• - الموافق2026/05/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ما هو «فخ ثيوسيديدس» الذي حذّر شي جين بينغ ترامب منه؟

ما يدور بين بكين وواشنطن ليس مجرد تنافسٍ اقتصادي أو سباقٍ تقني، بل صراع على شكل العالم القادم. وحين يستحضر الرئيس الصيني "فخ ثيوسيديدس"، بدا وكأن التاريخ القديم يطلّ من شرفة عالية على مرحلة جديدة من التاريخ

المصدر: The Conversation

كتبه: ديفيد إم. بريتشارد

أستاذ مشارك في التاريخ اليوناني، جامعة كوينزلاند

 

في لحظةٍ تختزن كثيرًا من القلق الاستراتيجي وإعادة رسم موازين القوة الدولية، كشفت تقارير عن أن الرئيس الصيني شي جين بينغ طرح على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقائهما في بكين هذا الأسبوع، سؤالًا يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية وهو "عمّا إذا كان بإمكان البلدين تجاوز ما يُعرف بـ«فخ ثيوسيديدس»".

وقد شاع استخدام هذا المصطلح على يد عالم السياسة الأمريكي المعاصر غراهام أليسون في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، للدلالة على الكيفية التي قد تنزلق بها دولتان نحو الحرب عندما تشعر القوة العظمى القائمة بالقلق من صعود قوة منافسة ناشئة. وكان أليسون يقصد تحديدًا العلاقة بين الصين والولايات المتحدة.

ويعود أصل المصطلح إلى المؤرخ والقائد العسكري الأثيني ثيوسيديدس، صاحب كتاب تاريخ الحرب البيلوبونيسية، الذي تناول الحرب الممتدة سبعةً وعشرين عامًا بين أثينا وإسبرطة، والتي اندلعت سنة 431 قبل الميلاد.

لكن ماذا قال ثيوسيديدس فعلًا؟ وما علاقة أثينا وإسبرطة بطبيعة العلاقات الأمريكية الصينية اليوم؟

تعثرٌ ضمني في إدارة القوة

يفترض مفهوم "فخ ثيوسيديدس" ضمنيًا أن القوة المهيمنة القائمة تُسيء إدارة صعود القوة الجديدة، فتشعر بأنها مضطرة إلى خوض الحرب، رغم أن الحرب ليست بالضرورة الخيار الوحيد المتاح.

ويستند هذا التصور إلى عبارة شهيرة وردت في كتاب ثيوسيديدس تاريخ الحرب البيلوبونيسية (الكتاب الأول، الفصل 23)، حيث قال:

«إن تنامي قوة أثينا، وما أثاره ذلك من خوف لدى لاكيديمون [إسبرطة]، هو ما جعل الحرب حتمية».

وبعبارة أخرى، يرى ثيوسيديدس أن السبب الحقيقي الذي جعل الحرب البيلوبونيسية أمرًا لا مفر منه، هو الصعود المتسارع للقوة الأثينية.

ففي ذلك الوقت، كان كثير من اليونانيين يفسرون اندلاع الحرب باعتبارها نتيجة نزاعات صغيرة ومتفرقة بين أثينا وإسبرطة، غير أن ثيوسيديدس رفض هذا التفسير، واعتبر أن السبب الأعمق يتمثل في خوف إسبرطة ـ بوصفها القوة التقليدية المهيمنة ـ من الدولة الصاعدة الجديدة: أثينا الديمقراطية.

ومن هنا جاءت الفكرة المعاصرة القائلة إن الولايات المتحدة، في ظل قلقها من صعود الصين، قد تميل إلى خيار الحرب رغم وجود بدائل أخرى ممكنة.

لكن كثيرًا من المتخصصين في التاريخ اليوناني القديم يعترضون على الطريقة التي يُستخدم بها هذا المصطلح اليوم.

مصطلح محل جدل

إن كلمة «فخ» توحي بأن إسبرطة ارتكبت خطأً سنة 431 قبل الميلاد، وأنها كان يمكن أن تتعامل مع صعود أثينا بطريقة أكثر حكمة. غير أن هذا ليس بالضبط ما يرويه ثيوسيديدس في الكتاب الأول من عمله التاريخي.

فهو يبين أن لدى إسبرطة أسبابًا حقيقية تدفعها إلى الخوف من القوة الأثينية المتنامية. فقد أصبحت أثينا آنذاك القوة البحرية الأبرز في البلقان وبحر إيجة، وشرعت في سحب حلفاء إسبرطة الواحد تلو الآخر، كما كانت تعاقب بعنف من يرفض الانشقاق عن التحالف الإسبرطي.

بل إن حلفاء إسبرطة أنفسهم قالوا لها سنة 432 قبل الميلاد: «عليكم أن تفعلوا شيئًا تجاه أثينا، وإن لم تتحركوا فسوف ننضم إليها».

ومن ثمّ، فإن الضغط الذي مارسه الحلفاء هو ما دفع إسبرطة في النهاية إلى التحرك ضد أثينا.

صحيحٌ أن مخاوف إسبرطة من القوة الأثينية المتصاعدة دفعتها إلى الحرب، لكنها رأت نفسها مضطرة إلى خوض حرب شاملة للحفاظ على نظام تحالفاتها، ولذلك أقدمت سنة 431 قبل الميلاد على نقض معاهدة السلام الموقعة مع أثينا.

منظور أبعد من الحرب نفسها

على مستوى أوسع، يشير مفهوم «فخ ثيوسيديدس» أيضًا إلى أن الأمور لم تنتهِ بصورة جيدة بالنسبة لإسبرطة نفسها على المدى الطويل؛ فعلى الرغم من انتصارها في الحرب البيلوبونيسية، فإن تحقيق ذلك استغرق سبعةً وعشرين عامًا كاملة.

وبعد النصر، اتجهت إسبرطة إلى التوسع بصورة كبيرة لتصبح قوة أعظم وأكثر هيمنة، الأمر الذي أثار خوف بقية المدن اليونانية على أمنها واستقلالها.

وقد أدى هذا التمدد الإسبرطي بعد عام 404 قبل الميلاد إلى تحوّل كثير من الحلفاء إلى خصوم، فتجمعت المدن اليونانية في مواجهة إسبرطة، التي تلقت هزيمة ساحقة سنة 371 قبل الميلاد في معركة ليوكترا.

وانهار النظام الأمني الإسبرطي بالكامل؛ إذ فقدت إسبرطة حلفاءها، وتحرر عبيدها، وتحولت من قوة كبرى إلى دولة هامشية محدودة التأثير.

ومن هنا تأتي الرسالة الضمنية التي يستخلصها أنصار مفهوم «فخ ثيوسيديدس» بالنسبة للولايات المتحدة: إن الخوف من القوى الصاعدة يشكل عاملًا بالغ التأثير في تشكيل العلاقات الدولية.

غير أن كثيرًا ممن يستخدمون هذا المفهوم يغفلون ما حدث لأثينا نفسها على المدى الطويل.

كيف نجت أثينا؟

لقد تمكنت أثينا من النجاة بعد الحرب البيلوبونيسية، واستعادت نظامها الديمقراطي وقوتها العسكرية، وعادت لتصبح قوة إقليمية مؤثرة.

لكن اللافت أن أثينا، بحلول أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، أصبحت تواجه ضغوطًا هائلة من الإمبراطورية الفارسية، التي كانت تفوق أي دولة يونانية قوةً ونفوذًا.

ولهذا السبب قررت أثينا تقليص طموحاتها الإمبراطورية، والتخلي عن مشروع السيطرة الواسعة على مدن الأناضول اليونانية، وقبلت بعودتها إلى النفوذ الفارسي.

وبدلًا من السعي إلى الهيمنة المتوسطية الشاملة، ركزت أثينا على محيط بحر إيجة، وأدركت حدود قدرتها الواقعية، فتخلت عن المواجهة الكبرى مع الفرس.

وبالتالي، فإن قرار إسبرطة بخوض الحرب ضد أثينا سنة 431 قبل الميلاد لم يؤدِّ، على المدى الطويل، إلى هيمنة أثينية مطلقة على العالم اليوناني.

الدروس المستفادة للعلاقات الأمريكية الصينية

تقدم الحرب البيلوبونيسية دروسًا مهمة لفهم العلاقات الصينية الأمريكية اليوم.

أحد هذه الدروس أن محاولة القوة المهيمنة منع صعود قوة ناشئة قد تكون مكلفة ومدمرة؛ فقد تعلمت إسبرطة أن احتواء أثينا بالقوة جرّ عليها أثمانًا استراتيجية باهظة.

ولو اختارت إسبرطة التكيف مع صعود أثينا بدلًا من الدخول في حرب شاملة معها، لربما استطاعت الحفاظ على مكانتها قوةً عظمى طوال القرن الرابع قبل الميلاد.

وثمة درس آخر يتمثل في أن القوة الكبرى القائمة ـ كالولايات المتحدة اليوم ـ تستطيع تقليص طموحاتها العالمية والتركيز بصورة أكبر على محيطها الجغرافي المباشر.

وهذا تحديدًا ما فعلته أثينا بعد الحرب البيلوبونيسية؛ إذ أدى تخفيف طموحاتها الإمبراطورية إلى ازدهارها الثقافي والسياسي، وإلى إبعاد الأخطار الخارجية عنها لعدة عقود.

ومن ثم، فإن التاريخ اليوناني القديم لا يقدم مجرد تحذير من صدام القوى الكبرى، بل يكشف أيضًا أن إدارة التوازنات الدولية بحكمة، والاعتراف بحدود القوة، قد يكونان أكثر فاعلية من السعي الدائم إلى الاحتواء والمواجهة.

أعلى