كيف أسهم علم أصول الفقه والدرس اللغوي في تأسيس المعجم القرآني وضبط دلالات الألفاظ والسياق، بما جعله المفتاح الأساس لفهم القرآن الكريم، وتحقيق البيان، والاحتراز من الخطأ في التفسير؟
إن الناظر في مصنّفات ومصادر علم أصول الفقه، خاصةً الكتب التي تُعدّ مِن قبيل
الأمهات مثل البرهان لإمام الحرمين، والمستصفى للإمام الغزالي، والمعتمد لأبي
الحسين البصري، والعُمَد للقاضي عبد الجبار الهمداني، وإحكام الفصول لأبي الوليد
الباجي، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، ونفائس الأصول للقرافي، والبحر المحيط
للزركشي؛ يقف على واقع الدرس اللغوي عند الأصوليين، وهو الدرس الذي يُشكِّل حلقة
مهمة ومرحلة كبرى في مسار تطوُّر البحث اللغوي في تاريخ اللغة العربية بشكل عام.
ومما يدل على الموقع اللغوي في الدرس الأصولي، هو تركيز علماء الأصول على البُعْد
الدلالي في تعريفهم للغة العربية، وتركيزهم على الدلالة اللفظية؛ لأن اللغة في
المنظور الأصولي، -كما حددها ابن حزم الأندلسي (ت543هـ)- هي:
«الألفاظ
المُبَيِّنة لمسمياتها، والمُركّبة للمعاني»[1].
ومن المقتضيات الضرورية في التفسير: التحقق من اللفظة القرآنية المتداوَلة في
الاستعمال القرآني، وفي انتقال هذه اللفظة من الوضع إلى الاستعمال، ومن الدلالة
الحقيقية إلى الدلالة الطارئة، ومن الحقيقة إلى المجاز، وهي الدلالة التبعية؛ لأن
المعرفة باللفظ من حيث الوضع والاستعمال، ومن حيث الإفراد والاشتراك؛ هو الطريق
والسبيل في استمداد المعنى من القرآن الكريم.
قال ابن حزم الأندلسي، -مبينًا أهمية اللفظ في تحصيل المعنى وتمثّل الدلالة-:
«إذ
من الثابت أنه لا بيان إلا بالألفاظ المُعبِّرة عن المعاني»[2].
وهذا ما يلزم منه الاستعانة بالمعاجم القرآنية الخاصة التي عُنِيَت بتحقيق كلمات
القرآن الكريم وتحقيقها تبعًا للسياق الذي وردت فيه؛ لأن المعرفة باللفظ في دورانه
بين الوضع والاستعمال، وبين الإفراد والاشتراك، وبين الحقيقة والمجاز؛ من الأدوات
المساعدة على التفسير»[3].
وقد عدَّ الإمام الراغب الأصفهاني (ت502هـ) أن التحقق من اللفظة، ومن المعجم
القرآني، من أهم المُعاون لمن أراد التصدي لتفسير لكتاب الله تعالى.
وذكرت الأستاذة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أن المعالجة اللغوية لألفاظ القرآن
الكريم من أوائل المقدمات والضروريات لمن يرغب في تفسير كتاب الله، وهو الطريق الذي
يعمل على الاحتراز من الخطأ في التفسير.[4]
فالمعرفة بالكلمات القرآنية المفردة هي الخطوة الأولى إلى فَهْم الكلام، والجهل
بالجزء يُفْضي إلى الجهل بالكل، وسوء الفهم للكلمة يؤدي إلى سوء فهم الكلام؛
«وإنما
يحترز المرء من الخطأ إذا هو سدَّ جميع أبواب الخطأ».[5]
في حين كشف عن خصوصية المفردة القرآنية في الاستعمال القرآني الأستاذ أحمد عبادي؛
فقال:
«إن
الواحد يتكلم بالكلام الذي يتركب من عدد من الكلمات، لكن إذا هو راجَع تلك الكلمات
بدأ له ما هو أحسن منها، لكن الأمر لا يقع في القرآن الكريم مطلقًا، فهو لا يجد هذا
التباين، ولا يجد مثل تلك الكلمة حتى لو فتَّش في جميع كلام العرب»[6].
ومن المعاجم القرآنية المشهورة الخادمة لكتاب الله نذكر:
- مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، ت210هـ.
- ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن الكريم، ليحيى بن سلام القيرواني، ت200هـ[7].
- مفردات القرآن، للراغب الأصفهاني، ت502هـ.
- عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، للسمين الحلبي، ت756هـ.
- بصائر ذوي التمييز في تفسير لطائف الكتاب العزيز، للفيروز آبادي، ت817هـ.
ومن المعاجم الحديثة: المعجم الفريد لمعاني كلمات القرآن المجيد، لمحمد الجزار
الأزهري، إصدار دار التوزيع، القاهرة مصر، سنة 1427هـ[8].
بهذا الاعتبار المشار إليه، فالدخول إلى النص طريقه ومفتاحه هو معرفة الألفاظ
والعبارات، وتحصيل معانيها ووجوهها، ومقاصدها وإدراك سياقاتها، وهذا الدخول مشروع،
بل هو أمر واجب على كل مَن قصد وأراد التفسير.[9]
فالعناية بالمعجم شكَّل بحثًا مشتركًا ومحورًا جامعًا في العلوم الإسلامية، وكان
لعلماء الأصول مشاركة رائدة ومساهمة متميزة في إلحاحهم على ضرورة التحقق من الكلمات
في تردُّدها بين الوضع والاستعمال[10]؛
ما جعل العناية تتجه إلى السياق والمقتضيات المحيطة بالنصوص القرآنية، وعلاقة هذه
النصوص بعضها مع بعض؛ بحيث لا تُفْهَم بمعزل عن المقابلة والجمع بين النصوص الأخرى.[11]
ومن القواعد الكبرة في علم أصول التفسير:
«السياق
حاكم»؛
فإهمال السياق وعدم مراعاة المقتضى مانع للفهم السديد؛ فـ«العبرة
بالقصد لا باللفظ».
تبعًا لهذه العناية بالسياق، كان قصد التخاطب ودوره في البيان؛ من خلال اعتماد
الألفاظ الشائعة في الاستعمال، والمتداولة في التخاطب عملية ضرورية وقاعدة مرشدة
ليكون المعنى قاضيًا في عملية التفاهم[12].
وشكَّل هذا القيد مقتضًى وأصلًا في عملية التخاطب بين المتكلم والسامع، فالمُواضَعة
بمفردها لا تكفي في هذه العملية التخاطبية، إن هي جُرِّدَت وفُصِلَت عن القصد الذي
يُعدّ قيدًا أساسيًّا في أداء المعنى. وقديمًا قال الجاحظ في كتابه البيان
والتبيين:
«كلما
كان اللسان أبين كان أحمد»[13].
والذي نخلص إليه في حديثنا عن المعجم القرآني، وضرورته في الفهم والبيان والتفسير؛
أن الحق -سبحانه- أنزل كتابه لتحقيق البيان، وتبليغ القصد، فالفهم السديد متوقف على
فَهْم كلمات القرآن الكريم، وبيان مفرداته محققة وفق السياق والمقتضى الدلالي الذي
جاءت فيها هذه الكلمات، فالتحقق من المعجم القرآني هو عماد الفهم السليم والسديد في
تحصيل المعاني القرآنية.
والبيان له تلازم مع اللغة العربية، وقديمًا قال ابن فارس:
«ولما
علمنا أن الله -سبحانه- خصَّ العربية بالبيان علمنا أن سائر اللغات لا تمتثل اللغة
العربية في البيان».[14]
وهذا القيد يجد سنده واعتباره في أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، فطلب فهمه
وتحقيق المعنى فيه، يجب أن يكون من جهة اللغة العربية؛ كما يقول الشاطبي في
الموافقات وغيره من العلماء.[15]
ومما يحضرنا في هذا المجال هو ما جاء في مقدمة تفسير ابن جزي الكلبي الغرناطي
(ت741هـ) في دعوته وإلحاحه الصريح على ضرورة تَمكُّن المُفسِّر من اللغة العربية
ومن علومها المختلفة، ومن معجمها القرآني؛ فلا بد للمُفسِّر من التمكُّن من اللغة
العربية، ومعرفة الضوابط والشروط والمقتضيات لاستخلاص المعنى وتحصيله من النص،
والأخذ بمستويات ودرجات هذا المعنى من حيث الوضوح والخفاء، والانتقال من المعنى
الأصلي إلى المعنى التبعي، ومن المنطوق إلى المفهوم، ومن فحوى الخطاب إلى لحن
الخطاب، ومن المُصرَّح به إلى المُضمَر؛ قال ابن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره:
«وأما
اللغة فلا بد للمُفسِّر من حفظها...».[16]
ومن الشواهد الدالة والكاشفة على وجوب اعتبار اللغة العربية في التفسير: ما ذكره
أبو حيان الأندلسي (ت:754هـ) في مقدمة تفسيره
«البحر
المحيط»
عندما صرَّح بأن
«النظر
في تفسير كتاب الله تعالى يكون من وجوه -أولها- علم اللغة اسمًا وفعلًا وحرفًا،
والحروف لقِلّتها تكلّم على معانيها النحاة، فيُؤخَذ ذلك من كتبهم، وأما الأسماء
والأفعال فيُؤخَذ ذلك من كتب اللغة».[17]
ولبيان مدى ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم في البناء والدلالة والتركيب
ومقتضيات التخاطب، وفي سياق تفسيره لقوله تعالى: {حم
*
وَالْكِتَابِ الْمُبِين
*
إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الزخرف:
1- 3]؛ قال الشيخ ابن عاشور:
«وَالْمَقْصُودُ
بِوَصْفِ الْكِتَابِ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ غَرَضَانِ: أَحَدُهُمَا التَّنْوِيهُ
بِالْقُرْآنِ، وَمَدْحُهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوجٌ عَلَى مِنْوَالِ أَفْصَحِ لُغَةٍ»[18].
خاتمة
ما ننتهي إليه أن البحث عن المعنى في القرآن الكريم، والعمل على تلقّيه، ومقاربته،
وتأمين الطرق والمسالك للوصول إليه، كان من المشاغل الكبرى بين علماء التفسير
وأصوله.
بحيث كان البحث عن مسالك تلقّي المعنى من النص القرآني بشكل عام، مقصدًا كبيرًا بين
علماء التفسير وأصوله، ليكون هذا المعنى مقدمة في الفهم والتفسير والبيان،
والاستمداد السديد والسليم.
والمدونات وكتب التفسير غنيّة بمسائل وقضايا اللغة، وتلقّي المعاني من النصوص
وعلومها، ومعظم هذه المدونات لها صلة وارتباط مباشر بتفسير النصوص وتحليل الخطاب،
وهو ما جعل الوجهة التفسيرية والبيانية تشكل حضورًا متميزًا ومحورًا مركزيًّا في
المدونة التفسيرية.
وعليه، ينبغي استثمار هذه المدونة لتكون شاهدًا على تاريخ اللغة العربية في تطورها
وامتدادها التاريخي.
[1] الإحكام لابن حزم، ج3ص38.
[2] الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، ج3ص33
[3] المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصبهاني، ص6.
[4] مقدمة في المنهج، لعائشة عبد الرحمن، بنت الشاطئ، مركز تراث للدراسات والنشر،
السنة 2019، ص23.
[5] مفهوم التقوى في القرآن الكريم والحديث النبوي، دراسة مصطلحية وتفسير موضوعي،
لمحمد البوزي، دار السلام مصر، السنة: 2006، ص42.
[6] عربية القرآن الكريم، للدكتور أحمد عبادي. عرض ألقاه الدكتور أحمد عبادي في
ندوة: بلاغة النص القرآني التي نظمتها كلية الآداب بالقنيطرة المغرب بالتعاون مع
الرابطة المحمدية للعلماء، 17-18 أبريل 2012، ص22.
[7] حققته الدكتورة هند شلبي، وصدر عن مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بعمان الأردن،
سنة 2007.
[8] حركة التأليف المعجمي في ألفاظ القرآن الكريم، للدكتور أحمد الخمسي، مجلة
التراث العربي -مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 93 و94- السنة
الرابعة والعشرون- آذار وحزيران 2004، ص56.
[9] الحوار أُفقًا للفكر، لطه عبد الرحمن، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت
السنة: 2013، ص164.
[10] الدلالة وتفسير النص، لأحمد الكبيسي، مجلة كلية الشريعة العراقية، ع6، سنة
1986، ص77.
[11] أثر السياق في فهم النص القرآني، لعبد الرحمن بودراع، مجلة الإحياء المغربية،
العدد-25- السنة: 2007، ص45.
[12] التقريب لحد المنطق، ص284.
[13] البيان والتبين، للجاحظ، 1/133.
[14] الخصائص، لابن فارس، ص22.
[15] في مقدمة ابن خلدون:
«إن
القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم؛ فكانوا يفهمونه»
مقدمة ابن خلدون، ص326.
[16] ابن جزي الكلبي، مقدمة التسهيل في علوم التنزيل، 1/8.
[17] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، ج1، ص105، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت
1413هـ. ويراجع: اللغة في كتب التفسير: المنهج-التأويل-الإعجاز. وهو من إعداد
الدكتور الهادي الجلطاوي، إصدار دار محمد علي الحامي للنشر والتوزيع. صفاقس تونس،
1989، ص77.
[18] التحرير والتنوير: ج21 ص121.