لطالما ارتبط الشباب في الأذهان بالسعادة والطموح والحيوية، لكن الأرقام الحديثة تكشف مفارقة صادمة؛ فالشباب اليوم هم الفئة الأكثر معاناة من التعاسة والاضطراب النفسي. فما الذي تغيّر؟ وكيف تحولت سنوات العمر الأكثر ازدهارًا إلى سنوات مثقلة بالقلق والإحباط؟
في الأغلب الأعم يقترن ذكر السعادة بمرحلة الشباب؛ فهي الحيوية النضرة، والطاقات
المتفجرة، والفرص السانحة، وقد ظل ذلك الاعتقاد لفترة طويلة من الزمن سائدا لدى
قطاعات عديدة من البشر ولكن الأبحاث والإحصاءات الأخيرة كان لها رأي آخر ، وبينت
أنه لربما كان علينا إعادة النظر في هذا الاقتران بشيء من التشكيك والبحث.
كشفت تقارير السعادة العالمية خلال السنوات الأخيرة عن تراجع ملحوظ في مستويات
الرضا عن الحياة لدى البشر، لكن المفاجأة الأكبر تمثلت في أن الشباب، الذين طالما
ارتبطت بهم صورة الحيوية والتفاؤل، باتوا اليوم الفئة الأكثر معاناة من التعاسة
والاضطراب النفسي.
فالشباب منذ سن الخامسة عشرة إلى الأربع والعشرين شهدوا تراجعا متزايدا في مستويات
الصحة النفسية منذ عام 2019، وكثر ذلك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وجنوب
آسيا، وأمريكا الشمالية، وأوروبا الغربية. ولزيادة المفاجأة يظهر التقرير ــ ولأول
مرة ــ أن أجيال "البومرز" أجيال الأربعينيات والخمسينات أكثر سعادة بفارق ضخم عن
جيل "الألفية".
وليست الفكرة أنها أزمة دول!، فلقد كانت المفارقة الكبيرة أنه بينما تنعم الفئة
الأكبر سنا ــ ما فوق ال60 ــ بالسعادة والرفاهية النفسية في دول مثل أمريكا مثلا،
تكون النسبة أقل كثيرا عند النظر للشباب والمراهقين ــ من هم دون ال30 ــ، وهذا
يضعنا أمام العديد من التساؤلات، ما بال شبابنا اليوم حزانا.
ولعلنا نملك الحق في التعجب والاستغراب ؟...لأن الحداثة لم تجلب السعادة بقدر ما
أضحت تعج بمسببات التعاسة، ومع ذلك لزم علينا أن نفصل في أسباب المشكلة تفصيلا
يضعنا على مواطن النقص والضعف، ويبين مآلات ذلك على مستقبل المجتمعات المسلمة؟
"تأثير الشاشات وحمى وسائل التواصل"
يرجع معظم الباحثين أن التدهور المطرد في الآونة الأخيرة يكمن نتيجة التكنولوجيا
والشاشات في المقام الأول، ولا غرو في ذلك!، حيث أشارت الدراسات أن المراهقين
والشباب يهدرون ما يزهو عن سبع أو تسع ساعات يوميا أمام الشاشات!، وربط العلماء بين
تدهور الحالة النفسية للأفراد عند قضاء قرابة ثلاث ساعات على وسائل التواصل
الاجتماعي، فكيف نستغرب إذن؟
إن استنزاف الساعات الطويلة أمام الشاشات وما يرافقه من ضعف الإنجاز والشعور بضياع
الوقت كفيل بإحداث تآكل تدريجي في الصحة النفسية.،
ومع ذلك لا يقتصر الأمر على هذا الحد فقط، فالمقارنات التي يعقدها العقل الباطن بلا
وعي في وسائل التواصل الاجتماعي على المستوى الشخصي (الأقارب والأصدقاء) والمستوى
العام (المؤثرون)، والمثالية التي يرجوها ....وهي في الحقيقة بعيدة المنال، والحياة
المزدوجة التي يقضيها الناس بين الحقيقة والواقع الافتراضي، وفوق كل ذلك شعور شباب
اليوم بالنقص وقلة العدل وانعدام الفائدة المرجوة جراء رؤية اللاهين من الناس قد
تقدموا وصاروا فيهم ذوي مكانة وشهرة ونفوذ، وفي ظنه ــ وقد يكون الأغلب كذلك فعلا
ــ أنهم لم يقدموا لأنفسهم وللمجتمع إلا شذرات، ولم يبذلوا من الجهد إلا ما تيسر في
سبيل ذلك.
كل تلك المقارنات والإحباطات كانت جديرة بكسر نفسية الشباب الهشة المقبلة على
الحياة، ولم تكتف بذلك بل صيرتها في النهاية مهمشة في نظرها، مهشمة في نفسها.
"الانفصال عن الدين"
يشهد العالم العربي بتقدم الزمن، انفصالا مريرا عن تعاليم الدين الحنيف والشريعة
الغراء، وبتغليبه الماديات على الروحانيات، سطت على ذهنه خاطرة أنه هو المسؤول عن
جميع شؤونه، وأن ما يخرج عن سيطرته "هو" قد خرج عن السيطرة بالكلية، فلا يترك بابا
للطف القضاء وتدبير الله له، وأصبح يتلقى الصدمات بشيء من الجزع ونفاذ الصبر ــ في
معظم الحالات ــ فلا ركيزة قوية من الإيمان يركن إليها، ولا ذخيرة من تذكر الحياة
الآخرة ونعيمها يستند عليها.
وانطلاقًا من ذلك لدينا مجموعة معتبرة من أسباب تدني مستوى السعادة العالمية ولا
سيما شبابها ومن أخصها شبابنا العربي، ومنها أيضا:
"شبح الفقر"
كانت البطالة دائمًا وحشًا كاسرًا ينقض على أحلام الشباب ومعنوياتهم، حيث شهد
العالم العربي أعلى معدلات البطالة بين الشباب قاطبة.
فإذا ما نالت البطالة من أحدهم وسئم البحث والرفض والتكرار، انقض عليه وحش البطالة
وتركه جثة هامدة خاوية من الآمال وبريق الشباب، وخيم عليهم البؤس والغم والكمد.
وحتى إذا نجح أحدهم في العثور على فرصة عمل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة بلوغه حياةً
كريمة؛ إذ إن تراجع الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم أضعفا القدرة
الشرائية إلى حد بات معه توفير الاحتياجات الأساسية نفسها تحدياً يومياً، فضلاً عن
التفكير في الكماليات أو تحسين مستوى المعيشة.
وكثيرا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ: اللهم أعوذ بك من
الكفر والفقر. وكأنهما صنوان.
"البيروقراطية"
لعل أشهر ما صوره الأديب فرانز كافكا في أعماله هو ذلك العالم البيروقراطي المعقد
الذي يشعر فيه الإنسان بالعجز أمام الإجراءات والمتاهات الإدارية فالوقوف أمام مئات
الموظفين الصغار، والذوبان في خضم كثرتهم وقلة حيلتهم والمعاملات المالية والورقية
وصعوبة الوصول إلى الأمر المرجو، لا بد أن يكون ذا أثر بالغ في شعور الشاب بعدم
إمكانية سماعه أو وصوله إلى مبتغاه، ولا يمكن أبدا التقليل من حجم هذا الأثر أو
إسقاطه والإعراض عنه، فضعف الخدمات وتعقيد الإجراءات في كثير من الدول يولدان لدى
الشباب شعوراً بالعجز والإحباط وفقدان التأثير..
"انعدام الأمن والأزمات الإنسانية"
هناك في العادة ثلاث مقومات لحياة قويمة مستقرة على أقل تقدير وهي المأكل والمسكن
والأمن، ولا يمكن إسقاط أي من الثلاث، وقد يستطيع الإنسان احتمال الجوع أياماً
معدودة إذا وجد ما يسد رمقه في النهاية، لكن فقدان الأمن يظل جرحاً مفتوحاً يصعب
التعايش معه، والإنسان لا يمكن أن يغمض عينيه وهو يسمع دوي الانفجارات، وإن انتهى
هذا الدوي فإن صداه لا يزال يتردد في الأذن أمدا غير يسير، ومناقشة السعادة في وجود
الحرب أمر غير منطقي بأي حال، وكيف السبيل إلى الراحة والشخص لا يستطيع أن يأمن على
نفسه وأهل بيته حتى في عقر داره، ولا يكون ذلك في حالات الحروب فقط!، بل إن الفقر
والبطالة اللذين يدفعان لتفشي الجريمة يتسببان كذلك في حالة من القلق والتحفز والتي
بدورها تضفي على الأعصاب لونا من ألوان الاضطراب وقلة السكينة. وصدق رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذ قال مَن أصبحَ مِنكُم آمناً في سِربِهِ، مُعافىً في جسَدِهِ،
عندَهُ قوتُ يومِهِ، فكأنَّما حيزت له الدُّنيا بحذافيرِها.
"وحشة الاغتراب"
تدفع الحالة المادية المتدنية للشباب في أحوال كثيرة إلى الهجرة بشقيها، وإذا ما
غادر الشبان في هجرات غير شرعية، فإن ذلك يجلب عليهم من المآسي والآلام الكثير، في
طريق الذهاب برا أو بحرا، وفي المخيمات والشوارع يعانون الوحدة والخوف، حتى إذا ما
استقرت أحواله ماديا ــ هذا إذا استقرت ــ لا يمكن أن يمنع ذلك الوحدة والعزلة
والوحشة وغياب السند فضلا عن الأعمال المكدة المتعبة التي لا ينتهي منها حتى يلفي
نفسه في جحر فأر مسكنا، وغياب بارقات الأمل في تحسن الأوضاع وعودته لبلاده وأحضان
عائلته يجعله محجوزا بين براثن اليأس.
"العزلة النفسية وغياب الدعم"
وفي النهاية لا يمكن إغفال العامل النفسي البحت، وهو غياب الدعم النفسي للأفراد ذوي
المشكلات والاضطرابات النفسية ــ الصغيرة منها والكبيرة ــ ، حيث تصبح "الفضيحة
والمعايرة" أكثر أهمية من نفسية المراهق أو الشاب، حتى على صعيد الشاب نفسه أحيانا،
حيث يملي على نفسه الخوف والمرض حرصا منه على عدم التعرض للهمز واللمز، وفي العادة
لا تلقى فكرة الالتفات للمرض النفسي وعده في أهمية المرض العضوي في تأثيره وضرورة
علاجه رواجا في كثير من البلدان العربية، فتصبح مشاكل من أمثال التنمر والابتزاز
والاكتئاب والوسواس، أسرار كامنة من اختصاص الشخص نفسه لا غير، حربا ضروسا حكم عليه
أن يخوضها وحده فقط وبدون دروع ولا أدوات!، وفي الأغلب وبدون معرفة بكيفية المرض أو
حتى بوجوده، فإحصاءات منظمة الصحة العالمية توضح أن حوالي 50% من الأمراض النفسية
قد تبدأ قبل سن الرابعة عشرة، ومع ذلك فإن أكثر من 80% من المصابين بالأمراض
النفسية في دول العالم العربي لا يحظون بلأي اهتمام نفسي مشهود سواء بالعلاج أو
بالدعم.
وقد نتساءل....وماذا يعني إذا حزن الشباب وانكسرت نفوسهم؟
وهنا كان لا بد من الالتفات لحقيقة أن الشباب هم لبنة البناء الأساسية، بناء الصرح
المجتمعي المتماسك، فإذا انهدم الشباب تهدم الصرح بلا محالة، ولئن انهزم الشباب عدت
المعركة منتهية ولا ريب!، وليس بإمكان من يرزح تحت وطأة الفشل واليأس أن يقدم شيئًا
لنفسه أو لوطنه سواء، بل إن كليل الجسم يسعى لكي يصبح شيئا ويفيد نفسه، ولكن كليل
النفس لا يسعى....لا يسعى بتاتًا ولا يضع في أولوياته تميز ولا تحسن ولا إفادة،
فحين يرين الظلام على نفوس قد كلت داخلها وانطفأت ... فلا تنتظر من هذه النفوس أن
تصبح قناديل تضيء يوم ما.
وبينما لا يمكن التحكم في الظروف المحيطة بنا بشكل فعال، يمكننا محاولة السيطرة على
ما يقع طوع أيدينا لمحاولة إعادة التوازن الهيكلي للمجتمع، فإيصال وقت الشاشات
وبخاصة وسائل التواصل إلى أدنى مستوياتها، يعد الوسيلة الأكثر نجوعًا في تحصيل
اتزان نفسي بأقل الأضرار، مع ملأ الأوقات بما يفيد من قراءة وصحبة وعمل خدمي أو
اجتماعي وتبقى مشاكل مثل "البيروقراطية" و"الحروب والأزمات الاقتصادية" محالة إلى
قدرة الشخص النفسية على التأقلم ومرونته النفسية، ويبقى التمسك بالدين و العمل
والمثابرة الجادة وتلقي الدعم من الأصدقاء أو المختصين سبيلا لتقويم ما يمكن
تقويمه.