• - الموافق2026/10/05م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
سقوط اتفاق بريتوريا واشتعال إقليم تيغراي.. إثيوبيا إلى أين؟

من جديد، يعلو صوت المدافع في تيغراي، لكن المعركة هذه المرة أوسع من الإقليم وأخطر من مجرد جولة عسكرية. اتفاق بريتوريا يتهاوى، والتحالفات تتبدل، والجبهات تتسع؛ فهل تقف إثيوبيا على أعتاب مرحلة تفكك الدولة؟


تقف أثيوبيا والقرن الأفريقي بأكمله اليوم على صفيح ساخن عقب تجدد الاشتعال العسكري في إقليم تيغراي، في تطور دراماتيكي يعلن عمليًا تهاوي اتفاق بريتوريا للسلام، ويدفع بإثيوبيا ـ الدولة ذات الـ 139 مليون نسمة ـ نحو مآلات محفوفة بالمخاطر. إن عودة دويّ المدفعية والغارات الجوية إلى الشمال الإثيوبي، بالتزامن مع ذلك وُلِدَت تحالفات مسلحة عابرة للقوميات تضم فصائل كانت حتى الأمس القريب أعداء، وهو ما يؤشر إلى أزمة هيكلية عميقة في بنية الدولة ذاتها، وتتداخل في هذا المشهد المتفجر محاولات الحكومة في أديس أبابا لتقويض الفيدرالية الإثنية وتجميع الصلاحيات، مع تقاطعات جيوسياسية وإقليمية شديدة التعقيد تشمل ملفات البحر الأحمر وسد النهضة ومصالح دول الجوار، وهو ما يجعل الصراع الراهن محركًا لفوضى مركبة قد تتجاوز حدود إثيوبيا لتلقي بظلالها الثقيلة على عموم شرق أفريقيا.

تهاوي اتفاق بريتوريا

لم يكن اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 سوى هدنة هشّة أوقفت نزيف الدماء في حرب أهلية طاحنة حصدت أرواح ما لا يقل عن 600 ألف شخص، دون أن تلامس الجذور السياسية والصراعات التأسيسية التي فجّرت النزاع في المقام الأول.  لقد ركّزت التسوية على وقف الأعمال العدائية ودخول القوات الفيدرالية، لكنها رحّلت القضايا الجوهرية الشائكة إلى المستقبل؛ وفي مقدمتها نزع سلاح جبهة تحرير شعب تيغراي، والحسم في مصير الأقاليم المتنازع عليها مثل تيغراي الغربية وآلاماطا، وإجلاء القوات الإريترية، وتحديد طبيعة الإدارة الانتقالية في ميكيلي.  هذا الهيكل الاتفاقي غير المكتمل تغذى على حالة متراكمة من الشكوك المتبادلة بين الحكومة المركزية وقيادة الإقليم، حيث اعتبرت أديس أبابا تباطؤ الجبهة في التخلي عن ترسانتها العسكرية خروجًا عن صلب الاتفاق، بينما رأت الجبهة في تعليق المخصصات المالية وتأخير التنمية محاولة ممنهجة لخنق الإقليم وإخضاعه.

وقد تجلّى هذا التهاوي الميداني بشكل خاطف وسريع حين أعلنت قوات تيغراي السيطرة على المطارات الرئيسية في ميكيلي وأكسوم وشِره، وتجريد عناصر الشرطة الاتحادية من مهامها، مما دفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق رحلاتها وعزل الإقليم جوً، وفي مقابل هذا التحرك، شنّ الجيش الإثيوبي هجومًا مضادًا باستعمال سلاح الجو والمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة، محققًا تقدمًا نحو المدخل الجنوبي للإقليم بهدف تأمين خطوط الإمداد والسيطرة على المعابر الحيوية، وفي ظل تبادل الاتهامات الشديدة حول من بدأ الشرارة الأولى للقتال، أعلنت قيادة تيغراي الانتقال إلى حرب دفاعية شاملة، لتنطوي بذلك صفحة الاتفاق رسميًا وتفتح أبواب المواجهة المباشرة من جديد على مصراعيها.

انفجار الفيدرالية الإثنية

تُشكل الدستورية الإثيوبية الصادرة عام 1995، والتي أرست نظام "الفيدرالية الإثنية"، صيغة التعايش التاريخي التي ارتضتها المكونات القومية الرئيسية للبلاد عقب إسقاط نظام منغستو هيلا مريام. لقد منحت المادة 39 من الدستور الأقاليم ذات القواعد العرقية حق الإدارة الذاتية وتأسيس قوات أمنية خاصة، بل وذهبت إلى حد تقرير حق الانفصال، مما شكل صمام أمان حافظ على تماسك الدولة الإثيوبية المتنوعة التي تضم أكثر من 80 قومية، ورغم المآخذ التقليدية على هذا النظام باعتباره يُغذّي الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، إلا أنه وضع كبحًا مؤسسيًا لمنع هيمنة أي قومية منفردة على مقدرات السلطة المركزية.

غير أن المشروع السياسي لرئيس الوزراء آبي أحمد، منذ وصوله إلى السلطة عام 2018 وتأسيسه حزب الازدهار، اتجه بوضوح نحو تفكيك هذه الصيغة لصالح نموذج حكم مركزي.  وظهر هذا التوجه جليًا في قرار الحكومة الفيدرالية عام 2023 بحل القوات الخاصة التابعة للأقاليم ودمجها في الجيش والشرطة الاتحادية، يعقبه اندفاع مؤتمر الحوار الوطني نحو إلغاء أو تجميد المادة 39 الدستورية وتجميع الصلاحيات في العاصمة أديس أبابا. هذا التوجه الرامي للتحول من النظام البرلماني التعددي إلى نظام رئاسي مهيمن اعتبرته النخب الإقليمية مساسًا مباشرًا بمكتسباتها التاريخية ومحاولة لإعادة إنتاج الدولة الإمبراطورية تحت غطاء جديد.

وكانت النتيجة المباشرة لتغيير قواعد اللعبة السياسية هي اندلاع الرفض المسلح في أقاليم كانت تُعد حتى الأمس القريب داعمة للسلطة الفيدرالية، وعلى رأسها إقليم أمهرة الذي يخوض فيه مقاتلو تنظيم "فانو" مواجهات ضارية ضد القوات الحكومية منذ عام 2023، ونشوب مواجهات في أوروميا ضد "جيش تحرير أورومو"، ليثبت الأمر الواقع أن محاولة فرض المركزية بالقوة فوق خريطة ديموغرافية معقدة لم تؤدِ إلى صهر المكونات، بل أدت إلى انفجار البناء الفيدرالي وتوليد مقاومة مسلحة متعددة الجبهات.

تحالف خصوم الأمس

في تطور دراماتيكي يُعد الأكثر إرباكًا للحسابات السياسية في أديس أبابا، أعلنت سبع حركات مسلحة تشكيل إطار سياسي وعسكري موحد تحت اسم "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء" بهدف صريح هو الإطاحة بنظام آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية. وتكمن المفارقة الكبرى في مشاركة "جبهة تحرير شعب تيغراي" وميليشيات "فانو" الأمهرية و"جيش تحرير أورومو" جنبًا إلى جنب في هذا التحالف، على الرغم من أن قوات أمهرة خاضت حربًا وجودية دموية بجانب الجيش الفيدرالي ضد تيغراي بين عامي 2020 و2022. ولا شك أن التقاء هذه القوى المتنافرة يعبر عن أزمة شرعية حادة تواجهها السلطة المركزية، جعلت من معارضة سياسات أديس أبابا القاسم المشترك الوحيد بين أعداء الأمس.

ومع ذلك، يظل هذا الائتلاف محاطًا بهشاشة بالغة؛ فالخلافات التاريخية العميقة حول الحدود الإدارية القومية ـ لا سيما النزاع المحتدم بين أمهرة وتيغراي حول الأراضي الغربية والجنوبية ـ فضلًا عن التباين في التطلعات السياسية وشكل إدارة الدولة، تعجّل باحتمالات تصادمه الداخلي حال زوال العدو المشترك. ميدانيًا؛ أدى ظهور هذا الاصطفاف إلى توسيع رقعة القتال الجغرافي لتتجاوز حدود تيغراي نحو إقليَمي أمهرة وعفر المجاورين. وتكتسب المعارك في إقليم عفر أهمية استراتيجية قصوى، لكونه يمثل الشريان الحياتي والممر البري الرئيسي الذي يربط إثيوبيا الحبيسة بموانئ جيبوتي، والذي تمر عبره نحو 92% إلى 97% من تجارة البلاد الخارجية.

تصدع الطموحات الإقليمية

تأتي الأزمة الداخلية المتفاقمة لتضع حدًا زمنيًا لطموحات آبي أحمد الإقليمية، والتي سعى من خلالها إلى تقديم إثيوبيا كقوة قائدة ومقاطعة سيادية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ففي يناير 2024، وقّعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال غير المعترف به دوليًا للحصول على منفذ بحري ومواطئ أقدام عسكرية في ميناء بربرة، وهو ما فجّر أزمة دبلوماسية حادة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو التي اعتبرت الخطوة انتهاكًا صارخًا لسيادتها الوطنية.

وعلى نحو متوازٍ، تقاطعت الضغوط الداخلية مع ملف سد النهضة على النيل الأزرق، والذي وُظف محليًا على مدى سنوات كرمز قومي لتوحيد الجبهة الداخلية المتصدعة وتجاوز الانقسامات العرقية. غير أن تعثر الاستقرار الداخلي والرفض الإقليمي الصارم للسياسات الأحادية أدى إلى بناء شبكة اصطفافات مضادة ضاغطة؛ برزت ملامحها في القمة الثلاثية التي جمعت قادة مصر وإريتريا والصومال في أسمرة خلال أكتوبر 2024 لتنسيق المواقف الأمنية والسياسية لمواجهة تحركات أديس أبابا.

وترافق هذا الانسداد الإقليمي مع توجيه القيادة العسكرية الإثيوبية اتهامات صريحة لكل من إريتريا والسودان ومصر بتقديم الدعم المالي والعسكري واللوجستي لتحالف الفصائل المسلحة لزعزعة استقرار البلاد، وبينما سارعت القاهرة والخرطوم إلى نفي تلك الاتهامات جملة وتفصيلًا والتأكيد على المبادئ الثابتة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، أعلن مسؤولون إريتريون جهارًا عدم استبعاد خيار الحرب المباشرة مع إثيوبيا، مما يكشف عن حجم الهشاشة التي باتت تسم علاقات أديس أبابا بمحيطها المباشر.

شبح الفوضى

لا يشترط تفكك إثيوبيا إعلان انفصال أقاليمها؛ فقد تبقى حدودها قائمة بينما تتآكل الدولة من الداخل، وتصبح سلطتها خارج المدن مرهونة بالحملات العسكرية والتفاهمات المؤقتة مع القوى المحلية. وهذا هو الخطر الذي قد تنتجه إطالة الحرب: حكومة تستطيع استعادة المواقع، لكنها تعجز عن تحويل السيطرة إلى حكم مستقر، وجماعات مسلحة تملك تعطيل الدولة دون امتلاك مشروع قابل للحياة لإدارتها. وبين الطرفين تتراجع مصالح السكان، وتتحول موارد البلاد من تمويل الخدمات والإنتاج إلى تمويل معركة مفتوحة على البقاء في السلطة أو انتزاعها.

ويتحمل آبي أحمد مسؤولية سياسية أساسية عن هذا المأزق؛ إذ لا يمكن فصل مستقبل البلاد عن نهج يجعل إخضاع الخصوم مدخلًا لترتيب الحكم، ويعامل الاعتراض على سياسات السلطة باعتباره تهديدًا لوحدة الدولة. فالخلل الأعمق هو اختزال بقاء إثيوبيا في بقاء قيادتها، بما يسمح بتسويغ كلفة الحرب مهما ارتفعت.

مسارات الأزمـة

يتوقف مستقبل إثيوبيا على قدرة السلطة على تحمّل كلفة الحرب، وتماسك القوى التي تستند إليها، وحدود الدعم الخارجي الذي يتيح لها مواصلة القتال، فلن تحدد المكاسب الميدانية وحدها اتجاه الأزمة. وبناءً على ذلك، يمكن قراءة المستقبل عبر ثلاث مسارات، تختلف شروطها وكلفتها:

1- بقاء السلطة واستنزاف الدولة: يبدو هذا الاحتمال أرجح من الحسم الكامل إذا احتفظت الحكومة بتفوقها العسكري وسندها الخارجي، بينما حافظ خصومها على القدرة على إعادة التجمع والقتال. وقد يقدم آبي أحمد استعادة المدن بوصفها انتصارًا نهائيًا، لكن استمرار التمرد سيجعل هذا الانتصار مكلفًا وقابلًا للانتكاس. وفي هذا المسار يبقى النظام، بينما تتقلص قدرة الدولة على الإنفاق والخدمات وفرض القانون خارج نطاق القوة المباشرة.

2- تصدع معسكر الحكم: إذا طال الاستنزاف وتراجعت الموارد واتسعت الخسائر، فقد تنتقل الأزمة إلى داخل التحالف الحاكم والمؤسسات التي يستند إليها. وعندئذ يصبح تغيير القيادة أو إعادة توزيع السلطة احتمالًا واردًا لحماية النظام من تبعات سياساته. غير أن خروج آبي أحمد، إن حدث، لن ينهي الحرب تلقائيًا؛ فقد يفتح صراعًا على خلافته، أو يدفع القوى المسلحة إلى توسيع مطالبها.

3- تفاوض تفرضه الكلفة: لا يتقدم هذا المسار بمجرد الدعوة إلى الحوار، بل عندما تفقد الأطراف قدرتها على تحسين مواقعها بالحرب، أو يعيد داعموها حساباتهم. ومع ذلك، يُرجح أن تبدأ أي تسوية بمساومات محدودة وضمانات أمنية متبادلة، لا بمصالحة شاملة؛ وسيظل خطر انهيارها قائمًا إذا استُخدمت الهدنة لإعادة التسليح وتأجيل النزاعات الأساسية.

وعليه، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان آبي أحمد قادرًا على النجاة من هذه الجولة، بل مقدار ما ستخسره إثيوبيا مقابل نجاته السياسية. فبقاء الحاكم لا يثبت سلامة الدولة، كما أن إسقاطه لا يمنح خصومه شهادة صلاحية لحكمها. وما دامت السلطة تراهن على الغلبة، والفصائل تراهن على إنهاك المركز، والداعمون الخارجيون يقيسون الاستقرار بمدى احتفاظ حلفائهم بالنفوذ، فإن البلاد تظل معرضة لحرب تتغير خرائطها ولا تنتهي أسبابها.

أعلى