• - الموافق2026/01/12م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
غزة بعد وقف إطلاق النار: حرب توقفت وإبادة مستمرة

في غزة، ظنّ العالم أن الهدوء عاد بعد وقف إطلاق النار، لكن خلف هذا الستار، تتجدد مأساة صامتة؛ حيث يستبدل القتل السريع بتجويع خفي وتهجير ممنهج، وتستمر الإبادة في ظلال النسيان والصمت الدولي القاتل.


في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أُعلن عن اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، برعاية أمريكية وبوساطة مصرية وقطرية وتركية، أنهى العمليات العسكرية الصهيونية واسعة النطاق التي استمرت لأشهر. ومع بدء المرحلة الأولى من الاتفاق، التي شملت تبادل الأسرى وامتدت لأكثر من شهرين، ساد انطباع عام بأن الحرب قد انتهت، وأن غزة دخلت مرحلة "ما بعد العدوان"، خاصة مع تداول مشاهد محدودة لعودة بعض مظاهر الحياة وترميم جزئي لمرافق صحية وتعليمية.

تبدّل الوتيرة لا الجريمة

غير أنّ هذا الانطباع سرعان ما تبيّن أنه مضلل. فالحرب توقفت شكلياً، لكن الإبادة لم تتوقف. ما جرى لم يكن انتقالاً من الحرب إلى السلام، بل من القتل السريع إلى القتل البطيء، في مشهد أقل صخباً وأكثر خطورة، بعيداً عن عدسات الإعلام واهتمام الرأي العام الدولي.

منذ سريان وقف إطلاق النار، واصل جيش الاحتلال الصهيوني قتل المدنيين في قطاع غزة، وإصابة واعتقال آخرين، وتنفيذ اغتيالات بحق كوادر لم يتمكن من استهدافهم خلال الحرب. في الوقت نفسه، استمر إغلاق المعابر، وتواصل الحصار، وتعمقت سياسات التهجير القسري وتقييد الحركة ومنع الإغاثة. هكذا تغيّرت وتيرة الإبادة، لا جوهرها، في سياق يبدو أنه يحقق أحد الأهداف الصهيونية الأساسية من وقف إطلاق النار: خفض الضغط الدولي، وإدارة الإبادة بعيداً عن الأضواء.

هذا التوصيف لا يقتصر على قراءة فلسطينية للواقع، بل أكدته المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، التي اعتبرت أن ما يُسمّى وقف إطلاق النار "غير موجود أساساً"، وأن ما يجري هو إبادة جماعية مستمرة بوسائل أخرى، في ظل غياب أي نية صهيونية للتخلي عن السيطرة على غزة، وتواطؤ دولي يوفر الغطاء السياسي لذلك.

إبادة صامتة وجريمة مستمرة

تنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن الإبادة في غزة مستمرة رغم توقف الحرب.

وبالعودة إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، نجد أن الوقائع المفروضة حالياً على القطاع تتطابق مع عدد من الأفعال المندرجة قانونياً ضمن جريمة الإبادة، وعلى رأسها: قتل أفراد الجماعة، إلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم، وإخضاع السكان لظروف معيشية قاتلة تهدف إلى تدميرهم كلياً أو جزئياً.

فالحصار المستمر، ومنع الغذاء والدواء، وعرقلة إعادة الإعمار، كلها تشكل "فرضاً متعمداً لظروف معيشية مدمرة". كما أن التهجير القسري الواسع والمتجدد، واستهداف البنية التحتية المدنية، يندرجان ضمن جرائم حرب وقد يصلا إلى مستوى الإبادة الجماعية، خاصة في ظل التصريحات العلنية لقادة الاحتلال التي تهدد باستئناف الحرب وتوسيع السيطرة الجغرافية.

 خروقات وحصار وتجويع

رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، استمرت العمليات العسكرية في المناطق المصنفة "آمنة"، لا سيما شرق ما يُعرف بـ "الخط الأصفر"، الذي يقتطع فعلياً ما يقارب 60% من مساحة قطاع غزة. والتي يستمر فيها هدم المنازل وتجريف الأراضي، وتوسيع الوجود العسكري وبناء مواقع جديدة، بما يعزز احتلالاً طويل الأمد.

وخلال أكثر من شهرين، تم تسجيل مئات الخروقات لوقف إطلاق النار، شملت إطلاق نار مباشر، توغلات عسكرية، واستهدافات جوية وبرية، أسفرت عن مئات الشهداء والجرحى، إضافة إلى الاعتقالات. كل ذلك جرى دون أي مساءلة، في ظل صمت دولي شبه كامل.

لم يطرأ أي تحسن حقيقي على الوضع الصحي في غزة بعد وقف إطلاق النار. فالمنظومة الصحية منهارة، ونسب العجز في الأدوية والمستلزمات الطبية غير مسبوقة، فيما يُمنع آلاف المرضى من السفر للعلاج خارج القطاع. وأدى ذلك إلى وفيات كان يمكن تفاديها، وانتشار الأمراض المعدية، خاصة بين النازحين.

أما سياسة التجويع، فما زالت أحد أعمدة الإبادة المستمرة. إذ لم يُرفع الحصار، ولم تُفتح المعابر بالشكل الكافي، وبقيت كميات المساعدات شحيحة وغير منتظمة. ونتيجة لذلك، يعيش مئات آلاف الفلسطينيين في ظروف مجاعة، فيما تسجل آلاف حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل، مع ارتفاع عدد ضحايا الجوع وفقر الدم، خاصة بين الرضع.

ويفاقم الأزمة أن الاحتلال يتحكم بنوعية الغذاء المسموح بدخوله، فيمنع المواد ذات القيمة الغذائية العالية، ويسمح بأغذية منخفضة القيمة أو ضارة صحياً، تخضع بدورها للاحتكار وارتفاع الأسعار، في ظل ارتفاع غير مسبوق في نسبة الفقر والبطالة.

قتل صامت وتهجير ونزوح

لم يُتح للنازحين العائدين إلى مناطقهم أي فرصة للاستقرار، إذ واصل الاحتلال إطلاق النار، وتحريك الآليات، وتغيير حدود المناطق المحظورة، ما أدى إلى موجات نزوح جديدة. وبحسب الأمم المتحدة، سُجلت عشرات آلاف حالات النزوح القسري منذ بدء وقف إطلاق النار، في إطار سياسة "هندسة التهجير" التي تُبقي غزة غير صالحة للحياة.

وفي موازاة ذلك، ما زالت البنية التحتية مدمرة على نحو شبه كامل، مع تعطيل متعمد لإدخال مواد إعادة الإعمار، بذريعة "الاستخدام المزدوج"، بما يشمل مواد مدنية بحتة. وهكذا، لم يغيّر وقف إطلاق النار واقع الدمار، بل أعاد إنتاجه بوسائل أقل ضجيجاً.

إن ما يجري في قطاع غزة اليوم لا يمكن وصفه بمرحلة "ما بعد الحرب"، بل هو استمرار للإبادة الجماعية بوتيرة أبطأ، عبر القتل والتجويع والتهجير والحصار. لقد تحولت الإبادة من مشهد دموي مباشر إلى سياسة يومية صامتة، تُمارَس تحت غطاء وقف إطلاق النار، وعلى مرأى ومسمع العالم الذي اختار أن يدير ظهره لغزة.

 

أعلى