كيف يصوغ الإسلام منظومة التكافل الاجتماعي ماديًا ومعنويًا، ليحوّل الإيمان إلى سلوك عملي يداوي الأزمات، ويشيّد مجتمعًا متراحمًا تسوده المسؤولية المشتركة، ويمنع الجوع والحرمان والقطيعة بين الناس؟
التكافل الاجتماعي في الإسلام يتعدد أشكاله وتتنوع صوره؛ فمنه التكافل في جانبه
المادي، والتكافل في جانبه المعنوي، وقد جاء التكافل في جانبيه المادي والمعنوي
حينما كفَل سيدنا زكريا -عليه السلام- أُمّنا مريم -عليها السلام-؛ قال الله تعالى:
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}
[آل عمران: 37].
والتكافل الاجتماعي خُلقٌ عظيمٌ به يتراحم الناس؛ فالغني يُساعد الفقير، والعالِم
يُعلِّم الجاهل، والطبيب يداوي المريض، وصاحب المهنة والحِرْفة يُعلِّم مَن لا
حِرْفة له ولا مهنة... وهكذا.
هذه الروح روح التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع، دلَّ عليها حديث النبي صلى الله
عليه وسلم ، ففي الحديث، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
«المُسْلِمُ
أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ. وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ
أَخِيهِ؛ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ. وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً؛ فَرَّجَ
الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ. وَمَنْ سَتَر مُسْلِمًا؛
سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَة»[1].
وفي أوقات الشدائد والأزمات نرى التكافل والتراحم في حياة السلف الصالح -رضوان
الله عليهم أجمعين-، فهم يقتدون بالنبي الكريم في كرمه وجوده، فعن أبي هريرة -رضي
الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال:
«إني
مجهود»[2]،
فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى
الأخرى، فقالت: مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا
ماء. فقال:
«مَن
يُضيف هذا الليلة؟ رحمه الله».
فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رَحْله، فقال لامرأته: هل
عندك شيء؟»
فقالت: لا، إلا قُوت صبياني، قال: فَعَلِّليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج،
وأَريه أنّا نأكل، فإذا هوى ليأكل، فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا، وأكل
الضيف، فلما أصبح غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال:
«قدْ
عَجِبَ اللَّهُ مِن صَنِيعِكُما بضَيْفِكُما اللَّيْلَةَ»[3]؛
فنزل قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [سورة
الحشر: 9]».
وقد اغتمَّ النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما رأى أناسًا قد دخلوا عليه مسجده
الشريف؛ بسبب ما أصابهم الفقر والجوع، فخطب في الناس يحثّهم على التراحم والتكافل؛
ففي الحديث، عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كُنّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ صلى الله
عليه وسلم في صَدْرِ النَّهارِ، قالَ: فَجاءَهُ قَوْمٌ حُفاةٌ عُراةٌ، مُجْتابِي
النِّمارِ أَوِ العَباءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عامَّتُهُمْ مِن مُضَرَ، بَلْ
كُلُّهُمْ مِن مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ لِمَا
رَأى بهِمْ مِنَ الفاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فأمَرَ بلالًا فأذَّنَ وَأَقامَ،
فَصَلّى ثُمَّ خَطَبَ فَقالَ: ﴿يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، والآيَةَ الَّتي في الحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا
اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:
١٨]، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينارِهِ، مِن دِرْهَمِهِ، مِن ثَوْبِهِ، مِن صاعِ
بُرِّهِ، مِن صاعِ تَمْرِهِ، حتّى قالَ: ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ. قالَ: فَجاءَ رَجُلٌ
مِنَ الأنْصارِ بصُرَّةٍ كادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْها، بَلْ قدْ عَجَزَتْ. قالَ:
ثُمَّ تَتابَعَ النّاسُ، حتّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِن طَعامٍ وَثِيابٍ، حتّى
رَأَيْتُ وَجْهَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأنَّهُ مُذْهَبَة؛
فَقالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
«مَن
سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُها وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بها
بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلامِ
سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كانَ عليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعْدِهِ، مِن
غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزارِهِمْ شَيءٌ».[4]
لو تراحَم الناس ما كان بينهم جائع، ولا عارٍ، ولا مغبون، فإن مَن له فضل زاد مِن
مال، أو طعام، فلْيَعُد به على مَن لا زاد له، ولا مال؛ وبهذا تسود المحبة بين
أفراد المجتمع، وتُرفَع الضغائن والأحقاد من الصدور؛ ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري
-رضي الله عنه-، قال:
«بينما
نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ جاءه رجل على راحلة له، قال: فجعل
يَصْرف بَصَره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«مَن
كانَ معهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ به على مَن لا ظَهْرَ له، وَمَن كانَ له
فَضْلٌ مِن زادٍ، فَلْيَعُدْ به على مَن لا زادَ له».
قالَ: فَذَكَرَ مِن أَصْنافِ المالِ ما ذَكَرَ، حتّى رَأَيْنا أنَّهُ لا حَقَّ
لأَحَدٍ مِنّا في فَضْلٍ»[5].
إن أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله سرور تُدخله على
مسلم؛ تُطعم جائعهم، وتكسو عاريهم، وتُعالج مريضهم، وتقضي دَيْنهم، وتمشي في قضاء
حوائجهم؛ ففي الحديث، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال:
«يا
رسول الله، أيّ الناس أحب إلى الله؟، وأيّ الأعمال أحبّ إلى الله -عز وجل-؟، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«أحب
الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله: سرور تُدخله على مسلم، تكشف
عنه كُربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تَطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخٍ لي في حاجة؛
أحبّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا»[6].
وفي عهد الخليفة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أصاب الناس جفاف وجوع، فلما ضاق
بهم الأمر ذهبوا إلى أبي بكر -رضي الله عنه-، وقالوا: يا خليفة رسول الله، إن
السماء لم تُمطر، والأرض لم تُنبت، وقد أدرك الناس الهلاك، فماذا نفعل؟ فقال أبو
بكر -رضي الله عنه-: انصرفوا واصبروا، فإني أرجو ألا يأتي المساء حتى يفرج عنكم.
وفي آخر النهار جاء الخبر بأن قافلة لسيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قادمة من
الشام قد وصلت المدينة، مُحمَّلة بالسمن والزيت والدقيق، وقد خرج الناس لاستقبالها،
وقد توقفت عند باب عثمان -رضي الله عنه-، فلما أنزلت أحمالها في داره، جاءه التجار،
قال لهم سيدنا عثمان: ماذا تريدون؟ أجاب التجار: إنك تعلم ما نريد، بِعْنا من هذا
الذي وصل إليك. قال لهم: كم أربح على الثمن الذي اشتريت به؟ قالوا: الدرهم بدرهمين.
قال: أعطاني غيركم أكثر. قالوا: أربعة! قال: أعطاني غيركم أكثر. قال: التجار:
نُربحك خمسة. قال عثمان: أعطاني غيركم أكثر. فقالوا: ليس في المدينة تجار غيرنا،
ولم يسبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟ قال سيدنا عثمان -رضي الله
عنه-: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة، الحسنة بعشر أمثالها، فهل عندكم زيادة؟ قالوا:
لا. قال عثمان:
«فإني
أشهد الله أني جعلت ما جاءت به هذه الجمال صدقة للمساكين والفقراء»[7].
وفي زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حدثت مجاعة، فلجأ إلى
الجَلْب من الأقاليم الخصبة، وفيها تكافل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها؛
ليدفعوا غائلة هذه المجاعة المُهلِكَة عن جزيرة العرب؛ فقد أرسل إلى عمرو بن العاص
والي مصر من قبله يقول:
«الغوث
الغوث»؛
فأجابه عمرو: ستكون عيرٌ أولها عندك، وآخرها عندي»،
وبعد أن انتهت المجاعة، قال عمر -رضي الله عنه-:
«لو
أصاب الناس السَّنة -المجاعة-، لأدخلت على أهل كل بيتٍ مِثْلَهم؛ فإن الناس لا
يهلكون على أنصاف بطونهم»[8].
إن التساند والتكافل بين أفراد المجتمع في أوقات الشدائد والأزمات؛ لهو من الإيمان
الحاصل في قلب المؤمن، ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إن
الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة؛ جمعوا ما كان عندهم
في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم»[9].
فالتكافل والتراحم نراه بين أفراد الأسرة، وبين الجار وجاره، وبين الرحم والأقارب.
ففي الحديث، عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
«مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمى»[10]؛
فالناس بخير ما تراحموا وتعاطفوا، فأحسن قويهم إلى ضعيفهم، وغنيهم إلى فقيرهم.
وبالله التوفيق.
[1] أخرجه البخاري، ج3، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه،
حديث رقم (2442)، ص128.
[2] متعب من شدة الحاجة والجوع.
[3] أخرجه مسلم، ج3، كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، حديث رقم (2054)،
ص1624.
[4] أخرجه مسلم، ج2، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، حديث رقم
(1017)، ص704.
[5] أخرجه مسلم، ج3، كتاب، اللقطة باب استحباب المؤاساة بفضول المال، حديث رقم
(1728)، ص1354.
[6] أخرجه الطبراني، المعجم الأوسط، ج6، حديث رقم (6026)، ص139.
[7] حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة، فقه التاجر المسلم: الطبعة: الأولى، بيت
المقدس ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م توزيع: المكتبة العلمية ودار الطيب للطباعة والنشر، ص31.
[8] أبو زهرة: التكافل الاجتماعي في الإسلام، دار الفكر العربي للطباعة والنشر،
ص21.
[9] أخرجه البخاري،ج3، كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض، حديث رقم
(2486)،ص138.
[10] أخرجه مسلم،ج4، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، حديث
رقم (2585)، ص1999.