خطة "ينون" تم تبنيها من قبل أعضاء معهد الاستراتيجيات الصهيونية في الإدارة الأمريكية وتم تناولها بشكل مفترض كوسيلة لتعزيز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وكذلك تحقيق الحلم اليهودي بدولة "من نيل مصر إلى نهر الفرات".
لم تشكل تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو في حديثه عن إسرائيل الكبرى صدمة
سياسية، فقد أشارت إليها العديد من الأبحاث والتقارير التي تناولت السياسيات
والأهداف الإسرائيلية في المنطقة. فهي ليست مجرد تصريحات سياسية للاستهلاك الداخلي
أو محاولة لترهيب الأعداء بل الأمر يسير منذ عقود على خطى ثابتة وخطط معدة سلفا.
ومن ذلك خطة ينون المشهورة والتي تعد وثيقة استراتيجية إسرائيلية نُشرت عام 1982 في
مجلة "كيفونيم"[1] (الاتجاهات) الصادرة عن
المنظمة الصهيونية العالمية.
كتبها عوديد ينون، وهو صحفي في جيروزاليم بوست. ودبلوماسي إسرائيلي ومستشار سابق
لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون.
تحمل الوثيقة عنوان "استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات" وتستند إلى أفكار ثيودور
هرتزل ومؤسسي الحركة الصهيونية، وتهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم
المصالح الإسرائيلية ويضمن تفوقها الإستراتيجي.
يُستشهد به كمثال مبكر لوصف المشاريع السياسية في الشرق الأوسط بمنطق الانقسامات
الطائفية وتجزئة الدول وتقسيمها.
وقد لعبت دورًا في كل من تحليل حل النزاعات من قبل الباحثين الذين يعتبرونها قد
أثرت في صياغة السياسات التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية في عهد جورج دبليو بوش،
وكذلك في النظريات التي بموجبها توقع المقال أو خطّط لأحداث سياسية كبرى في الشرق
الأوسط منذ الثمانينيات، بما في ذلك غزو العراق عام 2003 والإطاحة بصدام حسين.
يشار أن مقال ينون قد تم تبنيه من قبل أعضاء معهد الاستراتيجيات الصهيونية في
الإدارة الأمريكية حتى تم تناوله بشكل مفترض كوسيلة لتعزيز المصالح الأمريكية في
الشرق الأوسط، وكذلك تحقيق الحلم اليهودي بدولة "من نيل مصر إلى نهر الفرات"، وتشمل
غالبية الشرق الأوسط، كما صرح بذلك رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو.
أهداف خطة ينون:
1. تدعو الخطة إلى تقسيم الدول الكبرى في المنطقة، مثل العراق وسوريا ومصر
والسعودية، إلى كيانات أصغر على أسس طائفية أو إثنية (مثل سنة، شيعة، أكراد، دروز).
الهدف هو إضعاف هذه الدول وتحويلها إلى كيانات متصارعة وهشة غير قادرة على تشكيل
تهديد لإسرائيل.
|
أكد ينون في خطته أن الهدف المباشر للسياسة يجب أن يكون تفكيك القدرات
العسكرية للدول العربية المحيطة بإسرائيل، في حين أن الهدف الأساسي طويل
الأجل يجب أن يعمل على تشكيل كيانات منفصلة من حيث الهويات الدينية
والعرقية. |
2. تشجع الخطة على استغلال الانقسامات الدينية والإثنية داخل المجتمعات العربية
لخلق حالة من الفوضى المزمنة، مما يسهل السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.
3.تقترح الخطة دعم الأقليات الدينية والإثنية (مثل الأكراد والدروز) لتكوين حلفاء
أو كيانات تابعة تخدم الأهداف الإسرائيلية.
4. تشير الخطة إلى ضرورة إضعاف الفلسطينيين عبر تهجيرهم أو تشتيتهم، خاصة من خلال
دفع الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، وفي غزة إلى مصر.
السياق التاريخي:
ظهرت الخطة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد (1979) بين مصر وإسرائيل، وفي ظل أحداث
إقليمية مثل الثورة الإيرانية والحرب العراقية-الإيرانية، وكذلك الاجتياح
الإسرائيلي للبنان عام 1982. اعتبر ينون أن هذه الأحداث تمثل فرصة لإعادة تشكيل
المنطقة. وترى الخطة العراق على وجه الخصوص كتحدٍ استراتيجي رئيسي لإسرائيل، مما
جعلها تركز على تفكيكه.
يرى ينون عندما كتب المقال بأن العالم كان يشهد حقبة جديدة في التاريخ لم يسبق لها
مثيل، الأمر الذي تطلب تطوير منظور جديد واستراتيجية تشغيلية لتنفيذه. من وجهة نظره
أن العالم العربي الإسلامي الذي يحيط بإسرائيل قد تم تقطيعه بشكل تعسفي إلى 19 دولة
غير متجانسة عرقيا من قبل القوى الإمبريالية، فرنسا وبريطانيا العظمى، وكان مجرد
«بيت
مؤقت من الورق قام بتجميعه الأجانب».
ثم يشرع في تحليل نقاط الضعف في الدول العربية، من خلال الاستشهاد بما يعتبره
عيوبًا في بنيتها الوطنية والاجتماعية، مستنتجًا أن إسرائيل يجب أن تهدف إلى تفتيت
العالم العربي إلى فسيفساء من التجمعات العرقية والطائفية.
«كل
نوع من المواجهة العربية - العربية»
سيكون مفيدًا لإسرائيل على المدى القصير. رأى الأحداث المعاصرة في لبنان بمثابة
نذير للتطورات المستقبلية بشكل عام في جميع أنحاء العالم العربي. سوف تخلق
الاضطرابات سابقة لتوجيه الاستراتيجيات الإسرائيلية قصيرة وطويلة المدى. على وجه
التحديد.
أكد ينون في خطته أن الهدف المباشر للسياسة يجب أن يكون تفكيك القدرات العسكرية
للدول العربية المحيطة بإسرائيل، في حين أن الهدف الأساسي طويل الأجل يجب أن يعمل
على تشكيل كيانات منفصلة من حيث الهويات الدينية والعرقية.
- ويبدو آثار الخطة جليا على سياسات إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، خاصة في
أحداث مثل غزو العراق عام 2003 والحرب في سوريا. كما يُشار إلى أن وثيقة " (A
Clean Break)
عام 1996، التي كتبها مستشارون أمريكيون وإسرائيليون، استلهمت أفكار ينون أيضا.
"إسرائيل الكبرى":
تتماشى الخطة مع مفهوم "إسرائيل الكبرى" الذي يمتد من النيل إلى الفرات، وهو حلم
صهيوني مزعوم يستند إلى أوهام وتفسيرات تلمودية وأفكار هرتزل. يُزعم أن هذا المشروع
يشمل ضم أراضٍ من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية، مع إنشاء دول وكيلة
تابعة لإسرائيل.
يشار إلى أن رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للشرق الأوسط، خاصة في
خطاباته الأخيرة وخريطته المقدمة أمام الأمم المتحدة عام 2023، تعكس استمرارية
أفكار ينون، مع التركيز على توسيع النفوذ الإسرائيلي عبر تحالفات مع دول عربية (مثل
اتفاقيات إبراهيم) وإضعاف المقاومة الفلسطينية.
[1] كانت مجلة
«كيفونيم»
مُكرّسة لدراسة اليهودية والصهيونية، وقد ظهرت بين عامي 1978 و 1987، ونشرها قسم
الإعلام في المنظمة الصهيونية العالمية في القدس.