• - الموافق2026/06/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
لماذا أصبحت تركيا هدفًا لغضب إسرائيل؟

في خضم إخفاقات إسرائيل وقذائفها النارية التي تلهب بها المنطقة، برزت تركيا كأحد الأهداف في مرمى الانتقادات السياسية الإسرائيلية، وبدا الشحن الدبلوماسي بين الطرفين على أشده، ما يؤشر إلى وصول العلاقة بين الطرفين إلى مستوى من الاحتدام لم تصله من قبل.


في الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الدول دائمًا بحجم ترساناتها العسكرية أو عدد الطائرات والصواريخ التي تمتلكها، بل بقدرتها على التأثير في مسار الأحداث وصناعة التوازنات الإقليمية. وخلال المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انصبت الأنظار بصورة أساسية على واشنطن وتل أبيب وطهران باعتبارها الأطراف المنخرطة مباشرة في الصراع، غير أن اسم تركيا عاد ليظهر بقوة في عدد من التقارير والتسريبات والتصريحات الإسرائيلية التي حاولت تفسير ما جرى خلال الحرب وما انتهت إليه من نتائج.

ففي الأسابيع التي أعقبت المواجهة، برزت روايات إسرائيلية متعددة تحدثت عن وجود تباينات حول الأهداف النهائية للحرب، وعن نقاشات دارت داخل دوائر صنع القرار بشأن مدى إمكانية توسيع نطاق العمليات العسكرية لتتجاوز استهداف البرنامج النووي والبنية العسكرية الإيرانية نحو إحداث تغيرات أوسع داخل إيران نفسها. وفي خضم هذه النقاشات تكرر ذكر تركيا باعتبارها واحدة من القوى الإقليمية التي أبدت تحفظات على بعض السيناريوهات المطروحة، لا دفاعًا عن النظام الإيراني بالضرورة، وإنما انطلاقًا من حسابات أمنية واستراتيجية خاصة بها.

شهادات إسرائيلية تثير الجدل

أحد أبرز التصريحات التي استرعت الانتباه جاء على لسان تامير هايمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الذي تحدث في مقابلة إعلامية عن وجود تصورات وخطط نوقشت خلال الحرب تجاوزت فكرة توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران.

ووفقًا للرواية التي قدمها، فإن بعض التصورات كانت تتضمن الاستفادة من جماعات معارضة ومسلحة داخل إيران لزيادة الضغوط على النظام، وتهيئة ظروف قد تفتح الباب أمام تغيرات سياسية داخلية أوسع. إلا أن اللافت في حديثه لم يكن تفاصيل تلك التصورات بقدر ما كان حديثه عن جملة العوامل التي حالت دون الانتقال إليها.

فبحسب الرواية الإسرائيلية، لم يكن هناك إجماع كامل داخل المعسكر الداعم للحرب بشأن توسيع أهدافها، بل ظهرت تحفظات من أطراف متعددة، بعضها داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وبعضها من قوى إقليمية تخشى التداعيات اللاحقة لأي انهيار محتمل للدولة الإيرانية. وفي هذا السياق جرى التطرق إلى الموقف التركي بوصفه أحد المواقف التي عبرت عن القلق من فتح الباب أمام متغيرات جيوسياسية يصعب التحكم بنتائجها.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها صادرة عن شخصية شغلت أحد أهم المواقع الأمنية في إسرائيل، كما أنها تعكس حجم النقاش الدائر داخل الأوساط الإسرائيلية حول ما إذا كانت الحرب قد حققت بالفعل ما كان مأمولًا منها أم أنها توقفت عند حدود أقل بكثير من الطموحات التي كانت مطروحة في بعض الدوائر.

بعيدًا عن الروايات الإسرائيلية، فإن الموقف التركي يمكن فهمه في إطار اعتبارات استراتيجية مستقرة نسبيًا في السياسة الخارجية التركية.

فعلى الرغم من التنافس المعروف بين أنقرة وطهران في ملفات عديدة تشمل سوريا والعراق وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، فإن تركيا لا تنظر بعين الارتياح إلى أي سيناريو يؤدي إلى تفكك الدولة الإيرانية أو انهيار مؤسساتها المركزية.

وتدرك أنقرة أن أي فراغ أمني واسع داخل إيران قد ينعكس مباشرة على ملفات شديدة الحساسية بالنسبة لها، وفي مقدمتها المسألة الكردية. فإيران تضم كتلة سكانية كردية كبيرة، وأي اضطراب واسع قد يفتح المجال أمام صعود قوى مسلحة جديدة أو مشاريع انفصالية يمكن أن تمتد آثارها إلى تركيا والعراق وسوريا.

ومن هذا المنطلق، فإن التحفظ التركي لا يعكس بالضرورة تقاربًا سياسيًا مع طهران، بقدر ما يعكس خشية من تداعيات الفوضى وإعادة رسم الخرائط السياسية على أسس عرقية أو طائفية، وهي سيناريوهات ترى أنقرة أنها قد تخلق مشكلات أكبر من المشكلات القائمة حاليًا.

خطة الحرب وأهدافها المتراجعة

وتشير تسريبات إسرائيلية متداولة إلى أن ما نُفذ خلال الحرب كان أقل بكثير مما كانت بعض الدوائر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تأمل في تحقيقه.

فبحسب مصادر إسرائيلية، جرى خلال مراحل الإعداد الأولى بحث خيارات أكثر اتساعًا تشمل زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران بالتوازي مع تحركات داخلية تستهدف إضعاف النظام ودفعه نحو أزمة سياسية عميقة.

غير أن الإدارة الأمريكية بدت أكثر حذرًا تجاه هذه الطروحات، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تجر أطرافًا متعددة إلى الصراع.

وفي هذا الإطار تتحدث بعض الروايات الإسرائيلية عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافق على تنفيذ جزء محدود من الخطة الأصلية، في حين جرى استبعاد مسارات أخرى كانت بعض الأوساط الإسرائيلية تنظر إليها باعتبارها ضرورية لتحقيق نتائج أكثر حسمًا.

وسواء كانت هذه الروايات دقيقة بالكامل أم لا، فإنها تكشف حجم الجدل الذي دار داخل معسكر الحلفاء أنفسهم بشأن حدود الحرب وأهدافها النهائية.

ما الذي أغضب إسرائيل؟

التقارير الإسرائيلية لم تُخفِ وجود حالة من الإحباط داخل بعض الأوساط السياسية والأمنية التي كانت ترى أن الظروف الإقليمية والدولية كانت مواتية لتحقيق مكاسب أكبر.

وفي هذا السياق كتب عدد من المعلقين الإسرائيليين عن الفرصة التي ضاعت، وعن العوامل التي حالت دون تحويل الضربات العسكرية إلى مشروع أشمل لإعادة تشكيل المشهد الإيراني.

ومن بين الأسماء التي تكررت في هذه الروايات اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ليس باعتباره صاحب قرار داخل واشنطن أو الطرف القادر وحده على تعطيل الخطط الأمريكية والإسرائيلية، وإنما باعتباره ممثلًا لموقف إقليمي معارض لبعض السيناريوهات المطروحة.

كما أن الحديث الإسرائيلي عن الدور التركي جاء متزامنًا مع انتقادات موجهة لشخصيات أمريكية بارزة أبدت هي الأخرى تحفظات على توسيع نطاق الحرب، ما يشير إلى أن التراجع عن بعض الخطط كان نتيجة تداخل عوامل عديدة أكثر من كونه استجابة لموقف طرف واحد.

القدس... ملف إضافي للتوتر

بالتوازي مع الجدل المرتبط بالحرب على إيران، برز سبب آخر للتوتر بين أنقرة وتل أبيب تمثل في السجال المتجدد حول القدس.

فقد أثارت تصريحات وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، التي تحدث فيها عن أمنيته أن يكون واليًا على القدس ليوم واحد وعن اعتقاده بأن المدينة ستعود يومًا ما إلى السيادة التركية، موجة واسعة من الانتقادات الإسرائيلية.

وسرعان ما رد مسؤولون إسرائيليون على هذه التصريحات، معتبرين أنها تعكس نزعة لإحياء الإرث العثماني في المنطقة، بينما شددوا على أن القدس ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية.

ورغم أن مثل هذه السجالات ليست جديدة في العلاقات التركية الإسرائيلية، فإنها تعكس حجم الحساسية المرتبطة بملف القدس، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد التوترات المرتبطة بالمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية عمومًا.

تركيا بين إيران وفلسطين

تكشف هذه التطورات مجتمعة أن تركيا تحاول الموازنة بين عدة اعتبارات متشابكة في سياستها الإقليمية.

فمن جهة، تسعى إلى منع أي ترتيبات قد تهدد أمنها القومي أو تعزز نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بالملف الكردي، ومن جهة أخرى تواصل تبني خطاب سياسي داعم للفلسطينيين ورافض للسياسات الإسرائيلية في غزة والقدس.

ولا يعني ذلك أن السياسة التركية خالية من الحسابات البراغماتية أو التناقضات، فهي في النهاية دولة تتحرك وفق مصالحها الوطنية وتوازناتها الإقليمية، شأنها شأن بقية القوى الفاعلة في المنطقة. إلا أن تداخل هذه الملفات جعلها طرفًا حاضرًا في عدد متزايد من الأزمات الإقليمية، وهو ما يفسر تكرار حضورها في النقاشات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة.

كلمة أخيرة

في المحصلة، لا يتعلق الجدل الإسرائيلي حول تركيا بحادثة منفردة أو بتصريح سياسي عابر، بل يعكس خلافًا أعمق بشأن شكل النظام الإقليمي الذي يتشكل في الشرق الأوسط. فبينما ترى إسرائيل أن بعض التحولات الإقليمية قد توفر فرصًا لإعادة صياغة موازين القوى بصورة تخدم مصالحها الأمنية، تنظر تركيا إلى كثير من هذه التحولات من زاوية مختلفة ترتبط بالحفاظ على الاستقرار ومنع نشوء تهديدات جديدة على حدودها.

ومن هنا يمكن فهم سبب تصاعد الانتقادات الإسرائيلية لأنقرة خلال الفترة الأخيرة؛ فهي ليست مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، فالعلاقة بين أنقرة وتل أبيب أصبحت محكومة بملفات متشابكة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التنافس الجيوسياسي والخلافات السياسية، وهو ما يجعل التوتر بينهما مرشحًا للاستمرار ما دامت أسباب الخلاف الأساسية قائمة.

أعلى