في اليمن، تعلب الجبال دورا محوريا في مصير المعارك وقد ترسم مصيرها، وتحدد من يملك طرق الإمداد ومفاتيح العبور. وفي تعز، حيث تتشابك الجغرافيا مع حسابات الحرب، تتحول الجبال إلى مفاتيح استراتيجية قد تحسم معركة المدينة وباب المندب.
مع إعلان الحكومة اليمنية استردادها لكامل جبال كيهوب المشرفة على ساحل البحر
الأحمر ومضيق باب المندب، وفي نفس التوقيت زعم الحوثي سيطرته على جبل حبشي الواقع
في محافظة تعز، تبرز أهمية جبال اليمن في المعركة المحتدمة الدائرة الآن بين قوات
الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي المسلحة المدعومة من إيران، كذراع ما بين عدة أذرع
لها في المنطقة.
وإذا كان الشريط الساحلي المنبسط يسهل اجتياحه بريا بغطاء ناري من الجو، فإن معارك
الجبال تبدو أكثر صعوبة وتؤخر حسم المعارك الدائرة الآن، خاصة المشتعلة في محافظة
تعز.
وفي هذا المقال سنحاول استعراض الجبال في محافظة تعز وكيفية تأثيرها على سير
المعارك في تلك المحافظة، والتي اكتسبت جزءا كبيرا من أهميتها ليس بسبب موقعها أو
طبيعة أهلها فقط، ولكن ايضا بسبب تضاريسها والجبال التي تتواجد على هذه الأرض.
الجغرافية العسكرية للجبال
يقوم الأثر العسكري للجبال على ثلاث وظائف متداخلة، لكنها مختلفة في طبيعتها
ووظيفتها:
فهو عائق أمام الاقتراب، وأداة للمراقبة، ووسيلة للتغطية.
ويكمن الفرق بين الوظائف الثلاث ، في أن العائق يخص حركة القوات، بينما تخص
المراقبة الرؤية والسيطرة، فيما تخص التغطية الحماية والإخفاء.
أولًا: الجبل عائقًا أمام الاقتراب
يعمل الجبل عائقًا حين يحدّ من قدرة القوات المهاجمة على التحرك والتقدم.
فالانحدارات الحادة والوديان العميقة والممرات الضيقة تجبر القوات على السير في
محاور محددة يمكن توقعها، وتمنعها من المناورة الواسعة أو الالتفاف السريع. وهنا
يتحول الجبل إلى أداة دفاعية، لأن المدافع يستطيع تركيز نيرانه على نقاط الاختناق،
مثل الممرات والجسور والمنحدرات، فيصبح تقدم المهاجم بطيئًا ومكلفًا.
ثانيًا: الجبل أداة للمراقبة
تختلف المراقبة عن كون الجبل عائقًا؛ فالعائق يمنع الحركة أو يقيدها، أما المراقبة
فتمنح القدرة على الرؤية وفهم ما يجري في المحيط. فمن يسيطر على المرتفع يراقب
الطرق والوديان وتجمعات الخصم وخطوط إمداده، ويكتشف تحركاته قبل وقوعها. وهذه
الرؤية تمنح أفضلية في التنبؤ واتخاذ القرار، لأنها تقلل فرص المفاجأة وتسمح بتوجيه
النيران بدقة أكبر نحو الأهداف.
ثالثًا: الجبل وسيلة للتغطية
أما التغطية فتختلف عن المراقبة؛ فالمراقبة تعني الرؤية من الأعلى، بينما التغطية
تعني الحماية من النيران والرصد. فالصخور والمنحدرات والأودية والكهوف توفر مواقع
يمكن أن تخفي القوات والأسلحة عن عيون الخصم، وتحميها من القصف المباشر أو الرشقات
الموجهة.
ولكن ما مدى تأثير الضربات الجوية على الحركة العسكرية في الجبال؟
تؤثر الضربات الجوية على المواقع الجبلية تأثيرًا مزدوجًا. فمن الناحية الإيجابية،
يمكنها ضرب التحصينات وتدمير مواقع القيادة والاتصال وتعطيل خطوط الإمداد، ما يضعف
قدرة المدافع على الصمود. كما يمكنها كشف مواقع الخصم عبر الاستطلاع الجوي، وتوفير
معلومات تساعد القوات البرية على التخطيط.
لكن من الناحية السلبية، تبقى فعالية الضربات الجوية محدودة في الجبال؛ لأن
التضاريس توفر مناطق ميتة لا تغطيها المراقبة الجوية أو النيران المباشرة، وتتيح
للقوات الاختباء في الكهوف والشقوق والسفوح. كما أن القصف وحده لا يضمن السيطرة
الأرضية؛ فبعد الضربة تبقى الحاجة إلى تقدم بري لتأمين الموقع ومنع عودة الخصم
إليه.
كذلك، هل يؤثر ارتفاع الحبل على قيمته العسكرية؟
لا يكون الارتفاع الجبلي عاملاً إيجابيًا أو سلبيًا بشكل مطلق، بل يتغير أثره بحسب
الظروف. فهو عامل إيجابي عندما يمنح رؤية واسعة، ويوفر مواقع دفاعية محصنة، ويسمح
بضبط الطرق والممرات من الأعلى.
وقد يكون عاملًا محايدًا عندما لا يرتبط الارتفاع بممرات أو طرق أو مواقع حاكمة؛
فالقمة العالية التي لا تشرف على شيء لا تمنح قيمة عسكرية كبيرة، مهما بلغ
ارتفاعها.
أما العامل السلبي فيظهر عندما يصبح الارتفاع عبئًا على قواته نفسها؛ إذ يصعب
الوصول إليه أو الإمداد إليه، وتصبح القمة عرضة للعزل إذا سيطر الخصم على الطرق
المؤدية إليها. كما أن الارتفاعات الشاهقة قد تفرض صعوبات مناخية ولوجستية تقلل من
قدرة القوات على البقاء والقتال.
وبذلك يتضح أن الجبل لا يمنح قوة بذاته، بل يمنحها لمن يعرف كيف يستخدمه: فالعائق
يحمي، والمراقبة توجه، والتغطية تحمي، والارتفاع يمنح أفضلية فقط حين يرتبط بمواقع
حاكمة وخطوط إمداد مؤمّنة.
خريطة جبال تعز
تتألف خريطة المرتفعات الجبلية في محافظة تعز من كتل وسلاسل جبلية تتفاوت في
ارتفاعاتها وتوزيعها الجغرافي، وتشكل في مجملها شبكة حيوية تتحكم في الطبيعة
الطبوغرافية للمحافظة. وتُقسم استراتيجياً إلى ثلاثة أنساق رئيسية:
أولاً: قسم حماية المدينة والقلب الاستراتيجي
تتمركز في هذا النسق الكتل الجبلية المحيطة بالنطاق الحضري لمدينة تعز، والتي تمنح
السيطرة الطبوغرافية والمراقبة البصرية المباشرة:
فهناك جبل صَبِر، والذي يرتفع 3070 متراً فوق سطح البحر، ويُعد ثاني أعلى قمة في
اليمن بعد جبل النبي شعيب. يتميز بكتلته الصخرية الضخمة ومدرجاته الزراعية، ويشكل
المظلة الحاكمة التي تطل على مدينة تعز وحوضها بالكامل، مما يجعله موقع رصد ومراقبة
استثنائي يغطي عشرات الكيلومترات.
وأيضا يوجد جبل هان، وهو تل صخري مرتفع يقع في موقع تكتيكي حرج يشرف مباشرة على
المنفذ الغربي للمدينة وطريق الضباب، ويُعد العقدة الجغرافية والممر الطبيعي الحاكم
لحركة الدخول والخروج من البوابة الغربية.
ويبرز أيضًا جبل حبشي والذي يتراوح ارتفاعه بين 2063، و2096 متراً فوق سطح البحر،
وهو مديرية وسلسلة جبلية واسعة ذات تضاريس معقدة وشعاب عميقة، تمتد في الريف الغربي
وتشكل الظهير التضاريسي والعمق الجغرافي الحصين الذي يحمي منطقة الضباب والخاصرة
الغربية للمدينة.
ثانياً: قسم خطوط الإمداد والطوق الريفي الجنوبي والشرقي
يضم هذا النسق السلاسل الجبلية التي تشكل الهيكل العظمي للتواصل الجغرافي والربط
البري بين تعز والمحافظات المجاورة.
داخل هذا القسم، سلاسل جبال الصلو، حيفان، والمقاطرة، والتي يتراوح ارتفاعها بين
2000، و3000 متر فوق سطح البحر، وتتكون هذه السلاسل من منحدرات صخرية حادة وقمم
شاهقة تتخللها معابر ووديان ضيقة. وتكمن أهميتها الجغرافية الاستراتيجية في تموقعها
على الامتداد الحاكم لطرق القوافل ومسارات النقل التاريخية والحديثة التي تربط تعز
بالمحافظات الجنوبية (مثل عدن ولحج)، حيث تتحكم بالمعابر الوادية التي تشكل
الشرايين اللوجستية الرئيسية للمحافظة.
ثالثاً: قسم النسق الساحلي والسيطرة على باب المندب
يشمل الجبال المطلة على الشريط الساحلي الغربي، والتي تربط بين جغرافيا المرتفعات
الداخلية والشريط البحري:
فهناك جبال الوازعية، والتي يتراوح ارتفاعها بين 1000، و1500 متر فوق سطح البحر،
وتصل ارتفاع بعض كتلها الداخلية إلى 2469 متراً، حيث تشكل حاجزاً تضاريسياً متدرج
الانحدار يفصل بين السهل الساحلي والكتلة الجبلية الداخلية لتعز، وتتحكم بالممرات
الحيوية الرابطة بين الساحل والمرتفعات الغربية.
ويعد جبال كهبوب من أهم جبال الساحل حيث يتراوح ارتفاعه بين 500 الى 800 متر فوق
سطح البحر، وهو عبارة عن سلسلة هضاب وجبال بركانية قاحلة منخفضة نسبياً تمتد بالقرب
من الشريط الساحلي، وتكتسب أهميتها الجيو-استراتيجية من إشرافها وموقعها المباشر
القريب من مضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
دور الجبال في معركة تعز وباب المندب
يمكن تقسيم هذا المحور إلى عنصرين تحليليين مترابطين: دور الجبال في حصار تعز أو
كسر حصارها، ودورها في التفاف قوات العمالقة نحو باب المندب.
وكلا العنصرين يكشف أن الجبال ليست خلفية للمعركة، بل أداة حاسمة في تحديد مصير
المدينة والمضيق.
أولًا: الجبال والحصار والدفاع عن تعز
استخدمت قوات الحوثي الجبال بوصفها أداة لتغيير معركة الاستيلاء على تعز من معركة
مواجهة مباشرة إلى معركة حصار وقطع طرق. فالسيطرة على المرتفعات الغربية، وخاصة جبل
هان وجبل حبشي، مكنتها من أحكام الحصار كليا حول المدينة، عن طريق مراقبة الطرق
المؤدية إلى المدينة وضبط حركة الإمداد، وهذا أكمل ما بدأوه، عندما نجحوا في
السيطرة على مدينة التربة في 4 أكتوبر، الأمر الذي أدى إلى قطع آخر طريق رئيسي يربط
تعز بالمناطق الخاضعة للحكومة. ونتيجة ذلك ارتفعت أسعار الغذاء والوقود في
المدينة، وعادت مؤشرات الحصار إلى الواجهة.
وفي المقابل، أسهم احتفاظ القوات المدافعة بمواقعها في جبل صبر في تعزيز قدرتها على
الدفاع عن المدينة، والحد من فرص تقدم القوات الحوثية نحو بعض أحيائها.
وإذا استطاعت مقاومة تعز، استرداد ما سقط من مرتفعات في الغرب والجنوب الغربي، خاصة
جبل حبشي وجبل هان، والتي تشرف على الطرق التي تربط المدينة بالساحل ولحج وعدن.
فإنه بذلك تستطيع منع سقوط المدينة، لا بالدفاع داخل الأحياء فقط.
ثانيًا: الجبال والتفاف الجيش نحو باب المندب
لعبت جبال كيهوب دورًا محوريًا في التفاف قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن نحو
مطار ذو باب وجزيرة ميون، ثم نحو باب المندب. فالسيطرة على هذه الجبال وفرت للقوات
الحكومية مرتفعات مشرفة على المضيق، وممرات تتيح التقدم نحو الساحل.
وفي 7–8
أكتوبر، أعلنت القوات الحكومية سيطرتها الكاملة على جبهة كيهوب، بالتنسيق مع لواء
العمالقة وقوات درع الوطن والقوات المشتركة. وقد مكن هذا التقدم القوات من الوصول
إلى مطار ذو باب والسيطرة عليه، ثم التوسع نحو جزيرة ميون والمرتفعات المحيطة
بالمضيق.
ويعني إعلان الجيش اليمني سيطرته على جبال كيهوب ثلاثة أمور: أولًا، أنه أزال
تهديدًا مباشرًا على باب المندب من الجهة الجبلية؛ ثانيًا، أنه قطع أو عطل خطوط
إمداد حوثية كانت تربط ذو باب بالمخا؛ ثالثًا، أنه فتح الطريق أمام تعزيز السيطرة
على ميون رغم بقاء جيوب حوثية. وبذلك تتحول كيهوب من مجرد سلسلة جبلية إلى مفتاح
استراتيجي يربط بين تعز والساحل الغربي وباب المندب.
الخلاصة
لعبت الجبال في تعز دورًا مزدوجًا: فهي من جهة أداة حصار بيد الحوثيين، ومن جهة
أخرى أداة كسر حصار بيد مقاومة تعز وقوات الجيش اليمني. ومن ثم فإن معركة تعز لا
تُحسم داخل المدينة وحدها، بل في القدرة على السيطرة على جبالها وممراتها، من جبل
حبشي وجبل هان غربًا إلى كيهوب والوازعية نحو باب المندب.