• - الموافق2026/11/07م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
زلزال سياسي في أمريكا

هل تكشف الهزيمة الجمهورية في الانتخابات النصفية عن غضب عابر، أم عن تصدع عميق في التحالف الذي صنع عودة ترامب، بعدما اصطدمت وعود «أمريكا أولاً» بارتفاع الأسعار والحروب والخلافات حول دعم إسرائيل والتدخلات العسكرية في الخارج؟


في الأيام القليلة الماضية، أصاب المشهد السياسي الأمريكي ما وصفه الكثيرون بأنها حالة من الصدمة الواسعة إزاء نتائج الانتخابات النصفية، التي جاءت على نحو استثنائي وخالفت معظم التوقعات.

وتكمن هذه الصدمة في اجتماع الهزيمة التشريعية مع اختراق معاقل الحزب الجمهوري.

وفي هذه الأثناء تُحمِّل قطاعات واسعة من مؤيدي اليمين الأمريكي الرئيس ترامب مسؤولية تلك الصدمة الانتخابية.

ولكي نحلل اسباب هزيمة الحزب الجمهوري، لا بد لنا من شرح وتقدير حجم الهزيمة التي مني بها الحزب.

سقوط مروع

فقد انتزع الديمقراطيون سبعة مقاعد جمهورية على الأقل في مجلس الشيوخ، في تحول نادر أعاد إليهم الأغلبية، بينما تجاوزت مكاسبهم في مجلس النواب عشرات الدوائر، كذلك طال التغيير العديد من مناصب حكام الولايات.

وانتخب سكان ولاية كانساس أول سيناتور ديمقراطي منذ عام 1932، وكذلك اختارت ولاية كارولاينا الجنوبية أول سيناتور ديمقراطي منذ عام 1998، فيما عاد الديمقراطيون للفوز بمقعد الشيوخ في تكساس للمرة الأولى منذ عام 1988، وهي ولايات فاز بها ترامب عام 2024، وبعضها بفوارق كبيرة.

من الذي كان يتخيل ان ولاية أمريكية مثل تكساس حيث أباطرة النفط وبارونات المال والأعمال والتي كانت منذ أربعين عامًا معقلا للجمهوريين، تتحول اليوم لتصبح ولاية ديموقراطية.

وهناك زلزال آخر في ولايات الجنوب والوسط الأمريكي التي يطلق عليها الحزام الإنجيلي، مثل ساوث كارولينا ونورث كارولينا وجورجيا وأيوا وأركنسانس وأوهايو، فقد تحولت جميعها إلى اللون الأزرق سواء بمقاعد الكونجرس أو بمنصب حاكم الولاية.

وامتدت الخسائر إلى حكومات الولايات، حيث انتزع الديمقراطيون مناصب الحكام في تكساس وجورجيا وآيوا وأوهايو، بعد سنوات من التفوق الجمهوري في بعضها.

كما تحولت بعض الدوائر التي أعيد تصميمها لمنح الحزب أفضلية إلى مناطق تنافسية مع تغير اتجاهات التصويت. ولم ينجح الإنفاق الانتخابي الضخم، بمشاركة كبار الممولين ومن بينهم إيلون ماسك، في تعويض تراجع التأييد. ويكشف ذلك حدود قدرة المال والتنظيم الانتخابي على حماية حزب يواجه موجة استياء تتجاوز الولايات المتأرجحة.

كما طالت الهزيمة الركائز الاجتماعية للتحالف الذي أعاد ترامب إلى الرئاسة عام 2024.

فقد حقق الديمقراطيون تقدماً بين الشباب واللاتينيين والناخبين من الطبقات العاملة غير الحاصلين على شهادات جامعية.

والأكثر دلالة أن الديمقراطيين تفوقوا بنحو 12 نقطة بين الناخبين الذين وضعوا الاقتصاد والوظائف في مقدمة اهتماماتهم، بعدما تمتّع ترامب بأفضلية بلغت 20 نقطة بين هذه الفئة قبل عامين، في تحول يقارب 32 نقطة. ويعني ذلك أن الجمهوريين فقدوا جانباً من تفوقهم في الملف الاقتصادي الذي كان أحد أهم أسباب عودتهم إلى الحكم.

لم ينتظر الجمهوريون طويلاً للاعتراف بحجم الكارثة. ففي تغريدة مطولة نشرها نائب الرئيس جي دي فانس صباح اليوم التالي للانتخابات، لم يلجأ إلى لغة التبرير المعتادة، بل قدّم تشخيصًا من داخل البيت الأبيض نفسه، والمثير أن ابن ترامب شير تلك التغريدة معلقا: كل كلمة صحيحة، كما وصف ترامب نفسه منشور جي دي فانس بأنه جيد وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال.

ولكن ماذا كتب جي دي فانس؟

كتب فانس: "إن ناخبي انتخابات 2024 حضروا فعلاً في انتخابات 2026، لكن كثيرين منهم صوّتوا للديمقراطيين".

ثم حدد ثلاثة أسباب جمعها استطلاع داخلي لعودة الناخبين المنشقين: إنهاء الحرب على إيران ومعالجة كلفة المعيشة والتضخم، العودة لمبدأ "أمريكا أولًا"، وتغيير العلاقة مع إسرائيل. 

هذه الأسباب الثلاثة التي حددها فانس ليست مجرد قائمة شكاوى من ناخبين منشقين، بل هي، في تقديري، مؤشرات على أزمة أعمق في بنية التحالف الجمهوري نفسه.

فبينما يكتفي فانس بوصف ما يريده الناخبون (إنهاء الحرب وخفض الكلفة، العودة لـ"أمريكا أولًا"، تغيير العلاقة مع إسرائيل)، فإن السؤال التحليلي الحقيقي هو: لماذا فشل الحزب في تلبية هذه المطالب رغم أنه هو من وضعها في صميم خطابه الانتخابي؟

مع الأخذ في الاعتبار أن فانس ليس شاهدًا محايدًا تمامًا. فتصريحاته مهمة لأنها صادرة عن نائب الرئيس، لكنها قد تكون أيضًا محاولة لتقديم نفسه ليكون مرشحا للحزب في الانتخابات الرئاسية القادمة.

من هنا تنطلق قراءتي للأسباب الثلاثة، ليس كأسباب أعلنها فانس، بل كأبواب أفتحها واحدًا تلو الآخر لتفكيك الهزيمة.

السبب الأول: الحرب وكلفة المعيشة

لم تكن حرب إيران مجرد خلاف سياسي أو قضية خارجية بعيدة عن حياة المواطن الأمريكي، بل تحولت سريعًا إلى عبء اقتصادي مباشر يمس معيشته اليومية. فالحرب دفعت أسعار البترول إلى الارتفاع، وارتفاع البترول انعكس فورًا على سعر البنزين في المحطات، وهو البند الذي يشعر به الأمريكي كل صباح وهو يملأ سيارته. في بلد يعتمد فيه ملايين الأمريكيين على السيارة للتنقل إلى العمل، حيث لا يمكن فصل ارتفاع البنزين عن شعور مباشر بأن الحرب تأكل من دخله.

لكن الأثر لم يتوقف عند البنزين؛ فارتفاع أسعار الطاقة يسري في سلسلة الإنتاج والنقل بأكملها، فيرفع كلفة السلع والخدمات ويضغط على الرواتب التي لم تعد كافية.

وهكذا التقى ملفان كانا منفصلين في وعي الناخب: التضخم العام من جهة، والحرب من جهة أخرى، لتشكلا معًا صورة واحدة عن حكومة أنفقت على الحرب ما كان يمكن أن يخفف عن كلفة المعيشة. لم يكن الناخب يعاقب على الحرب بوصفها خطأً استراتيجيًا أو خلافًا حول السياسة الخارجية، بل لأنها جاءت في أسوأ توقيت ممكن، مضيفة عبئًا جديدًا على مواطن كان يبحث عن تخفيف لا عن تفاقم، وحوّلت الغضب الاقتصادي الصامت إلى رفض سياسي صريح ضد سياسات الحزب بأكملها.

السبب الثاني: ابتعاد الحزب عن "أمريكا أولًا"

تكمن إحدى المفارقات الأكثر إيلاماً في هذه الهزيمة، في الشعور العارم لدى اليمين بأن الحزب الجمهوري انقلب على عقيدته الاستراتيجية الكبرى، وانحرف عن نهج "أمريكا أولاً" الذي أُعيد تشكيله ليكون دليلاً للهندسة السياسية والأمنية للبلاد. فبدلاً من الالتزام بتحديد الأولويات الجيوسياسية بدقة، والحد من الانغماس في التزامات أمنية مفتوحة، والتخلي عن عقيدة التمدد العسكري الخارجي التي أرهقت الدولة لثلاثة عقود، اندفعت واشنطن مجدداً نحو مربع التدخلات الإقليمية ومغامرات الشرق الأوسط.

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في الخطاب، بل كان تراجعاً عن إستراتيجية باتت تعرف بالكبح الواقعي، وإعادة لتبني أدوار الشرطي العالمي التي أثبت التاريخ عجزها عن حماية المصالح الحيوية للدولة.

لقد نظرت القواعد المحافظة والنخب الفكرية للتيار الناشئ إلى هذا التورط باعتباره انحرافاً صريحاً عن العقيدة الأمنية الجديدة، والتي تقوم على تركيز النفوذ الأمريكي ومواجهة التحديات الاستراتيجية الكبرى دون الوقوع في مصيدة النزاعات الفرعية.

ونتيجة لهذا التناقض بين الخطاب المبدئي والممارسة الفعلية في السياسة الخارجية، تآكلت المصداقية الاستراتيجية للجمهوريين، وتفكك التحالف الفكري الذي جعل من انكفاء أمريكا وتجديد القوة الوطنية حجر الزاوية في مشروعه السياسي.

السبب الثالث: العلاقة مع الدولة الصهيونية

وعلى الصعيد الجيوسياسي والأخلاقي، شَكّل الالتزام الحزبي غير المشروط بسياسات الكيان الصهيوني عبئاً أيديولوجياً باهظاً ساهم في تعميق خسارة الجمهوريين.

فقد أدى التماهي المطلق مع الإستراتيجية الصهيونية في المنطقة إلى تآكل النموذج القيميّ الذي يُفترض أن يمثله الحزب؛ إذ تحول الصمت التام أمام الانتهاكات والممارسات العنصرية وحملات الإبادة والتدمير الشامل في غزة، إلى جانب التوسع العسكري المستمر والتمدد الميداني في جنوب سوريا ولبنان، إلى نقطة نفور أخلاقي واسعة لدى قطاعات متزايدة من الناخبين.

وفي المقابل، شهد الفكر اليميني الأمريكي تصدعاً غير مسبوق، أفرز موجة نقدية متصاعدة يقودها مؤثرون بارزون من طراز تاكر كارلسون ونخب فكرية محافظَة، دعت علناً إلى كسر حالة التبعية التلقائية لتل أبيب وصياغة علاقة متوازنة تُراعي القواعد الأخلاقية الدولية. هذا الصراع الأيديولوجي الداخلي وضع الحزب في مأزق نفاق سياسي؛ حيث عجزت واشنطن عن تقديم مبررات أخلاقية أو أمنية متماسكة أمام الشارع الأمريكي لدعم سياسات التوسع والتصعيد الاستيطاني والعسكري، مما أدى إلى تراجع التوازن الأخلاقي والذي يزعم اليمين أنه يدعو إليه، ودفع العديد من الناخبين المستقلين وحتى المحافظين التقليديين إلى التعبير عن رفضهم لهذا التحيز المطلق عبر صناديق الاقتراع.

الخلاصة

تُمثّل نتائج هذه الانتخابات النصفية زلزالاً سياسياً أطاح بالأغلبية الجمهورية وأعاد ترتيب الخريطة الانتخابية الأمريكية. فقد كشفت الخسائر المدوية في المعاقل التاريخية لليمين الأمريكي عن أن المشهد السياسي الأمريكي قابل للتغيير، وأن استراتيجية هذا التغيير تعتمد على التراكمية، ولا يمكن الاستهانة بالتحولات التي قد تبدو محدودة في بدايتها، بل ينبغي التعامل مع بدائل سياسية أقل سوء في مقابل خيارات أكثر سوء، مع الاستفادة من عامل الوقت والزمن.

أعلى