• - الموافق2026/04/23م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
عمارة المساجد (1)  بناء المساجد وصيانتها

كيف يجمع المسلم بين فضل بناء المساجد وعمارتها ماديًا ومعنويًا، وبين تحقيق الإخلاص واجتناب المخالفات الشرعية كالبناء على القبور أو استخدام المال غير الطيب، مع فهم دور المساجد في إصلاح القلوب ونشر العلم واستمرار الأجر لصاحبها عبر الأزمان المتعاقبة بإذن الله


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى؛ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الْأَعْلَى: 2 - 5]، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ؛ فَتَحَ أَبْوَابَ الْخَيْرَاتِ لِعِبَادِهِ، وَنَوَّعَ لَهُمُ الطَّاعَاتِ، فَمَنْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابٌ مِنَ النَّوَافِلِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابٌ، فَضْلًا وَرَحْمَةً مِنَ الرَّحِيمِ الْوَهَّابِ، وَلَا يَهْلَكُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا هَالِكٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ حَضَّ عَلَى تَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ وَعِمَارَتِهَا، وَبَيَّنَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَكَانَ أَوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ؛ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا تَجِدُونَهُ أَمَامَكُمْ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَتَاعُهَا قَلِيلٌ، وَهِيَ دَارُ الْغُرُورِ، فَلَا يَغْتَرُّ بِزِينَتِهَا إِلَّا مَغْرُورٌ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فَاطِرٍ: 5].

أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُؤْمِنُ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا أَوْ يُشَارِكَ فِي بِنَائِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ، وَفِيهَا يُعْبَدُ وَيُوَحَّدُ وَيُذْكَرُ اسْمُهُ، وَيُتْلَى كِتَابُهُ، وَفِيهَا يُنْشَرُ الْعِلْمُ وَيُرْفَعُ الْجَهْلُ، وَفِيهَا الْمَوَاعِظُ وَالْخُطَبُ وَالتَّذْكِيرُ، فَتَلِينُ الْقُلُوبُ بَعْدَ قَسْوَتِهَا، وَتَتَنَبَّهُ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَكَمْ مِنْ تَوْبَةٍ كَانَتْ بِسَبَبِ الْمَسْجِدِ وَمَا يُمَارَسُ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّذْكِيرِ.

وَعَامِرُ الْمَسْجِدِ أَوِ الْمُشَارِكُ فِي عِمَارَتِهِ قَدْ وَضَعَ مَالًا وَنَسِيَهُ، وَلَكِنْ يَبْقَى أَجْرُهُ عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ وَقْفٌ، فَيَبْقَى الْأَجْرُ مَا بَقِيَ الْوَقْفُ.

وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَأَرَادَ بِنَاءَ مَسْجِدِهِ كَانَتْ أَرْضُهُ حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ([1])، فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ كَمْ مَضَى عَلَى وَقْفِ بَنِي النَّجَّارِ مِنَ الْقُرُونِ، وَكَمْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَمْ خَرَّجَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْوُعَّاظِ وَالْحُفَّاظِ؟! لَا يَحْصِي ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَرْضُهُ وَقْفٌ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَكَمْ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ؟!

وَوَسَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَعْمَلُونَ مَعَهُ بِأَيْدِيهِمْ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ([2])، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: قَالَ: «فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: يَا عَمَّارُ، أَلَا تَحْمِلُ لَبِنَةً كَمَا يَحْمِلُ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ»([3]).

وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ثَنَاءٌ عَلَى عُمَّارِ الْمَسَاجِدِ ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: 18]، فَأَثْنَى سُبْحَانَهُ عَلَى عُمَّارِ الْمَسَاجِدِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَزَكَّاهُمْ بِالْهِدَايَةِ.

وَتَكُونُ عِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ بِبِنَائِهَا، وَتَنْظِيفِهَا، وَفَرْشِهَا، وَإِنَارَتِهَا، كَمَا تَكُونُ عِمَارَتُهَا: بِالصَّلَاةِ فِيهَا، وَكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ عَلَيْهَا لِحُضُورِ الْجَمَاعَاتِ، وَتَعَلُّمِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَتَعْلِيمِهَا، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ([4]).

وَالْمُخْلِصُ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ يُجْزَى بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ([5]).

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَسَاجِدُ الطُّرُقِ لِلْمُسَافِرِينَ الَّتِي عَادَةً مَا تَكُونُ صَغِيرَةَ الْمِسَاحَةِ، وَلَمْ تُهَيَّأْ كَتَهْيِئَةِ مَسَاجِدِ الْحَوَاضِرِ؛ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي تُصْنَعُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ؟ قَالَ: وَتِلْكَ»([6]).

وَمَهْمَا صَغُرَتْ مِسَاحَةُ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَسْتَحِقُّ مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْرِ، وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَكَ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَلَهُ أَجْرُ مَا اشْتَرَكَ بِهِ؛ لِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ([7])، وَالْقَطَا نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ، وَمَفْحَصُهَا هُوَ مَوْضِعُ بَيْضِهَا([8]).

وَمِمَّا قِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنْ يَزِيدَ فِي مَسْجِدٍ قَدْرًا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِمِقْدَارِ مَحَلِّ بَيْضِ الْقَطَاةِ، أَوْ يَشْتَرِكُ جَمَاعَةٌ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَتَقَعُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْرَ([9]).

وَتَوْسِعَةُ الْمَسْجِدِ إِذَا ضَاقَ بِالنَّاسِ لِصِحَابِهَا خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ([10]).

وَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ شَارَكَ فِي بِنَائِهِ أَنْ يُخْلِصَ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ شَرْطُ صَلَاحِ الْعَمَلِ وَقَبُولِهِ، وَجَاءَ النَّصُّ عَلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، لَا يُرِيدُ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ([11]). فَنَصَّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِمَظِنَّةِ وُقُوعِ الرِّيَاءِ فِيهِ.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى عَمَلِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى حَصَلَ لَهُ هَذَا الْأَجْرُ، وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ أَوِ الْمُبَاهَاةَ فَصَاحِبُهُ مُتَعَرِّضٌ لِمَقْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِقَابِهِ»([12]).

وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ بِنَاءَ مَسْجِدٍ أَنْ يَخْتَارَ الْحَيَّ الَّذِي بِهِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ؛ لِخُلُوِّهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، أَوْ لِازْدِحَامِهِ بِالسُّكَّانِ، فَتَمْتَلِئُ مَسَاجِدُهُ بِالْمُصَلِّينَ، وَمَنْ بَنَاهُ فِي مَكَانٍ خَالٍ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ أَحَدٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ بَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ([13]).

فَحَرِيُّ بِكُلِّ وَاجِدٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْخَيْرِ عَطَاءٌ، بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَحَرِيٌّ بِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُشَارَكَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ؛ لِئَلَّا يُحْرَمَ مِنْ بَابِ الْخَيْرِ هَذَا.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَخْلِصُوا لَهُ فِي أَعْمَالِكُمْ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا صَوَابًا ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الْجِنِّ: 18].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ مِصْرٌ أَوْ قَرْيَةٌ يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِيهَا([14]).

وَمَنْ عَزَمَ عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوِ الْمُشَارَكَةِ فِي بِنَائِهِ فَلْيَخْتَرْ مِنْ مَالِهِ أَطْيَبَهُ، فَلَا يَكُونُ مَالًا حَرَامًا أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَا تَكُونُ أَرْضُ الْمَسْجِدِ مُغْتَصَبَةً أَوْ مُتَنَازَعًا عَلَيْهَا أَوْ فِيهَا شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَطْيَبِ الْأَعْمَالِ فَلَا يَخْتَارُ لَهَا مِنَ الْبِقَاعِ إِلَّا أَطْيَبَهَا، وَلَا مِنَ الْمَالِ إِلَّا أَطْيَبَهُ.

وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْجِدَ عَلَى قَبْرٍ أَوْ يُدْخِلَ قَبْرًا فِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَغْلَظِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي كَرَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ عَنْهَا كَثِيرًا فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا بَابٌ إِلَى الشِّرْكِ، وَأَكَّدَ عَلَيْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِ لَيَالٍ فَقَطْ، كَمَا فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «...أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ([15]).

ثُمَّ كَرَّرَ التَّحْذِيرَ مِنْهَا وَهُوَ يُعَالِجُ كَرْبَ الْمَوْتِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَا: «لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ([16]).

وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ أَخْرِجُوا يَهُودَ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ([17]). وَلَوْلَا خُطُورَةُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، أَوْ إِدْخَالِ الْقُبُورِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لَمَا حَرَصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَالتَّغْلِيظِ فِيهِ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ، وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَا نَطَقَ بِهِ.

وَيَنْبَغِي لِمَنِ ابْتَنَى مَسْجِدًا أَنْ يَتَعَاهَدَهُ وَمُلْحَقَاتِهِ بِالصِّيَانَةِ الدَّائِمَةِ؛ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ، وَأَكْثَرَ رَاحَةً وَخُشُوعًا لِلْمُصَلِّينَ، وَأَكْثَرَ لِجَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ الْمُصَلِّينَ يَحْتَشِدُونَ فِي الْمَسَاجِدِ الْمُهَيَّأَةِ الْمُرِيحَةِ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ الْبِنَاءِ، وَأَجْرُ الْقِيَامِ عَلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ بِنَائِهِ، مَعَ مَا يَنَالُهُ مِنْ دَعَوَاتِ الْمُصَلِّينَ فِي مَسْجِدِهِ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النُّورِ: 36 - 38].

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


 


([1]) رواه من حديث أنس رضي الله عنه: البخاري في الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد (428) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (524).

([2]) رواه البخاري في الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد (447).

([3]) هذه الرواية لأحمد، ط: الرسالة، وصححه محققو المسند (18/ 367) رقم (11861) وصححها الحاكم، وقال: على شرط البخاري (2/ 162) رقم (2653).

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «وقول أبي سعيد: «كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين»، يدل على إن أبا سعيد شهد بناء المسجد وعمل فيه، وهذا يدل على إن المراد بناء المسجد ثاني مرة لا أول مرة، فإن جماعة من أهل السير ذكروا إن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فتح الله عليه خيبر بنى مسجده مرة ثانية، وزاد فيه مثله. وإنما استشهدنا لذلك بمشاركة أبي سعيد في بناء المسجد، ونقل اللبن؛ لأن أبا سعيد كان له عند بناء المسجد في المرة الأولى نحو عشر سنين أو دونها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رده يوم أحد ولم يجزه، وله نحو ثلاث عشرة سنة، وكانت غزوة أحد في أواخر السنة الثالثة من الهجرة، ومن له عشر سنين أو دونها فبعيد أن يعمل مع الرجال في البنيان». ثم ذكر جملة من الأدلة على ذلك في فتح الباري (3/300-302).

([4]) ينظر: المساجد، د. سعيد بن علي القحطاني (ص: 19).

([5]) رواه البخاري في الصلاة، باب من بنى مسجدا (450) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل بناء المساجد والحث عليها (533).

([6]) رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (4/ 213) رقم (1556) والبيهقي في الشعب (2678) وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (1/ 545).

([7]) رواه ابن ماجه في المساجد والجماعات، باب من بنى لله مسجدا (738) وصححه ابن خزيمة (1292) والنووي في خلاصة الأحكام (873) والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 179) والبوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 94) رقم (278) والألباني في صحيح الجامع (6128)، وجاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر وأبي ذر وابن عباس وأنس رضي الله عنهم، أجودها حديث جابر هذا.

([8]) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: والأفاحيص: جمع أفحوص القطاة، وهو موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، كأنها تفحص عنه التراب: أي تكشفه. والفحص: البحث والكشف. النهاية (3/ 415)

([9]) فتح الباري لابن حجر (1/ 545).

([10]) رواه من حديث ثمامة بن حزن القشيري: الترمذي في المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال: حديث حسن (3703) والنسائي في الأحباس، باب وقف المساجد (3607) وابن أبي عاصم في السنة (2/ 594) رقم (1305) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (13/ 14) رقم (5019) والدارقطني (5/ 348) رقم (4437) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (1594).

وله شاهد من حديث الأحنفي بن قيس رحمه الله تعالى عند: النسائي في الجهاد، باب فضل من جهز غازيا (3182) وابن أبي شيبة (6/ 359) رقم (32023) وأحمد في فضائل الصحابة (827) وفي المسند، ط: الرسالة، وقال محققوه: صحيح لغيره (1/ 535) رقم (511) وابن أبي عاصم (1303-1304) والبزار (390-391) وصححه ابن خزيمة (2487) وابن حبان (6920) وأحمد شاكر (1/ 382) رقم (511).

([11]) رواه الطبراني في الأوسط (7/ 111) رقم (7005) وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وما له من الشواهد ثم قال: والخلاصة: أن الحديث حسن أو صحيح بهذه الشواهد. والله أعلم  (7/ 1185-1187) رقم (3399).

([12]) فتح الباري (3/ 322).

 ([13]) رواه أحمد، وقال محققوه: حديث صحيح وهذا إسناد ضعيف لضعف الحسن بن يحيى الخشني، ولجهالة بشر بن حيان: وهو الخشني كذلك (25/ 386) رقم (16005) والطبراني في الكبير (22/ 88) رقم (213) وأبو نعيم في الحلية (8/ 319) وابن عساكر في حديث أهل حردان (ص: 81) رقم (21).

([14]) قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى: (يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحال) جمع محلة بكسر الحاء (ونحوها حسب الحاجة) فهو فرض كفاية، قال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: ثلاثة أشياء لا بد للناس منها: الجسور والقناطر وأراه ذكر المصانع والمساجد. كشاف القناع (2/ 364).

([15]) رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (532).

([16]) رواه البخاري في الصلاة، باب الصلاة في البيعة (435) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (531).

([17]) رواه أحمد، وصححه محققو المسند (3/ 223) رقم (1694) والطيالسي (229) والحميدي (85) والدارمي (2498) ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (235) والشاشي (264) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (596) والضياء المقدسي في المختارة (1123) وصححه أحمد شاكر (2/ 325) رقم (1694).

 

أعلى