• - الموافق2026/09/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الانتخابات المغربية: هل يستعيد حزب العدالة والتنمية مكانته

بعد عقدٍ من الحكم، ثم سقوطٍ مدوٍ في انتخابات 2021، يعود حزب العدالة والتنمية إلى صندوق الاقتراع بحثاً عن شيء أكبر من المقاعد: استعادة الثقة. وبين بنكيران وجيلٍ جديدٍ فقد ثقته بالأحزاب، تبدو المعركة أعمق من مجرد انتخابات.


بعد أيام، في الثالث والعشرين من سبتمبر، يقف المغاربة أمام صندوق الاقتراع في استحقاق انتخابي جديد، والذي يحمل سؤالا كبيرا هذه المرة، هل يستطيع حزب العدالة والتنمية، الذي حكم عقداً كاملاً، ثم سقط سقوطاً لم يتوقعه حتى خصومه، أن يحقق نجاحا بقدر السقوط، خاصة وأنه يخوض الآن اختباره الثاني بعد الهزيمة، بقيادة الرجل نفسه الذي قاده إلى أوج قوته قبل خمسة عشر عاماً.

القصة بدأت من لحظة صعود لم يكن أحد يتخيل أنها ستنتهي بهذا الانهيار. سنة 2011، وفي خضم احتجاجات طالبت بإصلاح سياسي حقيقي، فاز العدالة والتنمية بـ107 مقاعد من أصل 395، وتولى عبد الإله بنكيران رئاسة الحكومة. التعديلات الدستورية التي رافقت تلك اللحظة وسّعت صلاحيات البرلمان رسمياً، وأبقت على سلطة القصر مركزية في القرارات الاستراتيجية للدولة، مهما تغيّرت الحكومات.

نجح الحزب في تكرار الفوز سنة 2016 برصيد 125 مقعداً، لكن بنكيران عجز لأشهر عن تأليف تحالف حكومي، فأنهى الملك محمد السادس ولايته في مارس 2017 وعيّن سعد الدين العثماني خلفاً له. بقي الحزب في السلطة أربع سنوات أخرى، حتى جاءت انتخابات سبتمبر 2021 لتقتلعه من الصدارة: من 125 مقعداً إلى 13 فقط، بينما تصدّر التجمع الوطني للأحرار المشهد بـ102 مقعد.

في أبريل من السنة الماضية اختار أعضاء الحزب، في مؤتمر بوزنيقة، بنكيران أميناً عاماً لولاية رابعة. حزب أراد أن يعيد بناء نفسه، فاختار أن يعود إلى الوجه الذي يعرفه المغاربة منذ عقد ونصف. وصفه تحليل حديث بأنه "علامة تجارية" سياسية، تكوّنت من حضور إعلامي طويل وخطاب مباشر لا يشبه لغة أغلب ساسة المغرب. لكن شعبية القائد شيء، وشعبية الحزب كمؤسسة جماعية شيء آخر تماماً، والفارق بينهما هو ما سيقيسه الصندوق بعد أيام قليلة.

بنكيران خاض حملته الأخيرة بلا مواربة. في تجمعاته بطنجة وغيرها وصف الاستحقاق بالمعركة الحاسمة، ووجّه اتهامات مباشرة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش بالتحكم في المال العام وتوجيه الصفقات لحلفائه، متحدياً إياه أن يلجأ للقضاء إن كانت الاتهامات كاذبة.

أما عن برنامج الحزب  فهو يتكون من 467 إجراءً موزعة على خمسة محاور رئيسية: الهوية والأسرة، الإصلاح السياسي والمؤسسي، الخدمات العامة والحماية الاجتماعية، الاقتصاد والتشغيل، والسياسة الخارجية، تحت عنوان جامع هو كرامة المواطن. لكن بعد خمس سنوات خارج الحكومة، الحزب لا يدافع عن حصيلة قائمة، إنما يحاول إقناع ناخب مرّ به من قبل بأن لديه هذه المرة الأدوات والكوادر لتنفيذ ما يعد به. وهذا اختبار مختلف عن اختبار الأفكار؛ إنه اختبار الثقة.

قيادات الحزب تحمّل أطرافاً لم تسمّها مسؤولية جزء من خسارة 2021، حديثاً عن تضليل انتخابي وفساد ساهما في حجم الهزيمة.

التحدي الأصعب يأتي من جيل لم يولد بعد حين كان بنكيران رئيساً للحكومة أول مرة. منذ سبتمبر 2025 قادت حركة بلا زعامة معلنة، أطلقت على نفسها "جيل زد، احتجاجات واسعة في مدن مغربية عدة، مطالبة بالحق في الصحة والتعليم ومحاربة الفساد، بعشرات الآلاف من المنخرطين الافتراضيين عبر تطبيقات التواصل. أغلب هذا الجيل لم يشارك من قبل في أي انتخابات، وميله الطبيعي هو العزوف عن السياسة الحزبية بكل أشكالها.

وفي حين خطاب العدالة والتنمية عن محاربة الفساد يلتقي جزئياً مع غضب هذا الجيل، لكن هذا الجيل نفسه لا يثق بالأحزاب، أياً كانت. قيادات شبابية في الحزب تتحدث عن ضرورة معاملة الشباب كشركاء لا كأصوات تُحصد موسمياً، وهذا خطاب يسهل قوله، ويصعب اختباره خارج موسم الانتخابات.

المفارقة الأعمق تكمن في إسرائيل. طوال سنوات المعارضة، استحضر بنكيران استعارته الشهيرة عن "الأشباح والتماسيح"، في إشارة إلى قوى نافذة قال إنها عرقلت حكومته من الخلف. الحزب يرفع اليوم في برنامجه الانتخابي شعار معارضة التطبيع صراحة، وقبل أيام فقط، في السادس عشر من سبتمبر، اتفق المغرب والكيان الصهيوني على رفع تمثيلهما الدبلوماسي إلى مرتبة السفارات، مع توسيع الطيران وتعزيز الاتفاقيات الاقتصادية. جدد الحزب في اليوم التالي معارضته، ووصف موقفه بالثابت والقديم. والسؤال الذي يبقى معلقاً: إذا كانت هذه "الأشباح" قوية بما يكفي لتقييد حكومة بنكيران نفسه وهو في سدة القرار، وتستطيع إنفاذ سياستها رغما عن الحزب وشعاراته فما الفائدة إذا من الانتخابات نفسها، هكذا يقول الشباب.

أما عن علاقة الحزب بالقصر الملكي فبنكيران لم يتردد يوماً في تأكيد دعمه للنظام الملكي، بينما يطالب بدور أكبر للمؤسسات المنتخبة داخل السقف نفسه. وذهب أبعد من ذلك مؤخراً حين صرّح بأن حزبه، حتى لو تصدّر النتائج، يقبل أن يختار الملك من يشاء من داخله لرئاسة الحكومة. هذا التمييز، بين معارضة سياسة بعينها وقبول إطار يحتفظ فيه القصر بالكلمة الفصل في القرار الاستراتيجي، هو جوهر ما صنع بقاء الحزب داخل اللعبة طوال هذه السنوات، لا خروجه منها.

عدد المقاعد الذي سيحصده العدالة والتنمية بعد أيام قد يكون مرتفعاً، لكنه لا يستطيع أن يقدم إجابة جازمة: هل مَلّ المغاربة من حكومة أخنوش أم استعادوا ثقتهم في حزب المصباح، أم الاثنين معا؟

أعلى