• - الموافق2026/06/22م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
فارس ليبيا بعيون غربية

ما السر الذي جعل عمر المختار يحافظ على ثباته وهيبته حتى في الأسر ولحظة الإعدام، ويترك أثرًا عميقًا في نفوس خصومه قبل أن يصبح رمزًا عربيًا خالدًا للجهاد والكرامة؟

 

زخر وطننا العربي بالعديد من المناضلين ضد الاستعمار الأجنبي؛ أمثال: الأمير عبدالقادر في الجزائر، وأحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول في مصر، والشيخ عبدالعزيز الثعالبي في تونس، وعبدالكريم الخطابي في المغرب، ولكن توفرت لبعض هؤلاء الأبطال المساعدات سواء مادية أو معنوية وبعضهم كان القلم والخطابة هو سلاحه.

أما بطلنا فقد سُلب كل أنواع المساعدات سواء مادية أو معنوية، لذا لا نبالغ إن قلنا: كان عمر المختار أحد مناضلي ليبيا، يفخر به كل عربي في نضاله وصبره وجَلَده من أجل الدفاع عن قضية وطنه ضد الاستعمار الإيطالي. لم ينتظر شهرة أو يطمع في مال أو منصب أو تكريم، بل رفض كل إغراءات الإيطاليين من أجل التوقف عن نضاله، ويمكن أن نرى صمود هذا الرجل بشكل أكبر، بعد القبض عليه ووقوعه بيد الإيطاليين، فقد آمَن بقضية جهاده وتمسُّكه بدينه، ومحبته لوطنه، لدرجة أبهرت الآخر، وأعجبوا بشخصيته؛ فكان القبض عليه بمثابة احتفال لهم.

 نشأته وجهاده

وُلِدَ عمر المختار في بيئة صحراوية بسيطة بقبيلة المنفة في البطنان ببرقة الليبية عام 1227هـ/1862م من أبويين عربيين، ونشأ على الكرامة والاعتزاز بالنفس؛ مما أثَّر في شخصيته التي تشرَّبت حبّ التضحية والأَنَفة من الخضوع للمحتل.

وبعد حفظ القرآن وتعلّم اليسير من العلوم بزاوية الجغبوب؛ ولَّاه السيد السنوسي عام 1315هـ/1897م شيخًا على زاوية القصور بالجبل الأخضر؛ فقام بتعليم أولاد المسلمين، وأكرم من يأتي للزاوية من الفقراء والغرباء، وكان يفضّ المنازعات بين القبائل، حتى أصبح له مهابة بين الناس، وزاد احترامهم له، وكان رحب الصدر متواضعًا للكبير لا يَهاب المتكبرين، وكان السيد المهدي السنوسي يُثني عليه ويقول: «لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم»[1].

 ويصف الجنرال «غراسياني» في كتابه «برقة الهادئة» بعض الأحداث، فيقول :«كان عمر حريصًا على عقيدته، ويحارب مَن يعتدي على وطنه، ولا يقبل أيّ تدخُّل أجنبي في قضية وطنه العربي، وبالأخص ليبيا».

 وبعد دخول الطليان ليبيا عام 1329هـ/1911م لبَّى نداء الجهاد المقدس، وبدأ بتدريب المجاهدين من كل القبائل، وبعد احتلال بنغازي قاد هجومًا على المدينة، وكانت معركة حامية، قُتِلَ فيها الكثير من الجنود والمجاهدين؛ لينسحب عمر إلى الجبل، ويُشعل الثورة من هناك، ويُؤسّس معسكرات، واستطاع في شهر ذي القعدة 1341هـ/ الموافق يونيو1922م أن يوحّد منطقة الجبل الأخضر برقة وطرابلس وغيرها، ويوقّع كبار المشايخ ووجهاء المدن والقرى على توحيد الصف لمحاربة الجيوش الإيطالية.

وقد «حاولت إيطاليا استمالة عمر لصفها؛ لتأمن جانبه، ويُنهي المقاومة دون نتيجة، فقد وافقت إيطاليا على تعيين إدريس السنوسي لعمر المختار شيخ زاوية القصور مقابل مكافأة شهرية 900 فرنك اعتبارًا من شهر ذي الحجة1341م/أول يوليو1922م، ولكن رفض عمر قرارهم، وكان شديدًا مع حاملي الرسالة والمرسوم، ومنذ عام1342هـ/1923م وحتى القبض عليه بقي عمر فوق الجبل يُنظّم الهجمات ويقود المعارك»[2]؛ فكان المثل الأعلى في الحكمة والقيادة، وأوامره سارية على كل القبائل وسكان المدن والقرى.

وقوع الفارس بالأسر

في صباح يوم 11 سبتمبر1931م وصل الخبر بالقبض على عُمر في أثناء إحدى المعارك، ومِن ثَم بعثت قيادة الجيش الإيطالي طائرة خاصة لنقله تحت حراسة شديدة، والتأكد من أنه رئيس الثوار عمر المختار؛ حيث وقع مِن على جواده بعد تعثّره، وأُصيبت يده اليمنى، ورغم الألم حاول جرّ نفسه ليختفي بإحدى الغابات، ولكن فرقة الفرسان قبضت عليه وتعرَّف عليه أحد الجنود، وحاول رفاقه إنقاذه، ولكن دون جدوى؛ وعجزوا عن ذلك لقلة الذخيرة، وقال عُمر المختار: إن وقوعه بالأَسْر لا يعني توقف الثورة والجهاد، وذكر أسماء بعض القادة الذين سيُكملون مسيرته، منهم الشيخ حمد بو موسى، وعثمان الشامي، وقال: «إني أحارب الإيطاليين الفاشيستين لا لأني أكره الشعب الإيطالي، ولكن ديني أمرني بالجهاد فيكم؛ لأنكم أعداء وطني».

ويروي «غراسياني» -المسؤول الإيطالي بإفريقيا، وقائد القوات بليبيا- مشاهداته لعُمر المختار؛ حيث قال: «عندما التقيت به كان يداه مُكبّلتين بالسلاسل، رغم الجروح التي أُصيب بها في أثناء المعركة؛ وكان له هيبته، وكانت كل إجاباته عن الأسئلة تصبّ في حبّه لدينه ووطنه»[3]؛ فقد كان يتميز بشخصية بارزة وكاريزما براقة؛ فكان مهيب الموقف شديد البأس؛ لا يؤثر فيه أَسْر أو سجن؛ حتى الموت نفسه لا يهابه؛ لأنه في سبيل جهاده لاسترداد أرضه ضحَّى بحريته وحياته؛ فكان دائمًا مدافعًا عن أرضه وليس معتديًا على أحد، وهذا ما كان يجهله دائمًا الآخرون.

وتابع الجنرال حديثه أنه «بعد الانتهاء من استجواب عُمر المختار وقف ليتهيأ للانصراف؛ فكان جبينه وضَّاء كأن هالة من نور تحيط به؛ فارتعش قلبي من هيبة الموقف، فأنا الذي خاض معارك الحروب العالمية، والصحراوية، ولُقِّبت بأسد الصحراء، فرغم هذا فشفتاي ترتعشان، ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد؛ فأنهيت المقابلة، وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة. وكان عمر هو سبب تأخير القضاء على المقاومة؛ لأنه بطل في إفساد الخطط وسرعة التنقل؛ بحيث لا يمكن تحديد موقعه لتسديد الضربات له ولجنوده، وعُمر يكافح لدرجة العجز ثم يُغيّر خطته، ويسعى للحصول على أيّ تقدُّم مهما كان ضئيلاً». وفي موضع آخر قال: «هذا الرجل أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت، ومن الأسر... لأنه الرأس المفكّر والقلب النابض للثورة العربية في برقة، وكذلك المنظّم للقتال بصبر ومهارة... والآن وقع أسيرًا في أيدينا... فهو شيخ متدين بدون شك... ذنبه الوحيد أنه يكرهنا». وأضاف: كان دائمًا مضادًّا لسياستنا، لا يلين أبدًا، ولا يهادن إلا إذا كان الموضوع في صالح الوطن العربي الليبي»[4].

لقد كان عُمر المختار مؤمنًا بقضية وطنه، وله تأثير كبير على أبنائه مثل الرؤساء الطرابلسيين؛ فحاربوا بكل صدق وإخلاص، وقد كانت شهادة «غراسياني» عن عُمر المختار لها صدًى، وذلك من خلال مذكراته التي نُشرت بكتابه «برقة الهادئة»، فما أجمل أن يشهد العدو بنُبْل أخلاق وقوة وثبات وإيمان العدو الغريم القائد عمر المختار!

بينما يقول «ليفي» سجّان الشهيد عمر المختار في سرد حكاياته عن الساعات الأخيرة في حياة البطل؛ حيث يصفه بقوله: «كان عمر رجلاً يُصلّي لله منذ انبلاج الصبح إلى غروب الشمس مع نهاية كل يوم... يصلّي لله من أجل المسلمين جميعًا، ومن أجل مواصلة الكفاح العادل المقدس». وقال «ليفي»: «وجدت نفسي معجبًا بفلسفته في الحياة... فهو يشعر في وجدانه بأنه محارب قد هُزِم، ولكنه مع ذلك لم يفقد الهدوء وعزة النفس والوقار التي كانت تتميز بها شخصيته»[5]؛ فقد تحوَّل «ليفي» مِن سجّان لأهم مناضل لسياستهم، والمفترض أن يكون كارهًا له إلى مُعجب بشخصية فارسنا، ولم يُخْفِ هذا الإعجاب بمذكراته الشخصية.

لحظات المحاكمة

 كان عُمر المختار يؤمن أن الجهاد فريضة يؤدي بها واجبه تجاه دينه ووطنه، ومن كلماته وقت المحاكمة: «لم أفكر في يوم من الأيام أن أُسلّم نفسي لكم... ولكن مشيئة الله أرادت هذا؛ فلا رادّ لقضاء الله». وعندما سُئِل الشارف الغرياني -مسؤول الجناح السياسي في الحركة السنوسية، وكان يرى مهادنة الطليان- عن نوع الثياب التي كان يرتديها بالسجن؛ أهي ثياب السجن أم الثياب التي قُبِضَ عليه بها. فقال: «عليه ثياب لو تُقاس جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثر، وفيهن نَفْس لو تُقاس ببعضها نفوس الورى كانت أجلّ وأكبر».

عمومًا كان الطليان يعدّون محكمة صورية تنتهي بحكم الإعدام؛ بدليل أنهم أعدّوا قبل بدء المحاكمة المشنقة، وانتهوا من كل ترتيبات الإعدام، وقد نشرت صحيفة التايمز البريطانية في مقال عن عمر المختار في17سبتمبر1931م، جاء فيه: «حقق الإيطاليون انتصارًا خطيرًا... فلقد أسروا وأعدموا الرجل الرهيب عُمر المختار شيخ القبيلة العنيف». ثم أكملت: «المختار الذي لم يقبل أيّ منحة مالية من إيطاليا، وأنفق كل ما عنده في سبيل الجهاد»[6]؛ فقد كان اعترافًا من أحد أكبر صحف العالم بوطنية ونزاهة وبسالة وخُلق عُمر المختار، ونجد لهجة الاحترام والتقدير من جانب الجريدة في الكلمات القليلة التي اخترناها من المقال.

نهاية فارس

عندما حكم القاضي بإعدام عُمر شنقًا حتى الموت، وعندما تُرجِم قرار الحكم له: «قهقه بكل شجاعة قائلاً: الحكم حُكم الله، لا حُكمكم المزيف؛ إنا لله وإنا إليه راجعون».

وفي يوم 16/9/1931م الساعة 9 صباحًا بعد أن اصطف السجناء السياسيون والجنود من كل جانب أُتِي بعُمر المختار إلى الساحة، ونُفِّذ فيه حكم الإعدام، وقد أَجبر الطليان الليبيين، وكل مُحبّي عُمر المختار على حضور لحظة إعدامه شنقًا، والذين قُدِّر عددهم بما يزيد عن عشرين ألف نسمة، وكان مشهدًا مؤثرًا للغاية؛ حيث تقدّم المختار بقدم ثابتة وشجاعة نادرة، وهو ينطق الشهادتين إلى حبل المشنقة، وظل يردد الشهادتين متيقنًا أنه أمر الله -عز وجل-، بينما الطائرات تُحلّق فوقه على ارتفاع منخفض حتى يكون صوتها أعلى من صوت عُمر إن أراد أن يُخاطب شعبه، وهناك من قال: إن أحدًا سمعه من قرب، وهو يصعد سلالم المشنقة ويردد الأذان، وعندما وضع الحبل في رقبته[7]؛ قرأ ما تيسر له من القرآن في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ   ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (سورة الفجر: 27، 28).

ومن شدة خوف الطليان منه حتى بعد شنقه؛ قاموا بنقل جثمانه إلى مقبرة الصابري في سيدي عبيد ناحية بنغازي، وكان دفنه سرًّا، بل وأخفوا معالم قبره؛ حتى لا يُعثر عليه، وأقاموا عليه جندًا يحرسونه زمنًا طويلاً؛ خوفًا من أن يقوم أتباعه بنقل جثمانه.

وقد احتجت الأمم الإسلامية على هذا التصرف المعيب من ناحية الطليان؛ فهو لا يتفق مع التقاليد الدولية، وقد جزع العالم العربي لفَقْد هذا المجاهد العظيم، الذي أفنى حياته في قتال الطليان، وأقيمت في كل الأقطار العربية مآتم لإحياء ذكراه، ونظم كبار شعراء الوطن العربي القصائد في تأبينه، وطافت مظاهرات بشوارع العواصم والمدن العربية؛ احتجاجًا على قتل الشيخ المجاهد عُمر المختار، والذي بفقده ماتت حركة دامت اثنين وعشرين عامًا[8].

كان الشيخ عُمر المختار شخصية فريدة بعصره، فارس بمعنى الكلمة؛ فقد جمع بين الطباع الإنسانية والقيادية، وقلّما تجتمع كل هذه الصفات في شخص واحد؛ تحمّل الصعاب مع قلة الإمكانيات؛ لإيمانه بدينه وقضية بلاده؛ فكان في حرارة الشباب وحيويتهم رغم شيخوخته؛ وظل أيقونة الليبيين ورمزهم الباقي حتى اليوم، وهو مثال لكل مناضل عربي حر.


 


[1]  الطاهر أحمد الزاوي، عمر المختار، (دار المداد الإسلامي، ليبيا، 2004م)، ص57- 60.

[2]  الجنرال رودلفو غراسياني، برقة الهادئة، (ترجمة إبراهيم سالم، دار الأندلس، بنغازي، 1980م)، ص270- 273.

[3]  المرجع السابق، ص242 ،272-274.

[4]  الجنرال رودلفو غراسياني، برقة الهادئة، المرجع السابق، ص266- 269، 275.

[5] عمران محمد يورويس، وقائع ومحاكمة وشنق عمر المختار، (ليبيا، 2002م)، ص160.

[6]  علي محمد الصلابي، عمر المختار، (دار ابن الجوزي، القاهرة، 2007م)، ص100 ،101، 107؛ رودلفو غراسياني، المرجع السابق، ص276؛ مجلة البيان، (عدد 15، ربيع الثاني 1409هـ)، ص82.

[7] علي محمد الصلابي، المرجع السابق، ص110، 111؛ غراسياني، المرجع السابق، ص288.

[8]  محمد محمود إسماعيل، عمر المختار شهيد الإسلام وأسد الصحراء، (مكتبة القرآن، القاهرة، 1992م)، ص56، 57.

 

 

أعلى