• - الموافق2026/05/07م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
نهاية القوة الناعمة الأمريكية

هل تكون الإدارة الأمريكية الحالية المعول الأخير في إنهاء الحلم الأمريكي، أم لحظة كاشفة لانحراف عميق في فهم القوة؟ حين تُختزل الهيمنة في الإكراه، وتتراجع الجاذبية، يصبح النفوذ مهددًا بفقدان شرعيته وقدرته على الاستمرار.


بقلم: استيفن والت

المصدر: فورين بوليسي

 

من أبرز السمات اللافتة في مقاربة إدارة نولد ترامب للسياسة الخارجية من حيث الوسائل والأدوات وليس من حيث الأهداف المختارة، ثقتها المطلقة في القوة الصلبة الأمريكية، وازدراؤها شبه الكامل لما أسماه زميلي الراحل "جوزيف ناي" بـ"القوة الناعمة". وقد عرّف "ناي" هذه الأخيرة بأنها "قوة الجاذبية"، أي قدرة الدولة على دفع الآخرين إلى القيام بما تريده لأنها تمتلك خصائص تجعل الآخرين يرغبون في محاكاتها، أو الارتباط بها، أو اتباع قيادتها. فالدول التي تمتلك قدراً كبيراً من القوة الصلبة تستطيع إجبار الآخرين من خلال القوة أو الترهيب أو عبر تقديم المساعدات أو الحماية؛ أما الدول التي تمتلك وفرة من القوة الناعمة، فتتمتع بنفوذ أكبر لأن الآخرين يريدون أن يكونوا مثلها، أو يتفقون مع المبادئ التي تمثلها، أو يرون فيها نموذجاً ناجحاً وجذاباً، بل وحتى "عصرياً".

وبصفتي واقعياً، لن أقلل بالطبع من أهمية القوة الصلبة؛ بل على العكس، من الصعب امتلاك قدر كبير من القوة الناعمة دون سند معتبر من القوة الصلبة. لكن يمكن لدولة أن تمتلك قوة صلبة كبيرة وقوة ناعمة ضئيلة أو معدومة، كما أظهرت روسيا بقيادة بوتين. والحالة المثالية لأي دولة هي أن تجمع بين الاثنين؛ لأن امتلاك قدر كبير من القوة الناعمة يعني أن الآخرين سيكونون ميّالين بطبيعتهم إلى القيام بما تريده، دون الحاجة إلى استخدام القوة الصلبة كثيراً. وقد كان "ناي" يرى أن الجمع الأمريكي بين القوتين يمنح الولايات المتحدة مزايا هائلة في تعاملها مع العالم، وهو أحد أسباب تفاؤله بمستقبلها، وتشكيكه في أطروحات تراجعها. غير أنه في نهاية مسيرته الطويلة، بدأ هو نفسه يقلق إزاء ما يحدث لجاذبية الولايات المتحدة عالمياً.

في ظل العهدة الثانية لترامب يتجلى بوضوح اعتقاده بأن القوة الصلبة وحدها كافية. فقد استخدمت الإدارة التهديد بفرض الرسوم الجمركية لإجبار الشركاء التجاريين على إبرام اتفاقيات اقتصادية أحادية الجانب، وتعتزم مواصلة هذا النهج رغم حكم المحكمة العليا الذي يقضي ببطلان تلك الإجراءات. كما استخدمت القوة العسكرية في أكثر من ست دول، وتواصل قتل مشتبه بهم بتهريب المخدرات في الكاريبي والمحيط الهادئ، حتى في الحالات التي لا تعرف فيها هوياتهم أو لا تستطيع إثبات تورطهم، مع اعترافها بأن هذه العمليات لن يكون لها تأثير يُذكر على توافر المخدرات غير المشروعة.

وقد اتهم الرئيس ترامب مراراً قادة دول أخرى بالضعف، وقال للرئيس الأوكراني زيلينسكي إنه "لا يملك الأوراق" وعليه بالتالي إبرام صفقة مع روسيا، كما فرض حصاراً على كوبا بهدف زيادة معاناة سكانها وإجبار نظامها على الاستسلام. وليس آخر هذه الممارسات، التخلي عن الدبلوماسية وشن حرب غير ضرورية وغير مبررة على إيران، بناءً على افتراض خاطئ بأن النظام الإيراني سينهار سريعاً.

وما يلفت الانتباه أكثر في هذا التمسك بالقوة الصلبة هو ضآلة الجهد المبذول لتبرير استخدامها أو إضفاء الشرعية عليها. فمع أن الدول — وخاصة الكبرى — ترتكب أفعالاً قاسية أحياناً، إلا أنها عادة ما تحاول إخفاء "القبضة الحديدية" داخل "قفاز مخملي" من التبريرات الأخلاقية أو القانونية. أما إدارة ترامب، فتبدو وكأنها تبتهج كلما تمكنت من انتهاك قاعدة أو إلحاق الأذى. فعندما يهدد الرئيس بإبادة الحضارة الإيرانية، أو عندما يستخف وزير الدفاع بالقانون الدولي ويتفاخر بأن القوات الأمريكية لن تُبقي على أحد ("no quarter") وهو ما قد يُعد جريمة حرب فإن الهدف يصبح واضحاً: الترهيب لا الإقناع، والإكراه لا الجذب. وكأن شعارهم هو: "كونك الأقوى يعني أنك لست مضطراً للاعتذار".

وقد ترافق هذا التمجيد للقوة الصلبة مع جهود منهجية لتقويض المؤسسات والسياسات التي كانت تجعل الولايات المتحدة أكثر جاذبية. فقد تم تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بشكل مفاجئ ضمن جهود مرتبطة بـإليون ماسك، مما عرض حياة الملايين للخطر وأظهر الولايات المتحدة بمظهر الدولة الاعتباطية غير المبالية. كما حاولت الإدارة إغلاق شبكة "صوت أمريكا"، وهو ما أوقفته المحاكم وبعض المعارضة النادرة في الكونغرس. وانسحب وزير الخارجية  مارك ريبيو من أكثر من 60 منظمة دولية، وترك العديد من المناصب الدبلوماسية شاغرة، وغابت الولايات المتحدة عن قمم دولية مهمة.

كما كشفت مداهمات الهجرة العنيفة وعمليات قتل محتجين أبرياء عن وجه قاسٍ للولايات المتحدة، في حين أدى الهجوم المستمر على التعليم العالي  الذي كان رمزاً بارزاً لقوتها الناعمة إلى تراجع جاذبية جامعاتها للطلاب الأجانب. ولا يقتصر أثر ذلك على الخسائر المالية، بل يمتد إلى فقدان فرصة تكوين أجيال متعاطفة مع الولايات المتحدة. وعند جمع هذه العوامل، يصبح مفهوماً لماذا تتحسن صورة الصين عالمياً في حين تتراجع صورة أمريكا.

ولست أول من يلاحظ هذا التآكل المنهجي للقوة الناعمة الأمريكية؛ لكن ما يثير الاستغراب هو عدم إدراك المسؤولين لذلك. ألا يفهمون أن الاعتماد المفرط على القوة الصلبة والتعامل مع استخدامها بوصفه أمراً يُحتفى به لا ضرورة مؤسفة سيجعل الدول الأخرى أقل استعداداً للتعاون مع أمريكا متقلبة وعدوانية؟ ألم يسمعوا المثل القائل: "يمكنك اصطياد الذباب بالعسل أكثر من الخل"؟

ما الذي يجري إذن؟

أولاً: تنطلق رؤية الإدارة الأمريكية الترامبية للعالم من تقسيمه إلى أقوياء ("رابحين") وضعفاء ("خاسرين")، وترى في أي تسوية مع الطرف الأضعف نوعاً من الفشل. ومن هنا الميل إلى الاستعراض والتشدد ورفض أي انتقاد. وتبرز تصريحات مثل تمجيد "الروح القتالية" والفتك، أو القول بأن "قوانين التاريخ الحديدية" تبرر هيمنة الأقوى، بوصفها تعبيراً عن هذا المنظور. في هذا العالم (اللا) أخلاقي، القواعد وُضعت للآخرين فقط.

ثانياً: رغم ادعائهم الوطنية، يبدو أن ترامب وأنصاره لا يحبون البلد الذي يقودونه. فشعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" يفترض أنها ليست عظيمة حالياً. وهم يبدون ازدراءً للإعلام، والثقافة الشعبية، والخصوم السياسيين، ومبدأ سيادة القانون، بل وحتى للعلم والجامعات. كما يشككون في المواطنين غير المولودين في البلاد، ويؤمنون بوجود "دولة عميقة". وحتى البيت الأبيض لا يسلم من هذا الرفض، إذ يسعى ترامب لتحويله إلى معلم إمبراطوري مبالغ فيه. ومن يعتقد أن بلده في حالة سيئة، يصعب عليه أن يتخيل أنه قد يكون جذاباً للآخرين.

ثالثاً: تفضل الإدارة "الحلول السريعة" التي يمكن تسويقها كإنجازات، على حساب الجهود طويلة الأمد لبناء علاقات إيجابية. فهي تركز على الصفقات مع القادة، لا على بناء روابط بين الشعوب، والتي لا تؤتي ثمارها إلا بعد سنوات. فما الحاجة إلى كسب الأجيال القادمة إذا كان المنصب سينتهي في 2028؟

لو كانت هذه هي رؤيتك للعالم، فمن الطبيعي أن تقلل من شأن القوة الناعمة وتعتمد على القوة الصلبة. لكن الأمريكيين ينبغي أن يعرفوا أفضل من ذلك. فبعض أعظم نجاحات السياسة الخارجية الأمريكية جاءت من التعاون البنّاء والسخي مع الآخرين، بما في ذلك الخصوم السابقون، ومن تحسين جوانب داخلية لتعزيز صورتها عالمياً. ومن الأمثلة على ذلك: خطة مارشال، وحلف الناتو، وحركة الحقوق المدنية، وتعزيز التجارة الحرة، والمفاوضات التي أنهت الحرب الباردة ووحدت ألمانيا. في المقابل، جاءت بعض أكبر الإخفاقات مثل فيتنام، وحروب العراق وأفغانستان، والتدخل في ليبيا، والفشل الحالي في إيران من الاعتقاد بأن القوة الصلبة وحدها كافية.

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك العديد من المقومات الجاذبة، وقد استطاع العالم التمييز بين أمريكا كفكرة ومثال، وبين تصرفات بعض قادتها. لكن إذا استمر تدهور الحياة السياسية الأمريكية، وسوء استخدام القوة الصلبة، وتآكل القوة الناعمة، فإن الفصل بين الاثنين سيصبح أكثر صعوبة.

 

أعلى