لماذا أصرّ قوم إبراهيم عليه السلام على الباطل رغم انكشافه أمامهم؟ وكيف تحوّلت المواجهة من حوار بالحجة إلى عنف وانتقام؟ وما الذي تعلّمنا إياه القصة عن نصرة الحق والثبات حين تضل العقول وتنتكس الفِطر؟
الحمد لله الولي الحميد،
ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الفعال لما يريد، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا
مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة نرجو بها الفوز يوم لقائه،
والخلد في جنته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ هداية المؤمنين، وقدوة المتقين،
والحجة على الكافرين والمنافقين، والشافع المشفع في الموقف العظيم، صلى الله وسلم
وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتمسكوا بدينه؛ فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تتبعوا
أهواء الكافرين والمنافقين ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى
شَرِيعَةٍ
مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
* إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ
* هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
[الجاثية: 18-19].
أيها الناس:
كرر الله تعالى سيرة الخليل إبراهيم عليه السلام مع قومه في القرآن كثيرا؛ للتأسي
بهذا النبي الكريم، والاستفادة من سيرته العظيمة. ومن أجمع المواضع التي فصل فيها
شأن الخليل عليه السلام مع قومه، وتحطيمه لأصنامهم، ما جاء في سورة الأنبياء، وبدأ
الله تعالى قصة الخليل فيها بقوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ
رُشْدَهُ
مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: 51]،
«وَالرُّشْدُ:
الْهُدَى وَالرَّأْيُ الْحَقُّ، وَضِدُّهُ الْغَيُّ»،
كما قال تعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ
مِنَ
الْغَيِّ﴾
[البقرة: 256]. ثم قال سبحانه ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]،
«أي:
أعطيناه رشده، واختصصناه بالرسالة والخلة، واصطفيناه في الدنيا والآخرة؛ لعلمنا أنه
أهل لذلك، وكفء له، لزكائه وذكائه؛ ولهذا ذكر محاجته لقومه، ونهيهم عن الشرك،
وتكسير الأصنام، وإلزامهم بالحجة»
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ
لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾
[الأنبياء: 52- 53]، وهي حجة من لا حجة له، أن يقلد آباءه في الشرك والمعصية،
وكذا قال المشركون في كل الأمم؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله ﴿وَكَذَلِكَ مَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا
إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا
عَلَى
أُمَّةٍ
وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾
[الزخرف: 23]. فرد الخليل على حجتهم رد العالم بربه سبحانه، المستنير بالوحي ﴿قَالَ
لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: 54]،
«وَلِإِنْكَارِهِمْ
أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ ضَلَالًا، وَإِيقَانِهِمْ أَنَّ آبَاءَهُمْ
عَلَى الْحَقِّ، شَكُّوا فِي حَالِ إِبْرَاهِيمَ»
أيكون جادا في قوله، معتقدا لما يقول، أم مازحا؟ ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا
بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 55]، فأكد الخليل عليه
السلام عقيدته في ألوهية الله تعالى، وحرك عقولهم بجواب يثبت فيه ربوبيته سبحانه؛
وهم يقرون بها، ويعلمون أن أصنامهم لا تخلق شيئا، وحينئذ فمن يخلق هو الذي يجب أن
يعبد، وأعلن شهادته على ذلك، والرسل عليهم السلام يشهدون لله تعالى بالربوبية
والألوهية، ويفردونه سبحانه بالعبودية ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 56].
وأقسم الخليل عليه السلام
على أن يغير هذا المنكر العظيم بتكسير أصنامهم، ويثبت لهم أنها لا تنفع ولا تضر ولا
تدفع الأذى عن نفسها، فضلا أن تدفعه عن غيرها ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ
أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: 57]، وبرّ الخليل
بقسمه، وكسر أصنامهم؛ لعل عقولهم ترجع إليهم ﴿فَجَعَلَهُمْ
جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:
57]،
«أي:
ترك إبراهيم تكسير صنمهم هذا؛ لأجل أن يرجعوا إليه، ويستملوا حجته، ويلتفتوا إليها،
ولا يعرضوا عنها»
وتأسى نبينا محمد صلى عليه وسلم بالخليل عليه السلام فكسر أصنام المشركين حين دخل
مكة فاتحا، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ:
«دَخَلَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ
سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ
يَطْعَنُهَا
بِعُودٍ
فِي
يَدِهِ
وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا
يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾»
رواه الشيخان.
واستعظم قوم الخليل عليه
السلام تكسير أصنامهم، ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 59]، فوصموا الخليل بالظلم لأنه أنكر شركهم، مع أنه
جاء بالعدل حين حطم أصنامهم ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ
إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60]، أي: يذكر أصنامهم؛ وذلك أن بعضهم سمعه وهو يقول
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
[الأنبياء: 57]، ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: 61]،
«أي:
يحضرون ما يُصنع بمن كسر آلهتهم، وهذا الذي أراد إبراهيم وقصد: أن يكون بيان الحق
بمشهد من الناس؛ ليشاهدوا الحق، وتقوم عليهم الحجة؛ كما قال موسى حين واعد فرعون: ﴿قَالَ
مَوْعِدُكُمْ
يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾
[طه: 59]».
وسألوا الخليل عليه السلام ﴿قَالُوا أَأَنْتَ
فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:
62-63]، أراد بذلك تحريك عقولهم، وإلزامهم بحجة تقطعهم، وتدحض عبادتهم للأصنام؛ فهم
يدركون أنه لا يمكن لهذا الصنم أن يكسر بقية الأصنام؛ إذ لا يتحرك فكيف يفعل ذلك،
ولا يستطيعون سؤاله أو سؤال الأصنام المحطمة لأنها لا تنطق، وإذن فلا تنفع ولا تضر،
فكيف يعبدونها؟! ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: 64]،
«أي:
ثابت عليهم عقولهم، ورجعت إليهم أحلامهم، وعلموا أنهم ضالون في عبادتها، وأقروا على
أنفسهم بالظلم والشرك»،
وما لبثوا أن تسلط عليهم الشيطان فتركوا الحجة وعادوا إلى أهوائهم في الجدال عن
الأصنام، والرضا بعبادتها، ورأوا أن الخليل عليه السلام يهزأ بهم؛ لأن أصنامهم لا
تنطق فكيف يسألونها. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا
هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 65]، وبادر الخليل إلى إنكار عبادتهم
للأصنام ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ
شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 66-67]، فلما انقطعت حجتهم، وعجزوا عن مجاراة
الخليل في المناظرة؛ لجئوا إلى العنف والانتقام، الذي هو حيلة العاجزين ﴿قَالُوا
حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 68]،
قال ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:
«كَانَ
آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي
النَّارِ:
حَسْبِيَ
اللهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»
رواه البخاري. فأنقذه الله تعالى من نارهم بقدرته عز وجل، ﴿قُلْنَا يَا
نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا
فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: 69-70].
وتتابعت نعم الله تعالى
على الخليل بإيمانه وتوحيده، فهاجر من العراق إلى الشام، ورزق الذرية المباركة،
وكانت الإمامة والنبوة في نسله؛ إكراما من الله تعالى له ﴿وَنَجَّيْنَاهُ
وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا
لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ *
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ
الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا
عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 71-73].
وأقول قولي هذا وأستغفر
الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا
مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم
إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:
281].
أيها المسلمون:
في حماية الله تعالى للخليل عليه السلام من الحرق نصرة الله تعالى لأوليائه، وقدرته
سبحانه بجعل النار المحرقة بردا وسلاما على إبراهيم، وهذا المعنى سيتكرر في آخر
الزمان حين يقذف الدجال من كذبوه في ناره فتكون لهم جنة، ويضع من آمنوا به في جنته
فتكون عليهم نارا. ومن والى الله تعالى، ووالى أولياءه، وثبت على دينه، ودعا إلى
طريقه؛ زاده الله تعالى ثباتا وإيمانا، ونجاه سبحانه ممن مكروا به سواء، وأرادوا به
شرا، وتلك سنته سبحانه في أوليائه ﴿وَكَذَلِكَ
نُنْجِي
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
وفي استنكار قوم الخليل تحطيمه لأصنامهم، ووصمه بالظلم حين ﴿قَالُوا مَنْ
فَعَلَ
هَذَا
بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[الأنبياء: 59] دليل على أن العقول والفطر تنتكس، فترى الباطل حقا، وترى الحق
باطلا، وتجادل عن الباطل وتقاتل في سبيله، وفي زمننا هذا كثير ممن يتسمون بالإسلام
ينصرون الباطل من الكفر والشرك والنفاق والبدع، وأنواع الفسوق والعصيان، ويجادلون
عنها، ويحاربون في سبيلها؛ لأهواء في نفوسهم، وانتكاس في فطرهم وعقولهم. وكل ذلك
مجاف لملة الخليل عليه السلام التي هي التوحيد الخالص، ونبذ الأنداد والبدع
والضلالات، وإنكار المنكرات، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ
مِلَّةِ
إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾
[البقرة: 130]، وقال تعالى ﴿وَقَالُوا كُونُوا
هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ
مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[البقرة: 135]، وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ
مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾
[النساء: 125]، وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ
مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[النحل: 123].
وخلط دين الإسلام الصحيح
بغيره من الأديان المحرفة أو المخترعة لبس للحق بالباطل مهما كان مسماه، وأيًّا كان
مصدره، والقصد منه القضاء على الحق وإعلاء الباطل، والله تعالى يقول ﴿وَلَا
تَلْبِسُوا الْحَقَّ
بِالْبَاطِلِ
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 42].
وصلوا وسلموا على نبيكم...