• - الموافق2026/09/22م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
من إشعياء إلى هيغسيث: الدين والحرب في أمريكا الجديدة

إلى أي مدى يحضر الدين في السياسة الأمريكية، وهل تعبر كلمات وزير الدفاع الأمريكي واستشهاداته بالنصوص الدينية توجها سياسيا لإدارة ترامب الحالية، وهل ثمة انقسام حول حضور الدين في السياسة داخل النخبة والمجتمع الأمريكي.


يوم الأحد الماضي 20 سبتمبر، ألقى بيت هيغسيث، وزير الحرب (الدفاع) الأمريكي، خطابا أمام خريجي الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت (دفعة 2026)، ضمن جولة يسميها بـ"Send Me Tour" (جولة "أرسلني") يجوب فيها القواعد والأكاديميات العسكرية. وقد نشرت الوزارة نفسها مقاطع الفيديو الذي يحوي هذه الكلمات الخطيرة.

يقول وزير الحرب الأمريكي هيغسيث بالنص: إذا كنتم على دراية بسفر إشعياء، الإصحاح السادس، الآية الثامنة، فستعرفون أن الرب قال: "مَنْ أُرْسِلُ؟" فأجاب إشعياء: "يا رب، ها أنا ذا. أرسِلْني. أرسِلْني".

ثم يتابع الوزير الأمريكي قوله: على مرّ 250 عاماً من تاريخ بلادنا، كان هناك رجال ونساء رفعوا أيديهم اليمنى وقالوا: "أرسِلْني. أرسِلْني لأحارب "السترات الحمراء" (القوات البريطانية)، أرسِلْني لأحارب الشيوعيين، أرسِلْني لأحارب الإسلاميين".

وها أنتم تقولون: "أرسِلْني لأحارب أي تهديدات قد تواجه أمتنا على مدى المائتين والخمسين عاماً القادمة". هذا الخطاب العقدي الذي تمحور حوله خطاب وزير الحرب الأمريكي، هل بغرض تحفيز الروح الوطنية والعسكرية فقط؟ أم هو تدشين وتكريس أهداف عليا لطالما حفلت بها السياسة الأمريكية، وتمسكت بها بدرجات متفاوتة بحسب الإدارة المتصدرة للسياسات، مما يدفعنا إلى محاولة فهم انعكاسات تلك الأهداف على السياسة الخارجية الأمريكية الحالية، خاصة الموجهة إلى منطقتنا حيث يدور الصراع وتشتعل الحروب؟

وهنا يبرز السؤال الأهم: أين تتجه السياسة الأمريكية، إذا تعارضت أو تناقض المكون الديني لهذه السياسة مع المصالح الحيوية لأمريكا وبعدها الجيوسياسي؟ ولكي نستطيع الإجابة على هذه الاسئلة، يجب علينا فهم مفردات هذا الخطاب أولا وتحليله.

محاولة لفهم لغة الخطاب

هذا لم يكن الخطاب الأول لوزير الحرب الأمريكي الذي يستخدم فيه هذه اللغة الدينية، بل سبقه عدة خطابات في الأشهر الماضية، ردد فيها نفس العبارات التي استخدمها في خطابه الأخير:

ففي حفل في نفس أكاديمية الجيش الأمريكي (ويست بوينت) في 23 مايو 2026، ردد نفس عبارة أشعياء السابقة: فقال الرب: من أُرسَلُ ومَن يمضي لنا؟ فقلت: هاأنذا، أرسِلْني. وأربع سنوات خلت، رُفِعت يمينكم وقسمتم بالعِقْد على حفظ الدستور وحمايته وفي تلك اللحظة قلتم للوطن: أرسِلْنِي.

وفي 6 يونيو 2026، خلال احتفال بالذكرى الـ82 لإنزال النورماندي (يوم النصر في فرنسا)، كرّر هيغسيث نفس الاقتباس بالحرف.

وتعلق وكالة رويترز على هذا الخطاب بأن هيغسيث يروج للدور الديني والعاطفي في خطاب الحرب.

ثم أوضح هيغسيث أنه كان يستمع إلى موعظة أسبوعية في الكنيسة تتناول رواية إنجيلية (كما في إنجيل متى ومرقس) عن دخول المسيح إلى المجمع وشفائه لإنسان، حيث كان الفريسيون حاضرين لا للابتهاج بالمعجزة أو العمل الصالح، بل للترصد والبحث عن أي خرق شكلي للشريعة لإدانته.

 

يقف أتباع اليمين الديني (البروتستانت الإنجيليون) على أرضية مختلفة تماماً؛ إذ لا تُقاس السياسة الخارجية لديهم بميزانيات الدولارات أو حسابات الخسائر البشرية، بل برؤية عقائدية ترى في أحداث الشرق الأوسط امتداداً لنبوءات دينية.

علما بأن الفريسيين في التراث الإنجيلي، فرقة دينية وسياسية يهودية سادت في عصر المسيح، وكانت تُعرف بالتمسك الشديد بحرفية الشريعة والتقاليد الشفهية الموروثة، وتحولوا في الأدب والخطاب السياسي الغربي إلى رمز للنفاق، والترصد، وقسوة القلب، وظهروا كخصم فكري وأخلاقي للمسيح.

وهو بذلك يشبه نفسه بزعيم صامد أمام الإعلام المشكك. ولكن من هو اشعياء الذي ينقل الوزير الأمريكي خطاباته؟

إذا استعرضنا كلام علماء التاريخ المسلمين، نجد أن اشعياء ذكره الطبري في تاريخه، كما ذكره ابن كثير في كتابيه (قصص الأنبياء) و(البداية والنهاية) حيث كتب: إنه نبي أُرسل الى بني إسرائيل بعد موت سليمان بزمن، دعاهم فأعرضوا، ونبّأهم بمولد يحيى بن زكريا قبل حدوثه.

ولكنها بما أنها من الروايات المأخوذة من مصادر بني إسرائيل التي يرويها الذين كتبوا التاريخ من العلماء المسلمين أحياناً بصيغة، ويقال أو ذكر أهل الكتاب، ولذلك تجد ابن كثير نفسه يتعامل معها بحذر ويقول: الله أعلم بصحة ذلك.

أما سفر اشعياء فهو أحد أسفار التوراة أو العهد القديم كما يطلق المسيحيون عليه.

ولهذا السياق أهمية لفهم الخطاب الأمريكي: حين يستشهد وزير الحرب بإشعياء فهو يستشهد بنص عهد قديم عبري (نبوءة يهودية الأصل)، لا بإنجيل وهي نقطة يلتقطها نقّاده المسيحيون أنفسهم، إذ يقولون إن "أرسلني" في سياق الحرب لا تجد سنداً في تعاليم يسوع التي هي في جوهرها تتمحور حول السلام.

والمثير في الأمر أن الاقتباس لهذا النص الديني، لم يكن وزير الحرب الأمريكي أول من استخدمه، فقد استخدمه أيضا بعد عملية في كابول 2021، الرئيس الديموقراطي جو بايدن قائلاً: ها أنذا يا رب أرسِلْني كل من هؤلاء الرجال والنساء من قواتنا المسلحة هم ورثة تقليد التضحية والتطوّع.

إذًا الدين في السياسة الأمريكية في صراعها الحاضر لا يقتصر فقط على كون السياسي ديمقراطيا أو جمهوريا، بل هو مكون أصيل في هذه السياسة.

ولكن تبقى إشكالية تعارض البعد الديني في هذه السياسات مع المصلحة الأمريكية؟

أو على نحو أدق التعارض في تعريف المصلحة الأمريكية، فتأييد الكيان الصهيوني في نظر البعض هو جزء من المصلحة الأمريكية.

الصراع داخل اليمين الأمريكي 

لعقود طويلة، عاش المعسكر المحافظ في أمريكا حالة من الانسجام الظاهري بين فريقين: فريق يرفع شعار "أمريكا أولاً" ويريد التركيز على الداخل الأمريكي وإيقاف الحروب المكلفة، وفريق "اليمين الديني" الذي يرى في الحروب ودعم الكيان الصهيوني واجباً إلهياً ورسالة مقدسة. لكن حرب الإبادة في غزة، ثم التعثر في الحرب على إيران، والعجز عن إسقاط نظامها كشفوا هذا التناقض المستور.

كيف ذلك؟

يمثل أنصار تيار (أمريكا أولاً) القاعدة الشعبية الجماهيرية التي غيرت وجه الحزب الجمهوري في السنوات الأخيرة، ونقلته من حزب يحركه صقور الحروب الخارجية إلى حركة جماهيرية تركز على الداخل. ينطلق هذا التيار من فلسفة مادية ومباشرة؛ فهو لا يرى في الولايات المتحدة شرطياً للعالم، ولا منقذاً أخلاقياً للآخرين، بل دولة يجب أن تُسخّر كامل ثرواتها وقوتها لحماية حدودها الوطنية، ومعالجة أزماتها الاقتصادية، وتأمين رفاهية مواطنيها فقط.

بالنسبة لجمهور هذا التيار، فإن التورط في دعم الكيان الصهيوني لدرجة إبادة شعب آخر، أو الدخول في حرب استنزاف ضد إيران تحت شعار إسقاط النظام، هو إعادة إنتاج للمآسي السابقة في العراق وأفغانستان، والتي كبّدت البلاد آلاف الأرواح وتريليونات الدولارات دون أي عائد ملموس للمواطن العادي. ولذلك يتساءل الناخب الأمريكي في هذا التيار بغضب: كيف تُنفق واشنطن مئات الملايين يومياً على عمليات عسكرية في الشرق الأوسط بينما تعاني المدن الأمريكية من تداعي البنية التحتية، وارتفاع أسعار المعيشة والتضخم، وضغوط أزمات الحدود والهجرة؟

من هذا المنطلق، يتزايد القناعة لدى هذا التيار بأن الحرب على إيران لم تكن قراراً فرضته المصلحة الوطنية الأمريكية المباشرة، بل كانت فخاً استراتيجياً جُرّت إليه واشنطن بضغط من قيادات اليمين الديني والداعمين الكيان الصهيوني داخل الإدارة الأمريكية. وبدأ هذا الجمهور ينظر إلى الدعم غير المشروط للحروب الإقليمية ليس كواجب أخلاقي، بل كعبء ثقيل يُورّط أمريكا في صراعات لا تنتهي، ويتناقض كلياً مع الشعار الأساسي الذي بُنيت عليه أهليتهم السياسية: "إنهاء الحروب الأبدية وإعادة الجيوش إلى الوطن".

في المقابل، يقف أتباع اليمين الديني (البروتستانت الإنجيليون) على أرضية مختلفة تماماً؛ إذ لا تُقاس السياسة الخارجية لديهم بميزانيات الدولارات أو حسابات الخسائر البشرية، بل برؤية عقائدية ترى في أحداث الشرق الأوسط امتداداً لنبوءات دينية.

يرتكز هذا التيار على قناعة إيمانية راسخة مفادها أن بركة أمريكا وقوتها وازدهارها الاقتصادي والعسكري مرتبطة شرطياً بمدى دعمها للكيان الصهيوني، وأن التردد في خوض معاركها يُعد تقصيراً إيمانيّاً يُجرّد الأمة من الرعاية الإلهية.

من هذه الزاوية، لا تُعتبر الحرب مع إيران مجرد نزاع جيوسياسي حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي، بل هي صراع وجودي بين الخير والشر يجب خوضه حتى النهاية دون الالتفات إلى التكلفة المادية أو البشرية. ويُنظر إلى العجز عن إسقاط النظام الإيراني أو التراجع عن الحرب بوصفه هزيمة روحية قبل أن يكون إخفاقاً عسكرياً، لأن الذهنية العقائدية لهذا التيار تفترض أن النصر حتمي ومضمون إذا ما استمر الجيش في خوض "المهمة المقدسة".

وتكمن قوة هذا التيار في ثقله التنظيمي والانتخابي الهائل؛ فهو يمتلك شبكات ضخمة من الكنائس والإذاعات والتنظيمات السياسية التي تمكنه من حشد ملايين الناخبين والانضباط العالي في الاقتراع. هذا النفوذ يجعله يمتلك سلطة "النقض" (الفيتو) داخل الحزب الجمهوري، حيث يخشى أي سياسي محلي أو مسؤول في واشنطن تقديم تنازلات دبلوماسية أو إظهار مرونة سياسية في ملفات الشرق الأوسط، خوفاً من عقاب هذه الكتلة الانتخابية التي تعتبر أي تراجع في حرب الشرق الأوسط تفريطاً عقائدياً لا يُغتفر.

الخلاصة

إن الخطاب الصادر من البنتاغون ( وزارة الدفاع الأمريكية) ليس مجرد بعض كلمات من مسؤول عسكري، بل هو مرآة لأزمة هوية تعصف باليمين الأمريكي في لحظة فارقة. وفي النهاية، ستجد واشنطن نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في الارتهان لخطاب ديني (مزيج من يهودي وبروتسانتي) يجر البلاد نحو حروب أبدية تحت شعارات نداء إشعياء، وإما العودة إلى القراءة الواقعية الباردة التي تضع مصلحة الداخل الأمريكي واقتصاده فوق كل اعتبار عقائدي.

أعلى