًا من أيّ تبرير أو اعتذار، وهو ما
يدلّ دلالة منهجية واضحة على غياب أيّ اعتراض أخلاقي أو اجتماعي على الواقعة في
سياقها الزمني.
واللافت أن هذا الصمت لم يكن مقتصرًا على المسلمين وحدهم؛ إذ إن كُتب الجدل والردود
التي كتبها خصوم الإسلام الأوائل -من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة-، لم تتخذ
من هذا الزواج مدخلًا للطعن أو التشنيع، رغم استقصائهم الشديد لكل ما يمكن أن
يُستعمَل في الخصومة العقدية أو السياسية. وهذا السكوت العام، في علم التاريخ،
يُعدّ قرينة قوية على أن الواقعة كانت منسجمة تمامًا مع الأعراف الإنسانية السائدة،
وغير مثيرة لأيّ استغراب أخلاقي.
حتى في أولى الكتابات الأوروبية المطبوعة عن سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- في
القرن السابع عشر، كما عند
Humphrey Prideaux،
نجد أن ذكر سنّ عائشة جاء ذكرًا وصفيًّا تفسيريًّا، لا استنكاريًّا. يقول برايدو[1]
في سياق حديثه عن الزواج:
«Ayesha
was then but six years old, and therefore he did not bed her till two years
after, when she was full eight years old. For it is usual in those hot
countries, as it is all India over, which is in the same clime with Arabia, for
women to be ripe for marriage at that age»
وترجمته:
«كانت عائشة حينئذٍ في السادسة من عمرها، ولذلك لم يدخل بها إلا بعد سنتين، حين
بلغت تمام الثامنة. إذ جرت العادة في تلك البلاد الحارة -كما هو الحال في عموم
الهند التي تقع في نفس الإقليم المناخي مع بلاد العرب- أن تكون النساء مُهيَّآت
للزواج في هذه السّنّ».
هذا النص -على ما فيه من تحامُل عام على الإسلام في الكتاب كله- لا يحمل أيّ إدانة
أخلاقية، بل يُقدِّم تفسيرًا اجتماعيًّا-مناخيًا كان شائعًا في الفكر الأوروبي قبل
العصر الحديث.
غير أن التحوُّل الجذري لم يقع إلا مع مطلع القرن العشرين، وتحديدًا سنة 1905م، حين
نشر المستشرق البريطاني ديفيد صاموئيل مارجوليوث كتابه «محمد ونشأة الإسلام»، ففي
هذا العمل، ولأول مرة، انتقل الحديث عن زواج عائشة من كونه واقعة تاريخية موصوفة
إلى كونه محل حكم أخلاقي صريح، مستخدمًا لغة وجدانية ومعايير حداثية. يقول
مارجوليوث[2]:
«Perhaps
this ill-assorted union (for as such we must characterise the marriage of a man
of fifty-three to a child of nine), dragged from her swing...»
وترجمته:
«وربما كان هذا الزواج غير متناسب؛ إذ لا بد أن نُوصِّف زواج رجل في الثالثة
والخمسين من عمره بطفلة في التاسعة على هذا النحو، وقد جُرَّت من أُرجوحتها...».
وهنا تظهر لأول مرة ثلاثة عناصر لم تكن موجودة في أيّ نص سابق:
أ- حُكم قِيَمي أخلاقي صريح (ill-assorted
union).
ب- إسقاط معيار عمراني حديث على واقعة تاريخية قديمة.
جـ- استخدام لغة بلاغية استنكارية (dragged
from her swing)،
لا وظيفة لها في السرد التاريخي.
ولم يكن مارجوليوث ناشطًا نسويًّا، ولا صاحب مشروع اجتماعي، لكنه كتب في مناخ ثقافي
غربي كان قد بدأ يُعيد تعريف مفاهيم الزواج والطفولة والسلطة الأبوية، متأثرًا
بصعود الخطاب النسوي الليبرالي المبكّر (والحديث أيضًا وقتها)، ونشوء مفهوم
«الطفولة الممتدة»؛ فجاء حكمه انعكاسًا لروح عصره أكثر من كونه نتيجة بحث تاريخي
مَحْض.
غير أن الأخطر من نص مارجوليوث نفسه هو ما جرَى بعده؛ إذ تلقَّف بعض المثقفين العرب
المتأثرين بالمنهج الاستشراقي هذا الحكم الأخلاقي، وتعاملوا معه وكأنه اكتشاف كاشف
أو «حقيقة تاريخية»، دون وَعْي بسياقه أو حداثة نشأته. ثم توارثته أجيال متعاقبة،
حتى ترسَّخ في الخطاب المعاصر وكأنه إشكال قديم متجذّر.
والحال أن هذه «الشبهة» -بصيغتها الأخلاقية الاستنكارية- لا يتجاوز عمرها قرنًا
ونصف القرن، وهي وافدة على النقاش الإسلامي من خارج سياقه الحضاري، لا نابعة منه
ولا معروفة في تراثه.
وبذلك يتبيّن أن الإشكال ليس في الواقعة التاريخية ذاتها، بل في عدسة النظر الحديثة
التي أُسقطت عليها، وفي النقل غير النقدي لهذا الإسقاط إلى البيئة العربية
المعاصرة؛ حيث جرى التعامل مع حكم حداثي طارئ وكأنه حقيقة تاريخية أزلية.
ومن الأخطاء المنهجية الجسيمة التي أفسدت قراءة كثير من النصوص التاريخية والدينية
في العصر الحديث: اقتطاع النص من سياقه التاريخي والثقافي، ثم إخضاعه لمعايير
أخلاقية وقانونية نشأت بعده بقرون. فالنص -أيًّا كان نوعه؛ دينيًّا، تاريخيًّا،
قانونيًّا، أو أدبيًّا- لا يُفهَم على وجهه الصحيح إلا ضمن الإطار الذي وُلِدَ فيه؛
من حيث الأعراف السائدة، والبنية الاجتماعية، والمفاهيم الأخلاقية المتداوَلة،
وحدود المباح والمستنكَر في زمنه.
إن العادات الاجتماعية التي لم تكن مُستهجَنة، ولا مُحرَّمة، ولا موضع اعتراض في
عصرها، لا يصحّ بحالٍ أن تُدان أخلاقيًّا بأثرٍ رجعي اعتمادًا على تصوُّرات لاحقة
نشأت في سياق حضاري مختلف كليًّا. فمثل هذا الإسقاط لا يُنْتِج فهمًا تاريخيًّا، بل
يُنْتِج تشويهًا مزدوجًا: تشويهًا للماضي، وتشويهًا للمعايير نفسها التي يُراد
الدفاع عنها، حين تُنزَع من سياق نشأتها وتُحوَّل إلى أدوات لمحاكمة عصور لم
تعرفها.
ولهذا كان مِن المُسلَّم به في مناهج البحث التاريخي الرصين أن السكوت العام في
المصادر، وغياب الاعتراض، وانتفاء الجدل، قرائنُ قوية على طبيعية الفعل في سياقه.
إذ إن المجتمعات لا تسكت عن «الصدمة الأخلاقية»، ولا تَمُرّ عليها مرور العابر.
وإذا خلا تراثٌ ضَخْم، متعدّد الاتجاهات والخصومات، من أيّ إشارة إلى الاستنكار،
فذلك دليل على أن الإشكال لم يكن موجودًا أصلًا، لا أنه أُخْفِي أو أُهْمِل.
ومن هنا، فإن قراءة وقائع مثل زواج أُمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بمعايير
القرن العشرين أو الحادي والعشرين، دون اعتبار لواقع القرن السابع وما قبله، لا
تُمثِّل قراءة علمية، بل تُمثِّل نقلًا قسريًّا للقِيَم عبر الزمن، يُنتِج أحكامًا
أخلاقية لا تقول شيئًا عن الماضي، بقَدْر ما تكشف عن قلق الحاضر وإرباكه المنهجي.
وهذا الخلل لا يقتصر على النصوص الإسلامية وحدها، بل يشمل كل نص يتناول أعرافًا
اجتماعية قديمة: من قوانين الرومان، إلى عادات أوروبا في العصور الوسطى، إلى نُظُم
الأسرة في الصين والهند. فالتاريخ لا يُقرَأ بمنطق الإدانة، بل بمنطق الفَهْم؛ ومَن
يخلط بين الاثنين، لا يكتب تاريخًا، بل يكتب رأيًا متحيزًا متنكّرًا في ثوب البحث.
ويتضح خطر قراءة النصوص والوقائع خارج سياقها التاريخي على نحوٍ جليّ إذا انتقلنا
إلى أمثلة غير إسلامية، طالما تعامَل معها البحث التاريخي الغربي نفسه بقَدْر أكبر
من الإنصاف المنهجي. فالقانون الروماني، على سبيل المثال، كان يُجيز زواج الفتيات
ابتداءً من سنّ الثانية عشرة، وهو نصّ قانوني صريح ظل معمولًا به قرونًا طويلة،
وانتقل -دون تعديل جوهري- إلى التشريعات الكنسية في أوروبا المسيحية في العصور
الوسطى. ولم يتعامل المؤرخون الجادّون مع هذا الحُكم بوصفه «انتهاكًا أخلاقيًّا»
بالمعايير الحديثة، بل بوصفه تعبيرًا عن بنية اجتماعية ترى البلوغ الجسدي معيارًا
للأهلية، في عالَمٍ يختلف جذريًّا عن عالم الدولة الحديثة.
ومثال آخر أكثر دلالة نجده في تاريخ أوروبا نفسها؛ حيث تزوّجت «مارغريت بوفورت» في
القرن الخامس عشر، وهي في الثانية عشرة من عمرها، وأنجبت وهي في الثالثة عشرة،
وأصبحت لاحقًا جدة ملوك إنجلترا ومُؤسِّسة لسلالة حاكمة. هذه الواقعة موثّقة
تاريخيًّا، وتُدرَّس في كتب التاريخ الإنجليزي دون أن تُقدَّم باعتبارها «فضيحة
أخلاقية»، بل باعتبارها ممارسة طبيعية في سياق اجتماعي كانت فيه هذه الأعمار جزءًا
من العُرف العام، لا خروجًا عليه. ولا يُعزَى هذا التعامل المتوازن إلى تبرير
الفعل، بل إلى فَهْم السياق الذي جعله ممكنًا وغير مستنكَر.
وينسحب الأمر ذاته على مجتمعات أخرى كالصين الإمبراطورية والهند قبل العصر الحديث؛
حيث كان الزواج المُبكّر جزءًا من النظام الاجتماعي والأُسري، مرتبطًا بالتحالفات
العائلية والاستقرار القَبَلي، ولم يكن موضع اعتراض أخلاقي داخلي، ولا مادة للجدل،
ولا محل تجريم. ولهذا فإن محاولات محاكمة هذه المجتمعات اليوم بمنظومة مفاهيم نشأت
بعد الثورة الصناعية، وصعود التعليم الإلزامي، وإعادة تعريف الطفولة، لا تُنْتِج
فهمًا للتاريخ، بل تُنْتِج قراءة أيديولوجية انتقائية.
وهنا يظهر الخلل بوضوح؛ فإذا كان المنهج التاريخي الغربي يقبل -بحقّ- تفسير هذه
الوقائع داخل سياقها، ويرفض إسقاط المعايير الحديثة عليها، فإن العدول عن هذا
المنهج عند تناول النصوص الإسلامية لا يمكن تفسيره علميًّا، بل يُفسَّر بوصفه
ازدواجًا منهجيًّا، أو خضوعًا غير واعٍ لتحيُّزات ثقافية مسبقة. فالمعيار المنهجي
واحد، والنصوص -أيًّا كان مصدرها- لا تُفهَم إلا داخل زمانها ومكانها، وإلا تحوّل
البحث التاريخي إلى أداة إدانة لا أداة فَهْم.
وعلى ضوء هذا كله، يثير الاستغراب -بل القلق المنهجي- ذلك المشهد المتكرر في الخطاب
العربي المعاصر، حين يتلقف بعض مَن يُوصَفون بـ«المفكرين» أو «المجددين» هذه
الشُّبهة الوافدة، ويُعيدون ترديدها «مُعلَّبة جاهزة»، كما صاغها المستشرق الغربي
قبل قرن، دون مراجعة تاريخية، ولا فحص سياقي، ولا أدنى مُساءَلة لمنهجها أو زمن
نشأتها. فلا يُسأل: متى ظهرت؟ ولا لماذا لم تكن موجودة قبل ذلك؟ ولا ما الذي تغيَّر
في العالم حتى صارت «إشكالًا» فجأةً بعد أكثر من ألف عام من الصمت الإنساني العام.
وهذا السلوك لا يمكن فَهْمه بمعزل عن «حالة الانقياد الحضاري» التي أصابت العالم
الإسلامي بعد أفول دوره التاريخي، حين انتقل من موقع الفاعل المُنتِج للمعرفة إلى
موقع المتلقّي المذعور من أحكام الآخر. فصار كثير من أبنائه ينظرون إلى تراثهم
بعيون غيرهم، ويحاكمونه بمعايير لم ينشأ عليها، ولا يملكها، ثم يتوهمون أن هذا هو
«التنوير» أو «التجديد».
إن النقد الحقيقي لا يكون بترديد اتهامات الآخر، بل بفَهْم التراث من داخله،
والدفاع عنه حيث يكون الدفاع واجبًا، وتطويره وتجديده حيث يكون التجديد ممكنًا،
«بعقول أبنائه وعلمائه»، وضمن إطار معتقده ومنهجه، لا باستيراد أحكام جاهزة صِيغَت
في سياق حضاري مختلف، ثم إسقاطها عليه إسقاطًا قسريًّا.
والمفارقة المؤلمة أن هذا النمط من الخطاب لا يكتفي بالتخلّي عن أدوات الفهم
الذاتي، بل يصل أحيانًا إلى مهاجمة كلّ مَن يدعو إلى قراءة منصفة أو دفاع علمي،
وكأن المشكلة فيمن يتمسّك ببيته، لا فيمن سلَّمه لخَصمه. وهو ما يجعل المشهد أشبه
بمن «تنازل عن بيته لعدوّه، ثم خرج يهاجم مَن يُذكِّره بخطورة النوم في الشارع».
فالأزمة هنا ليست في التراث، بل في الوعي الذي تخلَّى عن حقه في الفهم، ثم سمَّى
هذا التخلّي شجاعة فكرية.
خاتمة
إن الشبهات لا تُولَد مصادفةً، ولا تنتشر بلا غاية. فالتاريخ يشهد أن أول ما
يُستهدَف حين يُراد إسقاط أُمّة أو إضعافها هو ذاكرتها؛ لأن الأمة التي تفقدُ ثقتها
بتاريخها تفقدُ تلقائيًّا ثقتها بنفسها، وتدخل في طور الدفاع الدائم عن وجودها قبل
أن تفكّر في البناء أو الإسهام. وليس مِن قبيل المبالغة القول: إن الطعن في التاريخ
هو المقدّمة الطبيعية للطعن في الحاضر، ثم التشكيك في المستقبل.
[1] همفري برايدو، حياة محمد، لندن: مطبعة ج. تونسون، 1697م، ص41. والكتاب يُعدّ من
أوائل الكتابات الاستشراقية الأوروبية عن النبي -صلى الله عليه وسلّم-، وهو نصّ
جدلي عدائي كُتِبَ في سياق لاهوتي مسيحي في القرن السابع عشر. ولا يُعدّ بالطبع
مصدرًا تاريخيًّا موثوقًا بميزان البحث الحديث، لكنّه يُستشهَد به في الدراسات
النقدية لتتبُّع تاريخ الخطاب الغربي عن الإسلام.
[2] ديفيد صموئيل مارجوليوث (D.
S. Margoliouth)،
محمد ونشأة الإسلام (Mohammed
and
the
Rise of Islam)،
لندن: دار
G. P.
Putnam’s
Sons،
1905م، ص 234. ويُعد مارجوليوث من أبرز ممثّلي الاستشراق الأكاديمي البريطاني في
أوائل القرن العشرين، وقد اتَّسمت كتاباته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنزعة
العقلانية المتحيِّزة ومحاولة تفسير الظواهر الدينية تفسيرًا ماديًّا/سياسيًّا، مع
اعتمادٍ انتقائي على الروايات الإسلامية، ولذلك يُستشهَد بعمله في إطار نقد المنهج
الاستشراقي لا بوصفه مصدرًا تاريخيًّا محايدًا.