كيف أسهمت الدراما والإعلام وبعض التشريعات الحديثة في إضعاف صورة الأسرة المسلمة، وما السبل الكفيلة باستعادة قيم المودة والرحمة وترسيخ الزواج شراكةً إنسانية تحفظ استقرار المجتمع وتصون الأجيال القادمة؟
في غرفة انتظار عيادة طبيبة النساء، كان الوضع يبدو هادئا لكنه يصرخ بألمٍ لا
يُوصف. فتيات في ريعان الشباب، لم يتجاوزن العشرينيات من العمر، كلٌ منهن تحمل في
حضنها طفلاً أو رضيعاً، وفي قلبها حكاية طلاقٍ أنهكت روحها. يتبادلن النكات الساخرة
عن "انتصارهنّ" في معارك المحاكم، وكأن الطلاق ميداليات فخر، بينما تخفي كلٌّ منهنّ
تحت ضحكتها المفتعلة حُلمًا ورديًّا تحطّم، وبيتًا كان يملأ عينيها، صار سرابًا.
هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو نتاجُ حملاتٍ ممنهجة، رسمت صورة الزوجين وكأنهما
خصمان في حلبة صراع، وتحولت دعامتا البيت المسلم إلى مجرد كاريكاتير يُستهان به.
إن ما يتعرّض له الشاب المسلم من مواد درامية ومقاطع قصيرة ساخرة، تُرسخ فكرة
الزواج كـ"معركة لا مفرّ منها"، وتجعل من الزوج طائرًا حرًّا يأسر نفسه في قفص،
ويعيغس حكايته مع "النكد" الذي لا ينتهي.
بل إن بعض التشريعات في بعض البلدان الإسلامية رسّخت الخصومة بين رفيقي الرحلة،
وضخّمت صوت طرفٍ على حساب الآخر، وكأن الأسرة ساحة انتقام لا مأوى للرحمة.
بهذه الوتيرة، تلاشت معاني المودة والرحمة، وتناست العقول قوله تعالى: (وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: 21]. فبدلاً من السكن، صرنا نرى
شقاءً؛ وبدلاً من المودة، صرنا نسمع صراعاً.
هذه الظاهرة ليست مجرد صدفة، بل يمكن أن نُسمّيها بجرأة "التفكيك الممنهج للأسرة".
إنها عملية تدريجية تبدأ بتشويه صورة الزوجين، ثم تهدم معايير الاحترام داخل البيت،
لتُضعف قدرة الأسرة على البقاء. والأخطر أنها ليست مؤامرة غامضة، بل هي حصيلة ترسّخ
نماذج سلوكية يبثّها الفضاء العام بلا رادع.
الدراما كعملة للتدمير
في دراما رمضان الأخير، عاشت الأسر العربية على وقع مسلسلات رَسَمت الزوج خائنا أو
مهينا، والزوجة ضحيّة أو ثائرة، وكأن الحياة الزوجية ليست إلا سلسلة من الانتقامات
والخيانات. هذه النماذج لم تُعرض كترفيه عابر، بل غُرست في العقول كحقائق، حتى صار
الطلاق في مخيلة النشء خياراً "تحررياً"، والزواج عبئاً يُهرب منه.
ولا تقف الدراما وحدها؛ فمنصات "تيك توك" و"إنستجرام" تضخّم المحتوى الصادم؛ لأنّه
يجلب التفاعل، فتنتشر السموم السلوكية بصورة أسرع من أي وعظ نافع.
|
|
انهيار الأسرة ليس مجرد خسارة شخصية تقع على عاتق زوجين منفصلين؛ بل هو
فاتورة ثقيلة يدفع ثمنها المجتمع بأسره والأجيال القادمة، ويمسّ صميم تكريم
الشرع للبيت والنسل |
وقد أثبتت الأبحاث أن التعرض المتكرر لمحتوى يُقلّل من قيمة الزواج يزرع الشكوك في
النفوس، ويدفع إلى انهيار الثقة قبل أن تنبني.
أما على الصعيد التشريعي، فثمة قوانين تظهر بمظهر "العدالة"، لكنها في جوهرها
تُكرّس الصراع، وتغفل عن آليات وساطة أسرية عادلة، وتُهمل خصوصية الأسرة المسلمة،
فتحوّل بيتاً كان يمكن إنقاذه إلى أنقاض.
نتائج موجعة
هذا التفكيك ليس نظرياً، بل له وقعه المرير؛ تراجع الثقة بين الأزواج، تصاعد العنف
الأسري، عزوف الشباب عن المسؤولية، وأطفال ينشأون دون نموذج يحتذى به. والأرقام
ليست بعيدة؛ فتقارير منظمة الصحة العالمية تحذّر من تأثير العنف الأسري على الصحة
النفسية للأطفال، وتؤكد أن الأسرة المفككة تُكلّف المجتمع أضعاف ما توفره من "تحرر"
وهمي.
مسخ القيم
ومن جانب آخر يسوِّق أعداء الإسلام لأفكار مدمرة تحت عناوين براقة مثل "التحرر"
و"التنوع" أو "الجندر" بشكل قد يحمل في طياته مطالب تعيد تعريف الأسرة وتضعف القيم
التي أرساها الله للتماسك الاجتماعي.
إن الإسلام قدّم الزواج ميثاقًا وعهدًا يهدف إلى السكن والمودة والرحمة. لذا
فالترويج لأنماط حياة تفكك الروابط الأسرية أو تقلّل من مسؤولية الزوجين يهدد هذا
الميثاق، ويغري بعض الشباب بصيغ براقة تُبعدهم عن الفطرة والالتزام.
فاتورة الانهيار
انهيار الأسرة ليس مجرد خسارة شخصية تقع على عاتق زوجين منفصلين؛ بل هو فاتورة
ثقيلة يدفع ثمنها المجتمع بأسره والأجيال القادمة، ويمسّ صميم تكريم الشرع للبيت
والنسل،
وينسف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم "تَناكحوا تَناسلوا أُباهي بكم الأممَ يومَ
القيامةِ".
الإسلام
جعل الأسرة نواةٌ للمجتمع، فبهِ تُنشأ النفوس على الطاعة والخلق الحسن وتُحفظ
الأجيال من الضلال. وعندما تنهار الروابط الأسرية تتآكل شبكات الأمان الاجتماعي،
فتزداد معدلات الفقر والعنف والانحراف، ويضعف دور التربية الدينية التي كانت تنقل
القيم والأخلاق من جيل إلى جيل. الطفل الذي يكبر بلا نموذج أسري مستقر يفقد مرساة
الثقة والانتماء، ويبتعد عن منهج الفطرة والسيرة النبوية في الأخلاق والالتزام، ما
يثقل على الأمة أعباء صحية واقتصادية وروحية طويلة الأمد. لذا فصون الأسرة ليس
رفاهية خاصة، بل واجب شرعي واجتماعي؛ حماية البيوت اليوم معناه حفظ الدين والخلق
وأمن الغد واستمرار أمةٍ متماسكة تحت راية الشريعة.
خطة إنقاذ.. من أين نبدأ؟
الخلاص يبدأ من استعادة الصورة الحقيقية للزواج من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله
عليه وسلم، لا من شاشات السخرية. لو تمعّن الرجل في قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ فإن كرهتموهن فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ
فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19]، وفهم أن القوامة مسؤولية ورعاية لا تسلط
واستعلاء، لبنى سدّاً منيعاً يحمي بيته.
ولو تحصّنت المرأة بفهم قوله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة
الصالحة"، لكانت شريكة بناء لا نظيرة خصومة. ولو تذكّر الجميع وصية النبي
ﷺ:
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم"، لتحولت البيوت إلى
جنّات.
وصايا ذهبية
مواجهة التفكيك الممنهج تحتاج إلى تكاتف يبدأ من تربية النشء على تقديس الأسرة
وعزلهما عما يشوه الفطرة السوية كالدراما الفاسدة والمواد الإعلامية المضللة
واستبدالها بسيرة النبي وهدي الصحابة في رعاية ذويهم.
ومن أشهر الأمثلة التربوية وصية أمامة بنت الحارث الشيباني لابنتها أم إياس عند
زفافها إلى عمرو بن حجر أمير كندة فقالت:
"أي
بنية انك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكرٍ لم تعرفيه،
وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالاً عشراً يكن لك ذخراً.
أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة. وأما الثالثة
والرابعة: فالتفقد لموقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك علي قبيح، ولا يشم منك إلا
أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص
النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والإرعاء بحشمه وعياله، وملاك الأمر في
المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له
أمراً، ولا تفشين له سراً فإنك إن خالفت أمره، أوغرت صدره، وإن أفشيت سره، لم تأمني
غدره.
وبالمثل هناك وصية لأحد الكتاب تدعو الزوج لإظهار الدلال والحب، والموازنة بين
الحزم واللين، وتحسين المظهر والكلام، مع احترام سلطة زوجته في منزلها وتجنب
إجبارها على الاختيار بينه وبين أهلها. وتأمر بالرفق في تقويم أخطائها بالتدرج لا
بالكسر أو الهجر، والصبر عليها، والتخفيف عنها في أوجاعها الجسدية والنفسية اقتداءً
بالتخفيف الإلهي للفرائض.
مسؤولية لا تحتمل التأجيل
الدولة أيضًا والمؤسسات الدينية والإعلام والمجتمع المدني عليهم دور كبير في نشر
الوعي العام. وذلك عبر:
·
خطاب ثقافي إسلامي متجدد يبرز الشراكة الكريمة بين الزوجين.
.
تنظيم دورات تاهيلية للمقبلين على الزواج تظهر حق كل من الزوج والزوجة في الشرع
وتنمي المهارات المطلوبة لحسن التواصل وطيب العشرة.
·
إصلاح الإعلام المحلي بإنتاج دراما متوافقة مع روح الإسلام تعكس واقع الأسرة
السليم، وتقدم حلولاً للخلافات لا تغذيها.
·
تشريعات تحمي الأسرة مستمدة من الشريعة الإسلامية، مع آليات وساطة ودعم اقتصادي
واجتماعي.
·
برامج توعوية في المدارس والمساجد، وحملات رقمية ذكية تروّج للوعي الزوجي.
·
رقابة منصفة على المحتوى الرقمي، بالتعاون مع شركات التقنية، دون كبت للحريات
المشروعة.
إن صون الأسرة ليس ترفاً فكرياً، بل هو حجر الزاوية لنهضة الأمة. وحماية كرامة
الزوجين هي الاستثمار الحقيقي في مستقبل أجيال تنشأ على الاحترام، لا على الصراع.
فالبيت المسلم إن صلح صلح المجتمع كله، وإن انهار انهارت معه معالم الاستقرار.
فلنعد للزواج بهاءه، وللبيوت سكينتها، وللمجتمع تماسكه. فما خسرت أمةٌ قطّ إلا حين
تهاونت في بناء بيوتها.