• - الموافق2026/02/26م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أوصاف القرآن الكريم ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾

لماذا كان القرآن يصنع رجالًا تبكي أعينهم، وترتجف جلودهم، وتلين قلوبهم، حتى تُسمع نشيجهم في الصفوف؟ وما السر الذي جعل الجبال لو أُنزل عليها لتصدعت، بينما تقسو بعض القلوب اليوم؟ وكيف نستعيد أثر القرآن الحقيقي في حياتنا قبل فوات الأوان؟


الحمد لله الذي جعل القرآن شفاء لما في الصدور، وأنار به كثيرا من العقول، فاستضاءوا بنوره، واهتدوا بهداه، فكُتب لهم الفلاح، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ أنزل القرآن في رمضان، وجعله شهر القرآن، فتعج به المساجد في التراويح والقيام، ويتلوه المصلون أدبار الصلوات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ كان يعرض القرآن في كل رمضان على جبريل عرضة واحدة، حتى إذا كان آخر رمضان من حياته عرضه عرضتين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واستثمروا ما بقي من رمضان؛ فقد مضى ثلث وبقي ثلثان، وسينقضي سريعا على المشمرين والمفرطين، وشتان ما بينهما في الأجور والدرجات ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11].

أيها الناس: أنزل الله تعالى القرآن ليتعبد المؤمنون بتلاوته والعمل به، ولتصلح به قلوبهم، وتزكو به نفوسهم؛ فإن القرآن يؤثر في القلوب فتخشع، وتنقاد لأمر الله تعالى، وتنتهي عن نهيه؛ رجاء فيما عنده من الثواب، وخوفا من العقاب. فمن أوصاف القرآن أنه كتاب خشوع وتأثير، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. فوصف الله تعالى أهل خشيته سبحانه بأنهم إذا قرؤوا القرآن اقشعرت جلودهم، أي: أصابتها رعدة من الخوف والفزع، وسبب ذلك ما في القرآن من التهديد والوعيد للعصاة والمستكبرين؛ فيخاف من يخشى الله تعالى حين يمر بآيات الوعيد؛ لإيمانه بالقرآن، ويقينه بأن وعد الله تعالى حق، وعلمه بأن عذابه أليم شديد؛ لأنه عذاب القوي القهار، العزيز الجبار، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو عذاب بالنار -وهي أشد العذاب- وهو أصناف كثيرة مذكورة في القرآن في وصف تعذيبهم، وسحبهم على وجوههم، وبيان طعامهم وشرابهم ولباسهم، مما تفزع منه قلوب الخاشعين. ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله تعالى؛ وذلك حين يقرؤون آيات الرجاء، وما فيها من سعة رحمة الرحمن الرحيم، وعفوه عن أخطاء الخطائين، وتوبته على التائبين، ومغفرته للمستغفرين، وعطائه للسائلين، وإجابته للداعين، فيستروحون بذلك، ويعظم رجاؤهم في ربهم سبحانه، وتشتد رغبتهم في الجنة وما فيها من أنواع النعيم، حين تمر بهم آياتها فتصفها وتصف نعيم أهلها، جعلنا الله ووالدينا وأحبابنا من أهلها.

وهذا التقلب الذي يعيشه قارئ القرآن بين الخوف والرجاء؛ يقع لمن تدبر القرآن، وهو ما يجب أن يكون عليه المؤمن، أن يعيش حياته بين الخوف والرجاء؛ فيخاف ذنوبه، ويطمع في رحمة ربه سبحانه وتعالى.

ولا يشك مؤمن بالقرآن أنه يؤثر في قلبه حين قراءته أو سماعه بتدبر، كيف وقد أخبرنا الله تعالى بأن القرآن لو أنزل على جبل لتصدع من خشية الله تعالى ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]، «أَيْ: فَإِنْ كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ، لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ عز وجل، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ -أَيُّهَا الْبَشَرُ- أَلَّا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ، وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ تعالى أَمْرَهُ، وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]».

وأفاضل هذه الأمة المباركة كانت تقشعر جلودهم عند قراءة القرآن وسماعه، وتوجل قلوبهم، وتدمع عيونهم. قدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ صلى الله عليه وسلم» رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وقرأ عليه ابن مسعود سورة النساء، قال ابن مسعود «حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» رواه البخاري. وذات مرة «تَلَا قَوْلَ اللهِ عز وجل فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: 36] الْآيَةَ. وَقَالَ عِيسَى عليه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى....» رواه مسلم.

وسار صحابته رضي الله عنهم على نهجه صلى الله عليه وسلم في الخشوع، وقشعريرة الجلد عند قراءة القرآن؛ فسئلت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: «كَيْفَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُونَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ؟ قَالَتْ: كَانُوا كَمَا نَعَتَهُمُ اللَّهُ تعالى، تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ». وأُطلق على أبي بكر رضي الله عنه الأسيف من كثرة بكائه من خشية الله تعالى، وفي أول الإسلام ابتنى مسجدا في فناء داره يصلي فيه، قالت عائشة رضي الله عنها: «...فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ» رواه البخاري. ولما مرض النبي صلى الله عليه وسلم قال «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ» رواه البخاري.

وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد قال عبد الله بن عيسى الأنصاري: «كَانَ فِي وَجْهِ عُمَرَ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ». وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: «سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَإِنِّي لَفِي آخِرِ الصُّفُوفِ، وهو يقرأ سورة يوسف حين بلغ ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]». وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: «إذا قرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6] قال: يعني الجهل، ويبكي، وإذا قرأ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] بكى»، وقال ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَانَ إِذَا نَزَلَ قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ، فَسَأَلَهُ أَيُّوبُ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ؟ قَالَ: قَرَأَ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19]، فَجَعَلَ يُرَتِّلُ، وَيُكْثِرُ فِي ذَلِكُمُ النَّشِيجِ». وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ:« كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16] بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ الْبُكَاءُ، وَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ».

نسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا بالقرآن، وأن يرزقنا كثرة تلاوته وتدبره والعمل به، إنه سميع مجيب.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية

  الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

 أما بعد: فاتقوا الله وأطيعوه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

أيها المسلمون: التأثر بالقرآن نعمة يمن الله تعالى بها على من يشاء من عباده، فإن كان مؤمنا ازداد إيمانا ويقينا؛ كما قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]، وقال تعالى ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124]. وإن كان عاصيا فحري أن يقلع عن معصيته بزيادة إيمانه. وإن كان كافرا رجي إسلامه؛ فكم من كافر تأثر بالقرآن، فقاده للإسلام؛ وهذا من بركة القرآن؛ فإنه كتاب مبارك، لا يداوم مؤمن على قراءته وتدبره إلا حلت عليه بركته في كل شيء؛ فبورك له في وقته وفي عمره وفي عمله وفي أهله وماله وولده. وأعظم بركة تُنال بالقرآن ما يجنيه قارئه من حسنات بقراءته؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب.

ومن شدة القرآن على المكذبين أنهم لا يطيقون سماعه، ولا يقدرون على معارضته، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله سبحانه ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 125]، وفي آية أخرى ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46]؛ فهم يفارقونه لعجزهم عنه. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]، ولذا كان البيت الذي يقرأ فيه القرآن، وتقرأ فيه سورة البقرة تفر منه الشياطين.

فيا أهل القرآن الزموا القرآن، واجعلوا قراءته أهم وظائفكم اليومية بعد الفرائض، وتدبروا آياته، وافهموا معانيه، واعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، وقفوا عند حدوده، واجعلوه منهج حياتكم، وتأملوا ما تجدونه من الراحة والطمأنينة في تلاوته وسماعه في تلك الليالي المباركة؛ فإنه كلام الله تعالى، وفضله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه؛ فخذوا حظكم منه قبل أن يحال بينكم وبينه بالموت ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].

وصلوا وسلموا على نبيكم...

 

أعلى