• - الموافق2026/07/27م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
فضل السبق للعرب والمسلمين في ابتداع الكتابة البارزة للمكفوفين

هل تُعيد الشواهد التاريخية النظر في قصة نشأة الكتابة البارزة للمكفوفين، وما الذي تضيفه الروايات عن زين الدين الآمدي إلى فهم تطور وسائل التعليم وإسهامات الحضارات في خدمة ذوي الإعاقة البصرية عالميًا؟


في التراث العربي خبران يؤكدان فضل السبق للعرب والمسلمين في ابتداع الكتابة البارزة للمكفوفين.

الأول: ما ذكره الإمام ابن حزم (أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الإمام والحافظ وأحد أكبر علماء الأندلس وأكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري 994هـ- 1064م) في معرض حديثه عن كيف كان الناس في الأندلس، وكيف كان والد مُؤدّبه أحمد بن محمد بن عبد الوارث يُعلِّم مولودًا له أعمى؛ حيث يقول في كتابه «التقريب لحد المنطق»: «ولقد أخبرني مُؤَدّبي أحمدُ بن محمد بن عبد الوارث (من أهل الأدب والفضل، وكان مُعلِّم ابن حزم -رحمه الله)، أن أباه صوَّر لمولودٍ كان له أعمى، وُلِدَ أكْمَه، حروف الهجاء أجرامًا من قير، ثم ألْمَسه إياها حتى وقف على صورها بعقله وحِسّه، ثم ألْمَسه تراكيبها وقيام الأشياء منها حتى تشكّل الخط، وكيف يُستبان الكتاب، ويقرأ في نفسه، ورفَع بذلك عنه غمّة عظيمة».

الثاني: ما ذكره صلاح الدين الصفدي (1296- 1363م) في كتاب «نكت الهميان في نكت العميان» في ترجمة أبي الحسن زين الدين علي بن أحمد الآمدي الضرير (المتوفى 714هـ /1324م)؛ حيث يقول: «كان شيخًا مليحًا مهيبًا ثقة صدوقًا، كبير القدر والسّن، أضرّ في أوائل عمره، وكان آية عظيمة في تعبير الرُّؤَى، مع مزايا أخرى عجيبة، تدل كلها على عبقريته وشدة فطنته وذكائه، وكان يتَّجر في الكُتب، وله كُتب كثيرة جدًّا، وإذا طُلِبَ منه كتاب نَهَض إلى كُتبه، وأخرجه من بينها، وإن كان الكتاب عدة مجلدات، وطُلِب منه الأول مثلًا، أو الثاني أو الثالث، أو غيره؛ أخرجه بعينه.

وكان يمسّ الكتاب أولًا، ثم يقول يشتمل هذا المجلد على كذا وكذا كُرّاس، فيكون الأمر كما قال. وإذا مر بيده على الصفحة قال عدد أسطرها كذا وكذا سطرًا، فيها بالقلم الغليظ هذا، وهذه المواضع كُتِبَت به في الوجهة، وفيها بالأحمر هذا وهذا، لمواضع كُتبت فيها بالأحمر. وإن اتّفق أنها كُتبت بخطين أو ثلاثة، قال: اختلف الخط من هنا إلى هنا، من غير إخلال بشيء مما يُهتَجن به. وكان يعرف أثمان جميع كتبه التي اقتناها بالشراء، وذلك أنّه كان إذا اشترى كتابًا بشيء معلوم أخذ قطعة ورق خفيفة وفتل منها فتيلة لطيفة، وصنعها حرفًا أو أكثر من حروف الهجاء لعدد ثمن الكتاب بحساب الجُمَل، ثم يلصق ذلك على طرف جلد الكتاب من داخله، ويلصق فوقه ورقة بقَدْره لتتأبَّد، فإذا شذّ عن ذهنه كمية ثمن كتاب ما من كتبه، مسّ الموضع الذي علّمه في ذلك الكتاب بيده، فيعرف ثمنه من تثبيت العدد المُلصَق فيه».

هكذا وفي القرنين السابع والثامن الهجريين/ الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، ابتكر زين الدين الآمدي الفقيه الوراق المسلم هذه الطريقة قبل العالمين الغربيين برايل الفرنسي ومون الإنجليزي.

أما الآمدي فهو زين الدين الآمدي (المتوفى 714هـ /1314م(؛ وهو علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر الآمدي، المهندس والفقيه واللغوي، عاش في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن الهجري/ أوائل القرن الثاني عشر الميلادي وأواخر القرن الثالث عشر الميلادي .

وُلِدَ زين الدين الآمدي في بغداد، ولكن الموسوعات وكتب تاريخ العلوم لم تذكر عام ميلاده، ولكن من المعروف أنه عاش ونشأ في بغداد ولم يغادرها؛ إذ إنه أُصيب بفَقْد بصره وهو صغير، ومع ذلك فقد درس على أيدي شيوخ اللغة في بغداد، وكذلك درس بعض الحِيَل الميكانيكية. ومن المعروف أنه قد أتقن الفارسية والرومية والتركية إلى جانب العربية. وكان تاجرًا في الكتب محترفًا لبيع الكتب في بغداد ولا ينخدع بأسعارها، فكان يضع ورقة بعد فتلها حرفًا أو أكثر من حروف الهجاء بعدد ثمن الكتاب بحساب الجمل، ثم يلصقها على طرف جلد الكتاب، ويجعل فوقها ورقة يثبتها بمادة لاصقة، فإذا أراد معرفة ثمن الكتاب مسّ الحروف الورقية بيده.

وهكذا اخترع طريقة الكتابة البارزة لهذه العناوين وتلك الأسماء والأسعار بلصق حروف مصنوعة من ورق مُقوَّى في صورة كلمات بحسب ترتيب حروف، كل كلمة على كعوب الكتب التي يبيعها أو أغلفتها، وكان يدرك بيانات هذه الكتب عن طريق اللمس ببنان الأصابع.

ثم استخدم زين الدين الآمدي هذه الطريقة في تعليم الصبية العميان ببغداد قراءة الحروف والكلمات. وقد اعتمد في اختراعه هذه الطريقة الكتابة البارزة على سمة مميزة للعميان، وهي أن الحواس الأخرى تقوى وتحلّ محل البصر فاعتمد على حاسة اللمس لإدراك الحروف وترتيبها لمعرفة الكلمات والنصوص المراد قراءتها.

وكما نلاحظ، فإن تلك الطريقة التي استخدمها زين الدين الآمدي لكي يسهل على نفسه معرفة أثمان الكتب تُوضِّح انشغاله كعالِم لغة ومهندس بفكرة القراءة للعميان، فكان الآمدي كما ذكرت كُتب تاريخ العلوم هو المُبتكِر الأول للحروف النافرة أو البارزة التي يقرأ بها العميان وهي المعروفة الآن بطريقة برايل في الكتابة، وكان ذلك قبل اختراع المهندس الفرنسي لويس برايل لها بنحو ستمائة عام، وللآمدي تصانيف كثيرة في اللغة والفقه وخلافه كما عمل أستاذًا في المدرسة المستنصرية ببغداد.

وبعد خمسة قرون قام العالم الفرنسي لويس برايل (1224- 1269هـ/ 1809-1852م) بمحاولة أخرى لمساعدة المكفوفين على القراءة والكتابة عن طريق النقط البارزة، وكان يعمل مدرسًا بمدرسة للعميان، وكان بدوره مثل زين الدين الآمدي كفيف البصر، فقد بصره منذ أن كان في الثالثة من عمره، وكان برايل قد لاحظ من تجربته في تعليم المكفوفين عن طريق المشافهة أن تلك الطريقة تجعل الكفيف يتعلم تعليمًا فيه اعتماد على الغير دون القدرة على القراءة أو التحصيل بنفسه، مما يعوق في أحيان كثيرة عن إبراز بعض العبقريات الفردية؛ فابتدع برايل طريقة الكتابة البارزة لكتابة الحروف والإشارات بهدف تعليم الكفيف القراءة بنفسه دون مساعدة. تلك الطريقة التي سُمِّيت باسمه عام 1245هـ/1829م.

وتُعدّ طريقته هذه أفضل من طريقة «مون» الإنجليزية في الكتابة البارزة السابقة عليه. وقد نشر برايل رسالة يشرح فيها طريقته هذه عام 1255هـ/1839م، إلا أنه قُوبِلَ بمعارضة شديدة -حتى في المدرسة التي كان يُعلِّم بها المكفوفين عن طريق المشافهة-، لم يُواجَه زين الدين الآمدي بمثلها في مدينة بغداد.

ومنذ عام 1277هـ/1860م أُدخلت على طريقة برايل تعديلات وإصلاحات كثيرة، فانتشرت طريقته بعد ذلك في كل مدارس المكفوفين في العالَم، ونُسِيَ نسبة الفضل الأول إلى زين الدين الآمدي العالِم المسلم في ابتكار طريقة الكتابة البارزة.

وكان أول شيء نُشر عن طريقة برايل عام 1837م، أما عن طريقته بأكملها فلم تنشر إلا في سنة 1839م ومع نجاح هذه الطريقة، إلا أنها قُوبِلَت بعدة صعوبات من القائمين بالأمر في المدارس، فالمدرس أو التلميذ الذي أراد تعلمها كان عليه أن يفعل ذلك خارج ساعات الدراسة الرسمية، وحتى المدرسة التي بدأت فيها طريقة برايل لم تستخدم رسميًّا إلا بعد مرور ما يقرب من أربع عشرة سنة، وذلك بعد وفاة برايل بسنين. ولم تقبل طريقة برايل في بريطانيا إلا في عام 1869م، وأما في أمريكا فبدأ استخدامها سنة 1860م.
وقد عُدِّلت هذه الطريقة بعد عام 1919م، وعُرفت بطريقة برايل المُعدّلة. أما كتابة برايل في اللغة العربية فقد دخلت على يد محمد الأنسي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي؛ حيث حاول التوفيق بين أشكال الحروف المستخدَمة في الكتابة العادية وشكلها في الكتابة النافرة.

وبهذه الطريقة نقل «الأنسي» عددًا من الكتب، إلا أن هذه الطريقة لم تنتشر على نطاق واسع، وبعد بذل محاولات عديدة اعتمد المهتمون طريقة برايل لتطوير ما يتناسب واللغة العربية. وقد قامت منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة لهيئة الأمم المتحدة في عام 1951م بتوحيد الكتابة النافرة بقدر ما تسمح به أوجه الشبه بين الأصوات المشتركة في اللغات المختلفة، وقد نتج عن ذلك النظام الحالي للرموز العربية.

 

 

 

أعلى