هل استحضار نعيم الجنة كما وصفه القرآن والسنة كفيل بأن يغيّر علاقتنا بالدنيا، ويدفعنا إلى المسارعة بالطاعة، وترك الغفلة، قبل أن نقف بين نعيمٍ مقيم أو عذابٍ لا يُحتمل؟
الحمد لله الخلاق العليم؛
خلق الجنة دارا للمنعمين، وخلق النار دارا للمعذبين، وأبان السبيل إليهما للمكلفين،
نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ﴿لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
فَقَدَّرَهُ
تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]، وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على بيضاء ليلها
كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه
بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعملوا لآخرتكم ما تجدونه أمامكم؛ فإن الفوز يوم
القيامة عظيم، وإن الخسارة فيه كبيرة؛ فإما نعيم مقيم لا يحول ولا يزول، وإما عذاب
أليم لا يخفف عن صاحبه ولا هو يموت ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
يُدْخِلْهُ
جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
[النساء: 13-14].
أيها الناس:
الجنة دار أعدها الله تعالى لأوليائه، وحرم منها أعداءه، وهي دار وصفت في الحديث
القدسي بما لا مزيد عليه؛ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قَالَ اللهُ تعالى:
«أَعْدَدْتُ
لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ،
وَلَا
خَطَرَ
عَلَى
قَلْبِ
بَشَرٍ؛ فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ:
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾»
رواه الشيخان.
وإن الإنسان ليعجب حين يمر
بالأسواق فيرى ما فيها من أنواع المآكل والمشارب واللباس والأثاث، وما لم يره في
أسواق أخرى، ومدن أخرى، ودول أخرى؛ أضعاف ما رأى، وكل ذلك في دنيا زائلة لا تساوي
عند الله تعالى جناح بعوضة، ثم يغري سبحانه عباده المؤمنين بما لم تره عين من قبل،
ولم تسمع به أذن من قبل، ولا يمكن أن يرد على ذهن أحد، أو يخطر على قلبه، فما ذلكم
النعيم الذي اخفاه الله تعالى عن المؤمنين، وخبأه لهم في دار النعيم؟!
وفي الدنيا أنواع من الفرش
والنمارق والأرائك والسرر، يتخذ الناس منها ما يحتاجون، وفي جمالها وحسن صنعتها
يتنافسون، ويباهي الأغنياء منهم بنوادرها ويفاخرون.
وفي الجنة فرش معدة
لأهلها، مذكورة في قول الله تعالى ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى
فُرُشٍ
بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾
[الرحمن: 54]،
«فوصف
البطانة بأحسن ما يُعلم من الزينة؛ إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأنفس من البطائن»
قال أبو هريرة رضي الله عنه:
«هَذِهِ
الْبَطَائِنُ فَمَا ظَنُّكُمْ
بِالظَّوَاهِرِ؟»،
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:
«وَصَفَ
الْبَطَائِنَ وَتَرَكَ الظَّوَاهِرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ
يَعْرِفُ
مَا
الظَّوَاهِرُ».
ومن أوصاف هذه الفرش: أنها
مرفوعة كما في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ
مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: 34].
«أي:
مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ، وما لا
يعلمه إلا الله تعالى».
«وَذهب
جمَاعَة من التَّابِعين إلى أَن الْفرش المرفوعة هَاهُنَا هِيَ النِّسَاء، وَالْعرب
تسمي الْمَرْأَة فرَاش الرجل ولحافه. وسماهن مَرْفُوعَة؛ لِأَنَّهُنَّ رفعن
بِالْفَضْلِ وَالْجمال والكمال. وَالْعرب تسمي كل فَاضل رفيعا. وَيُقَال: سماهن
فرشا؛ لِأَنَّهُنَّ على الْفرش، فكنى بالفرش عَنْهُن».
وقال تعالى ﴿مُتَّكِئِينَ
عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾
[الرحمن: 76]،
«وَالرَّفْرَفُ:
ضَرْبٌ مِنَ الْبُسُطِ... يُبْسَطُ عَلَى الْفِرَاشِ لِيُنَامَ عَلَيْهِ، وَهِيَ
تُنْسَجُ عَلَى شِبْهِ الرِّيَاضِ، وَيَغْلُبُ عَلَيْهَا اللَّوْنُ
الْأَخْضَرُ...وَعَبْقَرِيٍّ: وَصْفٌ لِمَا كَانَ فَائِقًا فِي صِنْفِهِ عَزِيزَ
الْوُجُودِ»،
«وَالْعَبَاقِرِيُّ:
هِيَ عِتَاقُ الْبُسُطِ، أَيْ: جِيَادُهَا وَخِيَارُهَا وَحِسَانُهَا، وَهِيَ
بُسُطُ الْجَنَّةِ لَا الدُّنْيَا، وَقَدْ خُوطِبَ الْعَرَبُ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ
عِنْدَهُمْ، وَفِي الْجَنَّةِ مَا هُوَ أَحْسَنُ وَأَجْمَلُ وَأَبْهَى وَأَسْنَى
وَأَعْظَمُ مِمَّا فِي النُّفُوسِ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَنَوْعٍ مِنْ
أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ، وَأَجْنَاسِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَأَلَذُّ فِي
الْمَنَاظِرِ وَالنُّفُوسِ».
ولأهل الجنة سرر ليست كسرر
الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
إِخْوَانًا عَلَى
سُرُرٍ
مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]، وقال
تعالى ﴿مُتَّكِئِينَ
عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾
[الطور: 20]،
«وَالْمَصْفُوفَةُ:
الْمُتَقَابِلَةُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ مُجْتَمِعِينَ
لِلتَّأَنُسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات:
44]» وقال
تعالى ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ *
مُتَّكِئِينَ
عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾
[الواقعة: 15-16]، وقال تعالى: ﴿فِيهَا
سُرُرٌ
مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: 13]. قال
ابن القيم رحمه الله تعالى:
«فأخبر
تعالى عن سُرُرِهم بأنَّها مصفوفة بعضها إلى جانب بعض، ليس بعضها خلف بعض، ولا
بعيدًا من بعض، وأخبر أنَّها موضونة، والوَضْن في لغتهم: النضد والنسج المضاعف».
وفي الجنة أرائك عليها
يتكئون،
«والاتكاء:
التمكن من الجلوس في حال الرفاهية والطمأنينة والراحة»،
«كجلوس
الملوك على الأسرة»،
والأريكة
«اسْمٌ
لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ وَحَجَلَةٍ. وَالْحَجَلَةُ: قُبَّةٌ مِنْ ثِيَابٍ تَكُونُ فِي
الْبَيْتِ تَجْلِسُ فِيهَا الْمَرْأَةُ أَوْ تَنَامُ فِيهَا. وَلِذَلِكَ يُقَالُ
لِلنِّسَاءِ: رَبَّاتُ الْحِجَالِ. فَإِذَا وُضِعَ فِيهَا سَرِيرٌ لِلِاتِّكَاءِ
أَو الِاضْطِجَاع فِهي أَرِيكَةٌ. وَيَجْلِسُ فِيهَا الرَّجُلُ وَيَنَامُ مَعَ
الْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ التَّرَفِ»،
«وخص
الاتكاء؛ لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم»،
«وفي
اتكائهم على الأرائك، ما يدل على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم
يسعون عليهم بما يشتهون، وتمام ذلك الخلود الدائم، والإقامة الأبدية»،
وفي الإخبار عن اتكائهم على الأرائك آيات كثيرة، منها قول الله تعالى ﴿مُتَّكِئِينَ
فِيهَا عَلَى
الْأَرَائِكِ
نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾
[الكهف: 31]، وقوله تعالى ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى
الْأَرَائِكِ
مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: 5-6]، وقوله
تعالى ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى
الْأَرَائِكِ
لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾
[الإنسان: 13]، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى
الْأَرَائِكِ
يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾
[المطففين: 22-24].
ولأن الكفار كانوا يسخرون
من أهل الإيمان، ويستهزئون بهم، ويضحكون منهم؛ فإن أهل الأيمان متكئين على أرائكهم،
يضحكون من الكفار وما حل بهم من العذاب والنكال ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا
كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
يَضْحَكُونَ
* وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ
انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ *
وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ
الْكُفَّارِ
يَضْحَكُونَ
* عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: 29-36].
وأقول قولي هذا وأستغفر
الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا
كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى
بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:
281].
أيها المسلمون:
في الجنة بسط ونمارق؛ كما قال تعالى ﴿وَنَمَارِقُ
مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾
[الغاشية: 15-16]،
«وَالنَّمَارِقُ:
جَمْعُ نُمْرُقَةٍ وَهِيَ الوسادة الَّتِي يتكئ عَلَيْهَا الْجَالِسُ
وَالْمُضْطَجِعُ. وهي مَصْفُوفَةٌ: أَيْ جُعِلَ بَعْضُهَا قَرِيبًا مِنْ بَعْضٍ
صَفًّا، أَيْ: أَيْنَمَا أَرَادَ الْجَالِسُ أَنْ يَجْلِسَ وَجَدَهَا. وزَرابِيُّ:
جَمْعُ زَرْبِيَّةٍ، وَهِيَ الْبِسَاطُ الْمَنْسُوجُ مِنَ الصُّوفِ الْمُلَوَّنِ
النَّاعِمِ، يُفْرَشُ فِي الْأَرْضِ لِلزِّينَةِ، وَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ لِأَهْلِ
التَّرَفِ وَالْيَسَارِ».
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
«وتأمَّل
كيف وصَفَ سبحانه وتعالى الفُرش بأنَّها مرفوعة، والزرابي بأنَّها مبثوثة، والنمارق
بأنَّها مصفوفة، فرفْعُ الفرش دالٌ على سُمْكِهَا ولينها، وبثُّ الزرابي دالٌّ على
كثرتها، وأنَّها في كل موضع لا يختصُّ بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه، وصفُّ
المساند، يدلُّ على أنَّها مهيأة للاستناد إليها دائمًا، ليست مُخَبَّأة تُصَفُّ في
وقتٍ دون وقتٍ».
أيها الإخوة:
ومن اشتاق إلى الجنة عمل بعمل أهلها، وجانب ما يحول دونها، وكثرة قراءة القرآن سبب
للاشتياق للجنة؛ إذ فيه وصفها وما فيها من النعيم. وكان الصالحون ولا زالوا في عزوف
عن متاع الدنيا وزينتها، والاكتفاء ببلغة العيش منها، والاجتهاد في الطاعات؛
استثمارا للأعمار والأوقات، وكل يوم يمر على العبد ضعفت فيه نفسه عن الطاعة فهو
خسارة عليه. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«إنه
ليس
لأنفسكم
ثمن
إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها».
وقال أحمد بن حرب رحمه الله تعالى:
«إن
أحدنا يؤثر الظل على الشمس ثم لا
يؤثر
الجنة
على النار»،
وقال هارون الرشيد لابن السماك:
«عظني،
قال: احذر يا أمير المؤمنين أن تصير إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فلا يكون
لك
فيها
موضع
قدم».
فالبدار البدار، والمسابقة
المسابقة إلى دار نعيمها دائم لا ينقطع، وكامل لا ينقص، وهنيٌ لا ينغص، يعز على
العد والحد، ويجل عن النعت والوصف ﴿سَابِقُوا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ
اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
[الحديد: 21].
وصلوا وسلموا على نبيكم...