أوقف الاتفاق الأمريكي الإيراني المواجهة، لكنه في المقابل فتح حرباً أخرى: حرب الروايات والتفسيرات. فبينما يعلن طرف انتصاره، ويقدم الاتفاق بوصفه مكسباً تاريخياً، يبقى السؤال: على ماذا اتفقت واشنطن وطهران؟ وما الذي ما زال عالقاً خلف أبواب التفاوض المغلقة؟
أخيرًا بعد الكثير من الشد والجذب، وصل الطرفان إلى اتفاق، وإلى صيغة معينة، أطلق
عليها مذكرة التفاهم، أدت إلى الإعلان عن انتهاء الحرب بين كل من أمريكا وإيران.
ولكن قبل أن نشرع في تحليل هذا الاتفاق وتداعياته على المنطقة، علينا أن نعرف أولا
ماهية بنود هذا الاتفاق؟
فحتى نهاية يوم الاثنين ١٥ يونيو، فإن النص الرسمي للاتفاق، والوثيقة القانونية
بتفاصيلها الدقيقة، لا تزال طي الكتمان ولم تُطرح للإعلام، وأكدت ذلك شبكة
CNN
في تغطيتها، حيث ذكرت أنه لم تُنشر تفاصيل الاتفاق على الفور، على الرغم من أنه تم
التوقيع عليها إلكترونياً يوم الاثنين 15 يونيو من قِبل الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بوساطة باكستانية.
وربما يتم نشرها رسميا، عقب أن يتم التوقيع الرسمي عليها يوم الجمعة المقبل في
مدينة جنيف السويسرية.
وفي غياب النص الرسمي للوثيقة، تخوض الأطراف معركة سرديات لفرض تفسيرها الخاص
للاتفاق، بناءً على التصريحات الرسمية والتسريبات الإعلامية الصادرة في الساعات
الماضية، حيث جرى سجال إعلامي أشبه بمعارك كلامية تحزب لها جماهير كل طرف.
ولكن الأمانة العلمية تقتضي فرز بنود المذكرة بدقة إلى مساحتين: ما تم التوافق عليه
بصمت أو علناً، وما تفجر حوله الخلاف والتكذيب.
أولاً: البنود المتوافق عليها (لم تشهد اعتراضاً علنياً)
هذه هي الخطوط العريضة التي أكدتها أمريكا وإيران، وباركتها أطراف دولية مثل الأمم
المتحدة، ولم تخرج أي تصريحات تنفيها:
١- الوقف الشامل والدائم لإطلاق النار: إنهاء العمليات العسكرية المباشرة على كافة
الجبهات. وقد تم تأكيد شمول الساحة اللبنانية في هذا البند، وهو ما تُرجم عملياً
بإعلان مسؤولين في حزب الله إيقاف العمليات.
٢- فك الحصار البحري: التزام الولايات المتحدة برفع الحصار البحري عن الموانئ
الإيرانية.
٣- فتح الممرات المائية: التزام إيران المبدئي بفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة
العالمية وتدفق الطاقة.
٤- الإطار الزمني للمفاوضات: تحديد فترة 60 يوماً للتفاوض حول التفاصيل المعقدة
وعلى رأسها الملف النووي للوصول إلى تسوية نهائية دائمة.
ثانياً: البنود الخلافية (التي جرى تكذيبها أو تباينت التفسيرات حولها بشدة)
هنا تكمن التفخيخات الحقيقية للاتفاق، حيث يتحدث كل طرف لجمهوره الداخلي بتفسيرات
تتناقض تماماً مع الطرف الآخر:
1. إدارة مضيق هرمز ورسوم العبور:
الرواية الإيرانية: صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المضيق يخضع للسيادة
الإيرانية-العمانية، وأن إيران ستدير حركة المرور وتفرض رسوم خدمات (وهو التفاف على
مصطلح الضرائب أو الرسوم الإجبارية). كما أشار إلى مسارات آمنة للسفن المدنية
بقواعد تختلف عن غيرها.
الرفض الأمريكي: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة أن الاتفاق ينص على فتح
المضيق بدون أي رسوم واستخدم المصطلح الانجليزي (Toll-free)،
بينما أكد مسؤولون أمريكيون لوسائل الإعلام أن ترك إدارة المضيق لإيران أمر مرفوض
تماماً، ويضر بالمصالح الأمريكية.
2. مصير اليورانيوم عالي التخصيب والبرنامج النووي:
تتلخص الرواية الأمريكية، في تصريحات ترامب، والتي ذكر فيها أن الاتفاق يمنع إيران
من التخصيب، بل ويسمح للولايات المتحدة بالدخول ومصادرة اليورانيوم عالي التخصيب
الموجود لدى إيران لخلطه أو تدميره.
وهنا جاء الاعتراض الإيراني، ومضمونه هو رفض إيران المساس الفوري ببرنامجها وتعتبر
أن المرحلة الأولى من الاتفاق مخصصة لإنهاء الحرب والمكاسب الاقتصادية فقط، بينما
يُرحّل الملف النووي للمرحلة الثانية (مفاوضات الـ 60 يوماً)، في محاولة لتقليل
ورقة الضغط الأمريكية قبل تقديم أي تنازل نووي.
3. الإفراج عن الأموال المجمدة:
هناك تسريب إيراني، نشرته وكالة مهر الإيرانية المقربة من الدولة في مسودة مزعومة
من 14 بنداً، تدعي أن الاتفاق يشمل الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية
المجمدة خلال فترة الـ 60 يوماً، وتعهداً أمريكياً بعدم التدخل في شؤون إيران
الداخلية.
بينما على الطرف الآخر، هناك تجاهل بل يصل إلى التكذيب الأمريكي، لم يؤكد أي مسؤول
أمريكي هذا البند نهائياً. ويُنظر إلى هذا التسريب الإيراني على أنه محاولة لفرض
أمر واقع إعلامي؛ حيث إن الإفراج عن مبلغ ضخم كهذا قبل حل معضلة اليورانيوم سيفقد
واشنطن أهم أوراق ضغطها.
ثالثاً: جبهات الاعتراض والرفض الصريح
لم يمر الاتفاق بسلاسة داخل أروقة الحلفاء أو الداخل، وقد برزت معارضات واضحة:
هذه الاعتراضات على تلك الاتفاقية، تبين لنا ما خفي من بنود هذا الاتفاق، لذلك
سنحاول استعراض تلك المعارضة داخل كل طرف من الأطراف الرئيسة الثلاثة لعلنا نفهم
الى حد ما تم الاتفاق عليه.
أولاً المعارضة داخل إيران
تتزعم جبهة بايداري في إيران حملة الرفض لتلك الاتفاقية، وبايداري تعني بالفارسية
الصمود أو الاستقرار، واسمها الرسمي: جبهة الصمود للثورة الإسلامية، وهي واحدة من
أكثر الكتل السياسية والأيديولوجية تشدداً وراديكالية داخل المعسكر المحافظ في
إيران.
وتأسست تلك الجبهة رسمياً في عام 2011، وتُعتبر المظلة التي يتجمع تحتها الجناح
الأكثر يمينية في السياسة الإيرانية.
والآن تقود تلك الجبهة حملة رفض قاطعة لأي تفاوض مع الولايات المتحدة، وقد نُظمت
احتجاجات صغيرة في عدة مدن. هذا الضغط الداخلي أجبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
على الخروج بتصريحات تبريرية تؤكد أن التفاوض لا يعني التخلي عن مبادئ الجمهورية.
وقد سبق وأن خاضت هذه الجبهة المعارضة الشرسة للاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة
المشتركة) الذي أُبرم عام 2015 في عهد الرئيس حسن روحاني، واعتبروه تنازلاً مهيناً.
لذلك، من الطبيعي أن يكونوا رأس الحربة في معارضة مذكرة التفاهم الحالية التي تم
توقيعها مع إدارة ترامب.
ومن أبرز الشخصيات والرموز لجبهة المعارضة تلك، سعيد جليلي، ورغم أنه قد لا يطرح
نفسه دائماً كعضو تنظيمي رسمي فيها، إلا أن المرشح الرئاسي والمفاوض النووي السابق
سعيد جليلي يُعتبر الممثل الأبرز لخطهم الأيديولوجي في الانتخابات.
وهناك أيضا صادق محصولي، ويشغل الأمين العام الحالي للجبهة، وهو وزير داخلية سابق
وملياردير يُعد الممول الرئيسي للتيار.
ومن بين أشهر رموزهم مرتضى آقا طهراني، وهو رجل دين بارز وزعيم الكتلة البرلمانية
للجبهة.
وتمتلك بايداري نفوذاً واسعاً في البرلمان الإيراني، ومؤسسات الحرس الثوري.
ويستخدمون منابرهم البرلمانية والإعلامية للضغط على الرئيس الحالي مسعود بزشكيان،
ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، متهمين إياهم بتقديم تنازلات تمس الكرامة
الوطنية والبرنامج النووي من أجل سراب اقتصادي.
ويشكلون حاليا التهديد الداخلي الأكبر لإفشال فترة الـ 60 يوماً التفاوضية، حيث
يسعون لفرض خطوط حمراء تشريعية تمنع الحكومة من تقديم أي تنازلات حقيقية
للأمريكيين.
ثانيا المعارضة داخل الكيان الصهيوني
شهدت الساحة السياسية الصهيونية بمختلف أطيافها حالة من الغليان والصدمة عقب
الإعلان عن بعض تفاصيل مذكرة التفاهم. المفارقة هنا أن هناك إجماعاً نادراً بين
الحكومة والمعارضة على رفض الاتفاق واعتباره كارثة استراتيجية وطوق نجاة قُدم
للنظام الإيراني.
فحكومة الكيان تحاول موازنة غضبها من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع ضرورة
الحفاظ على حرية العمل العسكري.
فبنيامين
نتنياهو (رئيس الوزراء)، يحاول السير على حبل مشدود؛ لتجنب الصدام المباشر والشخصي
مع ترامب، لكنه رفض الاتفاق عملياً. وصرح نتنياهو بوضوح: "هذا قرار ترامب وهو من
يقوده، وقد أبديت رأيي في محادثاتنا.. ولكن لدينا مصالحنا". وقد أبلغ ترامب صراحة
بأن الكيان غير ملزم بالبند الخاص بلبنان، ولن يقبل بالانسحاب من الأراضي التي توغل
فيها.
أما
يسرائيل
كاتس، وزير الدفاع، فقد جاء رده ميدانياً وصارماً، حيث أعلن أن اتفاق أمريكا وإيران
لن يوقف عمليات الجيش الصهيوني، وأن الجيش سيبقى في المناطق العازلة التي أقامها في
لبنان وسوريا وغزة إلى أجل غير مسمى، رافضاً أي تراجع استجابة للضغوط الأمريكية.
أما
إيتمار
بن غفير (وزير الأمن القومي)، فقد كان هجومه مباشراً على الإدارة الأمريكية، حيث
نشر على منصة إكس أن "اتفاق ترامب لا يلزمنا بشيء، وأن اسرائيل (الكيان) ليست
جمهورية موز أو دولة تابعة للولايات المتحدة، وطالب بمواصلة تفكيك قدرات حزب الله
مهما كان الثمن.
والملفت للنظر في هذا المشهد هو حالة الشعور بالخيانة في الأوساط اليمينية
الصهيونية تجاه ترامب. وقد تجلى ذلك في خروج إعلاميين مقربين جداً من نتنياهو (مثل
ينون ماجال في القناة 14) بهجوم غير مسبوق وبألفاظ نابية ضد ترامب ونائبه جي دي
فانس ومبعوثيه، واصفين إياهم بأنهم تخلوا عن الكيان من أجل إبرام صفقة نفطية
وملاحية.
ثالثا، المعارضة في أمريكا
تُمثل المعارضة داخل الولايات المتحدة وتحديداً من داخل الحزب الجمهوري والتيار
اليميني، إحدى أكثر زوايا هذا الاتفاق تعقيداً ومفارقة. فنحن أمام مشهد سياسي
استثنائي: الرئيس الجمهوري دونالد ترامب هو من هندس ووافق على هذه المذكرة، ومع
ذلك، فإن أشرس الانتقادات تأتي من داخل خندقه السياسي، مما يخلق شرخاً واضحاً بين
براغماتية الرئاسة ، وأيديولوجية اليمين المحافظ.
تتوزع المعارضة داخل المعسكر اليميني الأمريكي تجاه المذكرة على ثلاثة تيارات
رئيسية، يجمع بينها عدم الثقة في إيران، لكنها تختلف في مبررات رفضها لاتفاق ترامب:
في طليعة
المعارضين يبرز صقور الكونجرس، وعلى رأسهم شخصيات مثل السيناتور توم كوتون وليندسي
غراهام. حيث يرون أن التراجع عن الخيار العسكري ورفع الحصار البحري يمثلان انهياراً
لمنظومة الردع الأمريكية. بالنسبة لهم، لا جدوى من اتفاق إطاري مؤقت، ويطالبون بألا
يكون هناك أي حديث عن تهدئة أو رفع عقوبات قبل تفكيك كامل وشامل، وغير قابل للرجوع
للبرنامج الصاروخي والنووي الإيراني، معتبرين أن أي تساهل هو رسالة ضعف تضر بهيبة
واشنطن العالمية.
أما
الإنجيليون المحافظون، الذين يمثلون الركيزة العقائدية والأخلاقية للقاعدة
الانتخابية الجمهورية، فيتخذون موقفاً ينبع من أساس ديني سياسي يعتبر أمن الكيان
خطاً أحمر لا يقبل المساومة. هؤلاء يرون في بند وقف العمليات العسكرية خذلاناً لا
يغتفر للحليف الصهيوني، معتبرين أن أي اتفاق يمنع الكيان من استكمال عملياته لتدمير
البنية التحتية لحزب الله هو إجهاض لمصلحة استراتيجية وأخلاقية عليا، وهو ما يجعلهم
في حالة صدام مباشر مع التوجه البراغماتي الذي يقوده ترامب حالياً.
في حين
يأتي تيار ماجا (امريكا أولا) الراديكالي، وهو الأكثر التصاقاً بترامب تاريخياً،
ليقدم نوعاً مختلفاً من المعارضة يمتزج فيها الولاء بالشك. فهؤلاء يرفضون أي
التزامات قد تُبقي الولايات المتحدة متورطة في حماية ممرات مائية بضمانات هشة أو
اتفاقات دبلوماسية تقليدية. هم يميلون أكثر إلى شعارات الضغط الأقصى فقط، ويرون أن
الانخراط في عملية تفاوضية مع النظام الإيراني بغض النظر عن تفاصيلها يتناقض مع
الوعود الانتخابية التي قامت عليها حركتهم، معبرين عن مخاوفهم من أن تؤدي هذه
المذكرة إلى إطالة أمد التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط بدلاً من إنهائه.
هذا
التنوع في المعارضة يضع إدارة ترامب في مأزق سياسي خانق؛ فبينما تحاول الإدارة
تسويق الاتفاق باعتباره إنجازاً براغماتياً، يخدم مصالح أمريكا الاقتصادية ويخفض
أسعار النفط، يجد الحلفاء في الكونغرس أنفسهم أمام مذكرة تفتح جبهات نقد داخلية قد
تعرقل تحويل هذا الإطار المبدئي إلى اتفاق نهائي ومستقر.
الخلاصة
يمكن ما أعلن عنه من مذكرة التفاهم بأنها هدنة هشّة محفوفة بتناقضات حادة، حيث يرفض
الصقور في كل من أمريكا والكيان تقديم مكاسب اقتصادية لإيران قبل تفكيك قدراتها،
بينما يراها المتشددون في إيران تراجعاً ثورياً.
هذا الإجماع العابر للحدود على رفض النهج البراغماتي يضع الاتفاق أمام اختبار صعب؛
إذ تُنذر ضغوط المعارضين وحملات التخوين المتبادلة بإجهاض فترة الـ 60 يوماً
التفاوضية، محولةً المذكرة من مسار للتهدئة إلى فتيل لأزمات سياسية داخلية عميقة في
العواصم الثلاث.